عمّان - الرأي

قطعت صناعة الأفلام الأردنية خلال السنوات الأخيرة شوطاً كبيراً، أثمر تجارب يُعتَدّ بها. ورغم التفاؤل الذي يعمّ المشهد شيئاً فشيئاً، إلّا أن هناك الكثير من التحديات ومحطات العناء، ومن أبرزها غياب آليات تمكين الشباب وتنمية قدراتهم على أسس منهجية أو من خلال التأهيل الأكاديمي المنتظم، وقلّة مصادر التمويل والتي تدفع الشغوفين بهذا الفن إلى خوض رحلة بحث مضنية بحثاً عن الدعم اللازم لإنجاز مشاريعهم.

ولا شك أنّ مشهد صناعة الأفلام المحلية قادر على تأثيث الحياة الثقافية بألوان من الاشتغالات متباينة الاهتمامات والجماليات في ما لو أحسن القائمون على هذا الحقل الإبداعي إيجاد بدائل ومبادرات تمكّن أصحاب المواهب من تقديم أعمال تحمل بذور طاقات شابة وتسهم في انتشالهم من منطقة التهميش والعزلة، وهذا ليس أمراً صعب التحقق لو وُجد هناك مَن يعتني بالمواهب ويقف إلى جانبها في مراحل التخطيط والتدريب والتطوير وانتقاء الموضوعات وتطوير نصوص مشاريعهم وإحاطتها بدرجات من الوعي والتذوق بعناصر الفرجة السينمائية، لتشق طريقها في المهرجانات والصالات.

المطلوب الآن أكثر من أيّ وقت مضى، الالتفات إلى هذا الحقل الإبداعي والإنصات إلى مطالب هذه الشريحة التي تنتظر تحقيق فرصتها بإنجازات بصرية والتي تبذل من وقتها وطاقاتها الكثير بحثاً عن بيئة خصبة للإبداع السينمائي، وذلك بإيلاء صناعة الأفلام المزيد من العناية والاهتمام، ونقل التجارب الواعدة إلى فضاءات رحبة من خلال إشراك أعمالهم الفيلمية ضمن الفعاليات الثقافية التي تقام في الداخل والخارج، والحرص على تشجيع مواهبهم والارتقاء بها عبر تسهيل إيفادهم إلى دورات أو مهرجانات سينمائية في الخارج، وأيضاً ضرورة العمل على إقامة احتفاليات خاصة بأعمالهم وتسليط الضوء عليها من خلال ندوات وحلقات نقدية.

ثمّة الكثير مما يمكن الحديث عنه أمام سؤال إنتاج الأفلام المحلية في مواجهة مأزق غياب حركة إنتاجية متكاملة، لكن في الوقت نفسه لن يحول مأزق كهذا دون حثّ الشباب على الاستمرار في العمل الطالع من قناعاتهم وأفكارهم وهمومهم وآمالهم وأحلامهم وأسئلتهم حول وظيفة الفيلم وقدرته على أن يكون مرآة شفّافة لحيّز إنساني واجتماعي وثقافي، يشقّ أمامهم بعض أبواب الأمل في إنتاج ثقافة الصورة المرجوّة، وتفعيل الحراك السينمائي، فالعالم غدا اليوم يتحدث بلغة الصورة كونها وسيلة تعبير عابرة للثقافات.

من هنا، تفتح «الرأي» ملف السينما الأردنية بمشاركة مجموعة من النقاد والمخرجين والخبراء السينمائين والمؤسسات المعنية، في محاولة لالقاء الضوء عبر عدد من المحاور، على واقع صناعة الأفلام الأردنية، والتحديات التي تواجهها، والفرص التي يمكن من خلال استثمارها التأسيس لانطلاقة جديدة في قطاع صناعة الأفلام.

دوماني: صناعة الأفلام تحتاج للبيئة الحاضنة والتمويل الكافي



عمّان - شروق العصفور

تالياً حوار مع مديرة قسم الإعلام والثقافة بالهيئة الملكية الأردنية للأفلام، ندى دوماني، حول واقع صناعة الأفلام في الأردن، والتحديات التي تواجهها والفرص التي يمكن توظيفها للارتقاء بها. إضافة إلى ما يُنتظر من مهرجان عمّان السينمائي الدولي (أول فيلم) الذي تقام دورته الأولى في ربيع العام المقبل.

