ما تزال أحداث المستعمَرة البريطانية السابقة هونغ كونغ, التي عادت الى السيادة الصينية في العام 1997 تتصدّر الأنباء العالمية منذ حزيران الماضي, إن في تصاعد مطالب المُحتجّين أم في عنفهم وشغبِهم الآخذ في الإرتفاع على نحو يَشي بنيّة مبيّتة لدى هؤلاء للتحول إلى عصيان مُسلّح, وبخاصة تجاوز ما كان اعترض عليه المُحتجّون وجُلّهم من الطلبة, عندما عرضت رئيسة السلطة التنفيذية في المدينة «كاري لام» مشروع قانون لتسليم المجرمين للبرّ الصيني, ما اعتبره هؤلاء محاولة لزيادة نفوذ بيجين على المقاطعة قبل العام 2037 وهو العام الذي تم الاتفاق مع بريطانيا على عودة المدينة «الكاملة» للبر الصيني وتطبيق القوانين الصينية عليها.

تراجعَت كاري لام، وتم سحب مشروع القانون لكن الشغب تواصَل وبدت بيجين مُرتبِكة حيال الخطوات التي يتوجب اتّخاذها لإخماد الشغَب الذي تحوّل إلى تمرّد, ولم يُخفِ القائمون عليه هدفهم شلّ اقتصاد المقاطعة «ومطاردة» أنصار بيجين, الذين يُبدون مُقاومة لهؤلاء ويطلبون تدخّلاً حازما من العاصمة, حتى لا تسود الفوضى وتتدحرج لمواجهات دامية بين المُعارضين والمُوالين.

لا يخفى على أحد أن بيجين مُتردِّدة حيال ما يجري وبخاصة خشيتها تكرار أحداث ميدان تيان آن مين/حزيران 1989 والتي شكّلت نقطة تحوّل في المسيرة الصينية, خصوصاً ان الذين قادوا تمرّد ذلك العام كانوا يحاولون إستنساخ التجربة «السوفياتية» الكارثية, التي قادها سيء السمعة والصيت غورباتشوف, والتي أدت ضمن أمور أخرى إلى انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكّك الدول الاشتراكية وحلف وارسو, وسيادة منطق نهاية التاريخ وأن المستقبل للرأسمالية بنسختها النيوليبرالية، الامر الذي حسمه الزعيم الصيني دينغ هيساو بينغ (توفي العام 1997), ولم يسمح رغم الدعم الذي تلقّاه «الطلَبة» المتظاهرون في الميدان من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أوروبية عديدة، بتكرار النموذج السوفياتي, الذي - لو حدث في الصين, وبخاصة بعد زيارة غورباتشوف لها في العام ذاته 1989- لَمزّق الصين ذات القوميات الـ(56) وحوّلها الى ساحات للفوضى وحروب أهليّة لا تنتهي.

ماذا عن هونغ كونغ؟

لوّحت بيجين في الآونة الأخيرة وبعد استهداف المتظاهرين للشرطة وإغلاقهم الطرق والبنوك وتعطيل رحلات المطار الاكثر ازدحاما في العالم, باستخدام «السلاح الناري» ما أشّر الى ارتفاع منسوب القلق لدى المسؤولين الصينيين, الذين باتوا يخشون حدوث عصيان مدني يحظى - ويحظى الآن - بمزيد من الدعم الخارجي, الذي تتّهم بيجين واشنطن ولندن بتقديمه للمحتجّين, فضلا عن اعتباره تدخّلاً في شؤونها, لن تقف - كما تقول - مكتوفة اليدين حياله.

ثمة مؤشرات على نفاد صبر بيجين, واحتمالات تدخلها «العسكري» بات وارداً، ولم يكن دخول افراد الجيش الصيني «الرمزي», لإزالة مُخلّفات الحرائق وتنظّيف الشوارع, التي بدت كمسرح عمليات عسكرية, سوى إشارة واضحة على ان الصين بصدد انهاء هذا التمرّد الذي طال, ولم يعد ثمة مبرّرات لاستمراره, سوى تغذية نزعات الانفصال الذي لن تقبله القيادة الصينية, على ما تقول البيانات الغاضِبة والمُحذِّرَة الصادِرة عنها.

kharroub@jpf.com.jo