جمال عياد - ناقد مسرحي



حتى الآن، هناك شبه إجماع في الديانات السماوية والفلسفة، بأن المجتمعات على كوكب الأرض، تتأسس حيواتها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية على ثنائيات متحركة.

فمنطوق الديانات على سبيل المثال، يُقر بثنائية الخير والشر (ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها)، أي أن النفس البشرية تراوح ضمن إحدى انزياحاتها بوجودها الاجتماعي بين طرفي هذه الثنائية، أو بين طرفي ثنائية «المؤمن والكافر» وسوى ذلك من ثنائيات شبيهة.

وكذلك الحال في الفلسفة عموماً، ضمن نظرياتها الكثيرة حول مفهوم الثنائية، التي تقول بوجود واقعين (مادي وفكري). ومن ذلك ما يقره علم الاجتماع لثنائية الأنا والآخر، الذات أو النفس من جهة، والكيان من جهة ثانية، كطرفين منفصلين عن بعضهما بعضا.

هذه المقدمة لا بد منها، قبل الولوج لتحليل وتفكيك أبنية مسرحية «الآخر» من تأليف الإسباني ميجيل دي أونا مونو (1864-1936)، وإخراج حسين نافع، التي عُرضت أمس، كما تُعرض اليوم في المركز الثقافي الملكي.

ففي المشاهد الاستهلالية، يتلمس المتلقي حوارا متصاعداً يدور داخل وجدان شخصية ذكورية، ولكن مع اندفاع الفعل إلى الأمام يتضح أن الحوار هو بينها وبين «آخر» مرتبط معها، فيتفقان تارةً ويتخاصمان تارة أخرى (ثنائية الجلاد والضحية).

ومع تعاقب المشاهد واللوحات، يظهر منظور جديد للأحداث؛ فهناك أخوان، يتصارعان ويعلن كل منهما أنه يكره نفسه قبل أن يكرهه الآخر، من أجل الفوز بقلب زوجة الآخر، إلى الدرجة التي يقصي فيها أحدهما شقيقه موتاً لينال قلب زوجته، تلك التي كانت تراوده. إلا أن القاتل المنتصر يصرح بعد ذلك؛ «أصبحت أنا الضحية لأني سأظل أعاني طيلة حياتي لفعلتي هذه، فأنا سأظل أحمل وزر أخي، لا بل سأظل أحمل بداخلي ميتاً».

بعد ذلك، يحاول الأخ أقناع زوجة أخيه أنه ليس هو من تظن، بل هو شخصية أخرى، فيجيء ردها بأن هذا لا يهمها، لأنها بفعل طاقتها الشهوانية المتصاعدة في قلبها غيرةً من زوجته، ترغبه بجنون، بصرف النظر عمن يكون، وهكذا يستمر الحوار ليس بين هاتين الشخصيتين، وإنما يغدو بين أربع، حيث يظهر كل منها و(الآخر) لكل من هاتين الشخصيتين.

وبعد أن يقول الزوج أنه انتصر على زوجته لأنه سيبتعد عن حياتها، ترد عليه بأنها هي التي انتصرت، ذلك بأن في بطنها توأمين من علاقتها به، (ابن) لهُ و(آخر) مواز له. وتُريه حركات الصراع بينهما في بطنها، حتى وهما في مرحلة الأجنة.

جاءت تلك الأحداث درامياً ضمن تكنيك مسرحي يتأسس على سبر غور النفس البشرية، للإطلالة على ما يدور في دواخلها، والتي جلّ ما ظهر فيها شخوص وأفكار مرعبةً تارة وتائهة تارةً ثانية.

وبصرف النظر عن اختيار هذا التكنيك الدرامي في السرد، إلا أن الأهم هنا هو الشكل الجمالي الذي طرحته الرؤية الإخراجية، ضمن فضاء قاتم، لطرح الغرائز البشرية شخوصاً بدت تتبختر على الخشبة بشهوانيتها وتعاليها، ومن جهة أخرى بضغائنها وغرائزها الحيوانية، وبضعفها وانهياراتها ولهاثها وهي في النزع الأخير.

ورغم خلو المسرح من الأثاث والديكور، إلا أنه جاء محتشدا بالعلامات الدلالية المرئية، بفعل الصياغات الدرامية لتصميم الإضاءة البارعة لمحمد المراشدة، الذي استطاع طيلة زمن العرض، أن يجعل المشاهد لا يشعر للحظة أن المسرح فارغ إلا من كتلة المرآة أساساً التي اشتغل عليها نافع دلالات متعددة بوجود الزوجة والزوجة الأخرى، وحضور أمكنة متعددة.

وبدا اختيار الإخراج لتقديم شخوص الذكور (الأخوان، والآخر) من خلال ممثلة، موفقا في إعطاء الإثارة لنظام التلقي للمسرحية، وبرعت الممثلة أريج دبابنة في ذلك، والتي تعد هذه التجربة الأولى لها من حيث الأدوار التي قدمتها، بما تحمله من أبعاد نفسية مغايرة عما قدمت من شخصيات مسرحية سابقا، وكانت مقنعة جداً، لا بل أعطت لهذه الأدوار جاذبية وغرائبية في السياق الإيهامي، لتضع نفسها باقتدار كممثلة لها سطوة في تقديم أدوار معقدة.

أما أنجي كود فقد استطاعت أن تتماهى وتكون على مستوى عال من الأداء في تجسيد شخصيتي «لاورا» و«داميانا» لتقف بندية أمام أداء الشخوص التي قدمتها دبابنة، فاستحقت الممثلتان الإعجاب من الجمهور تصفيقا وإعجاباً.

وثمة ملاحظة جوهرية في النص الدرامي، تتعلق بطرح الحوارات بأن قابيل لو لم يقتل هابيل لقام هابيل بقتله، وهذا مخالف للنص وللمعنى الأصلي الذي يطرح فكرة عدم الانجرار وراء ارتكاب الجريمة والعدوان والقتل، حيث يردّ هابيل على قابيل عندما يعلن الأخير عزمه على قتله، قائلاً: «لن أمد يدي لأقتلك»، ليعلي من قيم التسامح، والابتعاد عن التطرف والغلو.

ورغم ذلك، اتسمت لغة العرض بسمات عُرف بها المسرح العالمي، ولكنها تكاد تغيب على المستوى العربي، إذ تأسست اللغة على مفاهيم علمَي النفس والاجتماع، وهما العلمان الأكثر نجاحاً من سواهما في تحليل وفهم نوازع وغرائز وعواطف وطبيعة النفس البشرية.

ولأن نافع امتلك جانبا من القدرة على التحليل النفسي لشخصياته، فقد أسهم هذا بقوة في تصميم الشخصيات وبنائها، فظهرت مثيرة وغرائبية على الخشبة، مقارنة بالنمط التقليدي للشخوص في الخطاب المسرحي الثقافي الشائع.