قالت مديرة قسم الإعلام والثقافة بالهيئة الملكية الأردنية للأفلام، ندى دوماني، إن التمويل عامل أساسي في عملية صناعة الأفلام، فهذه الصناعة تتطلب كلفاً مرتفعة للإنتاج وطواقم العمل وأجور الممثلين ناهيك عن المعدات الضرورية والديكور.

واستدركت دوماني التي تدير مهرجان عمّان السينمائي الدولي (أول فيلم) بقولها: «لكن بوجود التقنيات الحديثة اليوم، يمكن تصوير أفلام طويلة بكلفة متواضعة. وهناك أفلام روائية طويلة تصوَّر اليوم على الهواتف النقالة وتُعرض في المهرجانات العالمية».

وأكدت دوماني أن هناك أفلاماً عربية وأجنبية وصلت إلى العالمية أُنتجت بميزانيات ضئيلة، منها على سبيل المثال الفيلم المصري «يوم الدين» الذي نافس على جوائز مهرجان كان ولم تتعدَّ ميزانيته 200 ألف دولار، وكذلك الفيلم اليمني «10 أيام قبل الزفة» الذي يجول المهرجانات العالمية والذي لم تصل ميزانيته إلى 35 ألف دولار! كما أن هناك أفلاماً أردنية طويلة نالت نجاحاً كبيراً خارج حدود الوطن رغم أنها أُنتجت بميزانيات متواضعة، مثل «لما ضحكت موناليزا» و"مدن ترانزيت» و"الجمعة الأخيرة».

ورأت دوماني أن العائق الأساسي أمام صناعة الأفلام ليس مادياً، فـ"القصص الجيدة البسيطة لا تحتاج بالضرورة إلى إمكانيات هائلة لنقلها على الشاشة الكبيرة، ما دام أن السيناريو جيد ومتماسك وما دامت هناك موهبة وشغف ورغبة في تحقيق المشروع».

وأشارت دوماني إلى أن الهيئة الملكية الأردنية للأفلام قامت في العام 2018 بإعادة إطلاق صندوق الأردن لدعم الأفلام والذي بدأت نتائجه تظهر بالفيلم الوثائقي الطويل «أرواح صغيرة» لدينا ناصر، والفيلم الروائي القصير «سلام» لزين الدريعي، والذين عُرضا في مهرجانات إقليمية ودولية وحصدا جوائز مميزة وحازا إعجاب المشاهدين. وكشفت أن هناك ثلاثة أفلام روائية طويلة أردنية تصوَّر حالياً في المملكة، حصلت أيضاً على دعم الصندوق، وهذه «أول مرة يشهد فيها الأردن إنتاجاً سينمائياً بهذا الزخم».

وأكدت دوماني أنه لا بد من بيئة مؤاتية وحاضنة لتسهيل العملية الفنية الإبداعية وإن كان هناك فنانون عالميون أبدعوا في ظروف عسيرة أحياناً. وأضافت أنّ أي نشاط فني، سواء

أكان مهرجاناً أم عملاً مؤسساتياً أم نشاطاً فردياً، يساهم حتماً في تعزيز هذه البيئة الحاضنة التي، بدورها، تساهم في تحفيز المبدع وتعطيه الدفع اللازم للتفكير والخلق والإنجاز.

وعن حاجة المنتَج الثقافي إلى جمهور يتذوقه ويضمن استمرارية الإنتاج، قالت دوماني: «حين بدأنا بتنظيم عروض أفلام في الهيئة الملكية قبل 12 سنة، كنا نفرح حين يشاركنا 30 أو 40 شخصاً في المشاهدة. واليوم، يكاد المسرح الخارجي للهيئة لا يتسع للجمهور رغم أنه يتسع لـ 250 مقعداً». وأضافت أن المبادرات والمشاريع الثقافية ترفد المشهد السينمائي، وهو جزء أساسيّ من هذا الحراك.

وعن غياب المهرجانات السينمائية في الحياة الثقافية الأردنية، ومحدوديتها، وفقرها، مقارنة مع المهرجانات الإبداعية الأخرى، أوضحت دوماني أن الفعاليات السينمائية في الأردن، خارج صالات السينما التجارية، تقدم للجمهور في كثير من الأحيان أفلاماً ذات جودة عالية وحائزة على جوائز عالمية. وأضافت: «صحيح أن هذه المهرجانات محدودة نوعاً ما، لكنها تحذو حذو المهرجانات العالمية من حيت المضمون، وإن كات تفتقر إلى نشاطات مرافقة لها وضيوف يثري وجودُهم الفعالية بحد ذاتها».

وتابعت دوماني بقولها: «هناك فعاليات سينمائية في الأردن تستحق التقدير، وهي متكاملة وضرورية في تكاملها، والإقبال كبير على عروضها من الفئات العمرية والمجتمعية المختلفة»، معددةً منها على سبيل المثال: المهرجان الفرنسي العربي، والمهرجان الأوروبي، ومهرجان كرامة لحقوق الإنسان، ومهرجان الفيلم العربي الذي تنظمه الهيئة الملكية للأفلام.

وعن التخطيط لإقامة مهرجان عمّان السينمائي (أول فيلم)، وأهمية هذا التوجه وانعكاساته على الثقافة السينمائية والحياة الثقافية عموماً، قالت دوماني: «بالفعل، نحن بصدد التحضير لهذا المهرجان والذي ستقام دورته الأولى في الفترة 13-18 نيسان 2020. وأوضحت أن المهرجان سيركز على الأعمال الأولى للمخرجين العرب، مشيرة إلى وجود ثلاث فئات تنافسية داخل المهرجان: الأفلام الروائية الطويلة، والأفلام الوثائقية الطويلة، والأفلام القصيرة.

ولفتت إلى وجود لجان تحكيم مؤلفة من شخصيات سينمائية أردنية وعربية ودولية ستقوم بمنح جوائز للفائزين في الفئات الثلاث، وإلى أن هناك قسماً لأفلام عالمية مختارة يُشترط في كلّ منها أيضاً أن يكون العمل الطويل الأول لمخرجه.

وأضافت دوماني: «بموازاة عروض الأفلام، سينظم المهرجان أياماً خاصة لصناع الأفلام تتضمن سلسلة ورشات عمل ومحاضرات وحلقات تسويق لمشاريع في مرحلة التطوير أو ما بعد الإنتاج».

وأعربت دوماني عن أملها في أن يساهم هذا المهرجان في «تعزيز ديناميكية الحركة الثقافية في المملكة، وأن يكون بمثابة نقلة نوعية في المشهد المرئي والمسموع»، مشيرة إلى أنه مهرجان مستقل إدارياً ومالياً عن الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، وإن كان يتماشى مع مهمتها في دعم صناع الأفلام الأردنيين والعرب وتشجيع الحركة السينمائية خاصة والثقافية عامة في المملكة، مع وضع اسم الأردن على خريطة المهرجانات العالمية واستقطاب الزوار لهذا الحدث الذي سيتكرر كل عام.

النقد السينمائي في الصحافة الأردنية.. مواقف ومحطات





عمّان - ناجح حسن

نال النقد السينمائي مكانة لائقة في فضاءات الإبداع الإنساني، منذ ولادة الفن السينمائي نفسه عام 1895، وذلك عندما كانت الحاجة ملحّة ليتعرف عشاق هذا الفن الجديد ورواد الصالات على حكايات الأفلام وقصص النجوم.

وغدت ظاهرة انتشار النقد السينمائي، سمة واضحة في الصحافة العالمية لغايات تقديم وجبة من التغطيات التي من شأنها توسيع ذائقة القارئ بلون تعبيري جديد هو «الفن السابع».

وتعددت الرؤى والأفكار التي تتحكم بتغطية إشهار الأفلام الجديدة في بدايات فجر السينما، فقد دأبت أقلام النقاد على تسليط الضوء على محاور أحداث قصة الفيلم وسمات شخوصه، إلى جانب تغطيات خبرية ضيّقة تدور أغلبها حول سير النجوم ومشاكلهم ورحلة صعودهم وانطفائهم، وصولاً إلى رؤى منهجية أشمل وأعمق تمتلك أحاسيس فطنة باللغة مزنّرة بأفكار فلسفية وتعابير ذات أبعاد جمالية، مثلما تغرف ببراعة من أسئلة الحياة اليومية هموماً وآمالاً إنسانية رحبة.

في الصحافة الأردنية، كانت أولى بشائر النقد السينمائي يوم 3 شباط 1950، وذلك عندما صدر العدد الأول من مجلة «الأردن الجديد»، وهي مجلة أسبوعية ثقافية جامعة، كان صاحب الامتياز ورئيس تحريرها عبد الرحمن الكردي، غير أن هذه المجلة لم يُقَيَّض لها الاستمرار طويلاً، لأسباب غير معروفة، فقد صدر منها ستة عشر عدداً، حملت الأعداد الثلاثة الأخيرة منها اسم محمد الكردي صاحبَ الامتياز، والمحامي راتب دروزة رئيساً للتحرير.

مبادئ أولية

المتصفّح لأعداد هذه المجلة، يلحظ اهتمامها بالفن السابع في فترة مبكرة نسبياً من تاريخ الصحافة الأردنية، حيث خصّصت المجلة حيّزاً واسعاً في صفحاتها للفنون بشكل عام من مسرح وموسيقى وعروض باليه.. إلخ، إلى جانب زاوية ثابتة حملت عنوان «نقد الأفلام» تارة، و«السينما» تارة أخرى، موقعة عادة باسم (ع. سماوي)، واللافت أن هذا الناقد كان يكتب على نمط يقترب من أسس المتابعة النقدية، التي تنشد الوقوف على عناصر ومفردات جمالية وفكرية مستمدة من عروض صالات السينما المحلية آنذاك.

المدهش في كتابة (ع. سماوي) عن الأفلام، أنه كان يدرج في موضوعاته اسم الفيلم، والممثلين فيه، ثم المخرج، إضافة إلى وضع الفيلم (موضوع الكتابة) ضمن سياق باقي أعمال المخرج من حيث الأهمية. وهذا ما كانت تفتقده الكتابة السينمائية في الماضي. فما نجده لدى (ع. سماوي) كتقليد راسخ، وبديهية أولية في الكتابة، ظهر في زمن كان الاهتمام فيه منصبّاً على أخبار النجوم وحياتهم الخاصّة.

ونورد هنا على سبيل المثال لا الحصر، نموذجين من مقالات (ع. سماوي) يبينان المستوى المتميّز لكتاباته: الأوّل عن الفيلم المصري «العيش والملح»، في العدد الحادي عشر من المجلة، (28 نيسان 1950)، والثاني عن فيلم «أضواء المدينة» لشارلي شابلن، في العدد الرابع عشر (2 حزيران 1950).

يبدأ الكاتب مقالته الأولى كالتالي: «سعد عبد الوهاب، شاب تخرّج من الجامعة، وافتتح مكتباً للمحاسبة، يلتقي بفتاة تحبه، وتتوصل (من أجله) بجمالها عند أحد الأثرياء ليلحقه بوظيفة مقابل الثمن.. ويلتحق الشاب بالعمل، ويجعله إخلاصه فيه وإخلاص الفتاة صديقين للثري بعد أن استطاعا أن ينْزعا عن نفسه نواياه السيئة».

ويتابع سماوي: «كانت نعيمة عاكف وفي أول أدوارها روح (الفيلم)، ولولاها لكان سقوطه محتماً، فقد كانت خفيفة برقصاتها وتمثيلها وصوتها، وكان صوت سعد عبد الوهاب جميلاً، ألحانه موفقة لولا أن ميكرفون سينما (الفيومي) أضاع علينا هذه اللّذة».

ويضيف: «الفيلم مليء بالقفشات، وقد أعجبنا خصوصاً الأوبريت التي قدّم ألحانها علي فراج، والقصة هي التي تتكرّر دائماً في الأفلام المصرية، وقد سئمنا هذا اللون الذي لا تجديد فيه».

نلاحظ هنا أن الناقد (ع. سماوي) قد التقط جوانب من الصورة النمطية في مضامين السينما المصرية. وفي النموذج الثاني، يكتب عن فيلم «أضواء المدينة»، وهو من الأفلام الشهيرة جداً في تاريخ السينما العالمية، على النحو التالي:

"أوّل فيلم ناطق ظهر فيه (شابلن) عام 1931، وكان ظهوره فيه نكسة فنية لأنه كما قيل وقتها (ليس كل شيء في الأفلام)، فقد أعادت هوليوود إخراج هذا الفيلم مرة ثانية هذا العام، ويبدو أنه مسلّ ومليء بالحوارات والحوادث الحيوية الطريفة، لدرجة تجعل معظم الأفلام تبدو من منتجات نصف قرن مضى».

ويضيف: «تدور حوادث الفيلم حول شابلن الذي يقع في حب بائعة الزهور العمياء، بحيث تظنه مليونيراً، ولكنه لا يحبها، فيتركها في أحلامها، ويعتمد للخروج من المأزق على صداقته من مليونير أميركي، وهو رجل عصبي يغدق عليه المال وهو سكران، ولكنه يبخل عليه في حالة صحوه. وبعدما يحصل على النقود اللازمة لإجراء عملية لبائعة الزهور العمياء، يلقى به في السجن ظلماً، ولما يخرج من سجنه يلتقي بفتاته بعد أن تكون قد شفيت من عماها».

ويتابع الناقد: «وينتهي الفيلم يمنظر مثير: عندما تدرك الفتاة أن صديقها لم يكن إلا أفّاقاً يجعله ذلك يحسّ بالفرح والعار معاً.... والفيلم مليء بالمفاجآت الليلية التي كانت تمر به في رفقة صديقه المليونير».

ومن المقالة أيضاً: «وقد استخدم (شابلن) الحيل الصوتية على نطاق واسع بالنسبة لوقت ظهوره، ولا شك أن (أضواء المدينة) سيظلّ خالداً خلود الفيلم، وسيجد فيه متفرجو السينما بعد مضي 20 عاماً على الأفلام التي تتكلّم أكثر مما تتحرك طعماً جديداً وكذلك في أفلامه الأخرى، التي يجري (العمل) على إعادة إخراجها: الأزمنة الحديثة، الدكتاتور العظيم، ومسيو فيردو».

أداة اتصال

على ضوء ما سبق، ومع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة اللغة الصحفية السائدة في حقبة الخمسينات من القرن المنصرم، والتي يجب ألّا نحاكمها بقسوة عبر مقارنتها باللغة الصحفية في أيامنا هذه، تكون مجلة «الأردن الجديد» قد ساهمت في زيادة الاهتمام الجماهيري بالسينما كأداة اتصال جديدة، وكانت في الوقت نفسه المحطة الأولى لنشأة النقد السينمائي وتطوره، كما كانت القناة الرئيسة لهذا النوع من النقد، من خلال كتابات (ع. سماوي) في تلك المجلة التي أصبحت صحف ومجلات محلية في ما بعد، تحذو حذوها، من حيث الاهتمام بالفن السابع والكتابة عن عروض افلام الصالات.

ولا تتوفر لدينا معلومات وافية عن المجلة السينمائية الوحيدة التي ظهرت في الأردن في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، وحملت اسم «السينما» وكان صاحبها ورئيس تحريرها محمد سعيد اشكنتنا، وقد صدر منها اثني عشر عدداً، وتوقفت بصورة مفاجئة، وللأسف فإن المجلة فُقدت أعدادها ولم يتسنَّ لنا الاطلاع على أي عدد منها، بيد أن الذين اطلعوا على أعدادها يروون أنها لم تكن بالمستوى الجاد والهادف، وأغلبية ما كانت تنشره عبارة عن صور لنجوم السينما العالمية (هوليوود) آنذاك، ومشاهد ولقطات من أفلام السينما المصرية، إضافة إلى أخبار وتعليقات قصيرة متنوعة، تعمل على جذب القرّاء وإثارة انتباههم.

ولغياب الوثائق والمعلومات حول هذه المجلة، إذ لا يوجد لها أي أثر في مركز الوثائق بالجامعة الأردنية، أو في أي مكان آخر، فإن معلوماتنا عنها اقتصرت على ما حصلنا عليه من أغلفة لهذه المجلة التي اندثرت وضاعت محتوياتها في غياهب النسيان.

ووفقاً لأحد العاملين في إدارة دار عرض سينمائية في عمان، كان قد اطلع على هذه المجلة إبان صدورها، فإنها كانت تنشر غالباً صوراً كثيرة لممثلين وممثلات أجانب ذوي شهرة آنذاك، وأغلب هذه المواد مأخوذة عن مجلات أجنبية شبيهة، ولم تحمل في طياتها أي محاولة للنقد السينمائي، وكانت تفتقر إلى الموضوعات التي تصلح أن تكون مؤشراً على التطوّر السينمائي في العالم، ولم تتضمن صفحاتها أي محاولة لنقد ما يُعرض من أفلام في عمان خلال تلك الفترة، باستثناء ما كان ينشره بعض أصحاب الصالات من إعلانات ترويجية عن الأفلام الجديدة.

ولافتقارنا للوثائق والمعلومات الكافية حول هذه المجلة، فإن تركيزنا سيكون على المجلات الفنية والثقافية الصادرة في الأردن، والتي أمكن الرجوع إلى أعدادها لتوفرها في مراكز البحث أو لدى بعض المهتمين بالسينما، مثل مجلة «فن» التي صدرت في مطلع أيار 1954 واستمرت في الصدور حتى تاريخ 17 تموز 1954، وهي مجلة فنية، أدبية، اجتماعية، رياضية، هزلية، مصوّرة، نصف شهرية، وقد بلغ مجموع ما صدر منها خمسة أعداد فقط، كانت تتناول، بصورة خاصة، أخبار السينما والنجوم. أما صاحب امتيازها فهو زهير سري العالم البسطامي، ومحررها المسؤول عادل عبد الكريم المنير.



ظواهر نقديّة

في مطلع آذار 1959 صدر العدد الأول والأخير من مجلة فنية حملت عنوان «هنا عمان»، التي قدّمت نفسها للقارئ بأنها مجلة شهرية تصدر عن إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية، واقتصرت موادها على برامج الإذاعة، بالإضافة إلى موضوعات فنية وثقافية وأخبار عن صناعة السينما في أستوديوهات مصر وهوليوود.

وفي أواخر الستينات صدرت مجلة شهرية باسم «هواة الفنون» عن نادي هواة الفنون بعمان، محررها المسؤول ورئيس تحريرها نايف نعناعة، وهي مجلة تعنى بشؤون الفن والفنانين وأخبار صناعة السينما العربية والعالمية، إلى جانب مقالات سينمائية مأخوذة عن مجلات أخرى.

وفي منتصف العام 1971، أصدرت صحيفة «الصباح» اليومية التي كان يرأس تحريرها عرفات حجازي، مجلة فنية متخصّصة، وُزعت مع عدد يوم 19/6/1971، على شكل هدية مجانية، وحملت اسم «الصباح الفني»، وكان الهدف من إصدارها المساهمة في تطوير الحركة الفنية الأردنية ودفعها نحو التقدم والنجاح، وكشهادة تقدير لدور الفنان الأردني في نشر رسالة الفن، وكان المشرف على إصدارها والقائم على تحريرها صبحي القدرة.

وقد خصّصت المجلة أكثر من موضوع لفن السينما، ومتابعات سينمائية مثل: تونس والمهرجان الدولي للأيام السينمائية، ومقالين عن السينما السوفياتية، والسينما الهندية، إلى جانب موضوعين آخرين أحدهما عن السينما البلغارية والآخر عن موجة الأفلام الجديدة في السينما الفرنسية. وقد ظهرت هذه المقالات مرفقة بالعديد من الصور لمشاهد عن هذه الأفلام، إلاّ أنها خلت جميعها من توقيع اسم أي ناقد أو كاتب.

قبل ذلك بعامين كانت هناك مجلة فنية تصدر عن مؤسسة الإذاعة والتلفزيون بغير انتظام، وهي تحمل عنوان «الإذاعة والتلفزيون»، وظهرت فيها بعض المقالات المتخصّصة بالنقد السينمائي لكتّاب منهم: رياض عودة سيف، زهير صيام، أحمد اللبابيدي. وكان يرأس تحريرها عبد الرحيم عمره، غير أنها توقفت بعد عام واحد من صدورها.

ويشار هنا إلى مجلة أخرى ظهرت بالاسم نفسه، وكان يرأس تحريرها الصحفي عرفات حجازي، وكانت موضوعاتها على غرار زميلتها، ومن كتّابها في حقل النقد السينمائي: توفيق مراد وسميح بدران. وكان مصيرها مثل سابقتها، إذ توقفت عن الصدور بعد أعداد قليلة.

هذه المحاولات الأردنية عملت مجتمعة إضافة إلى الزوايا التي خصصتها الصحف والدوريات اليومية والأسبوعية للكتابة في حقل النقد السينمائي، رغم محدوديتها، على تكريس النقد السينمائي كظاهرة وفعل إبداعي ضمن الحياة الثقافية الأردنية.

(الفن السابع) لن يتطور دون دعم حكومي وأهداف مدروسة





عمّان - فرح العلان

يتناول المحور التالي بالنقاش انجازات السينما الاردنية عبر العقود السابقة، وأثر غياب الثقافة السينمائية عند الاجيال، والمحددات التي تقيد مسيرة «الفن السابع في الأردن، بمشاركة عدد من النقاد والمختصين.

عدنان مدانات: هدف استراتيجي مدروس

قال الناقد الأردني عدنان مدانات إن إنجازات السينما الأردنية تمحورت حول فيلمين روائيين طويلين، أولهما فيلم «صراع في جرش» وهو أول فيلم أردني (1957)، وهو يعدّ إنجازاً لأنه أُنتج في غياب أيّ إمكانية أو تقنية باستثناء الكاميرا، حيث قام منتجو الفيلم بتصنيع الأجهزة المطلوبة وابتكار التقنيات المساعدة اعتماداً على خبراتهم في مجال الحدادة والخراطة والكهرباء، إذ كانوا فنيين لهم خبرة في تصليح آلات العرض السينمائية ولم يكونوا سينمائيين.

وأضاف مدانات أن الإنجاز الثاني يتمثل في فيلم «ذيب»، الذي وصل إلى القائمة النهائية في جوائز الأوسكار، والذي يعكس موهبة المخرج وكاتب السيناريو، ما أنتج «عملاً فنياً أردنياً عن حقّ في شكله ومضمونه وموضوعه».

وتحدث مدانات عن غياب الصالات السينمائية في كثير من المحافظات، والتي هي في الأصل «قليلة جداً، ولا تشكّل سوقاً للأفلام يحقق أيّ أرباح تُذكر»، مشيراً إلى أن السوق الداخلي وحده لا يكفي، فالأفلام المصرية مثلاً، لم تنجح بسبب صالات السينما المصرية، بل لأنها كانت تُعرض في أرجاء العالم العربي.

وأوضح أن مشكلة المخرجين الشباب تكمن في أنهم يكتبون السيناريو أيضاً، إذ غالباً ما يعتمدون على مخيلتهم الخاصة دون خبرة مسبقة بالكتابة الأدبية التي هي أصل السيناريو السينمائي، كما أنهم لا يستفيدون من الروايات والقصص التي كتبها أدباء أردنيون.

وبيّن أن دولة مثل الأردن لا يمكن أن تتطور صناعة السينما فيها من دون دعم وطني حكومي وهدف استراتيجي مدروس، هذا إذا كان الحديث عن «صناعة سينمائية أردنية متنوعة الجوانب ومتكاملة»، وليس عن «أفلام قليلة متناثرة عبر سنوات متقطعة توضع على الرفوف».

وبحسب مدانات، فإن ما يُعرض في المهرجانات من الأفلامم الأردنية لا يشكل قيمة مضافة لسينما أردنية، ولا حتى لصانعي الأفلام.



رانيا حداد: غياب الصالات السينمائية

من جهتها، كشفت المخرجة والناقدة الأردنية رانيا حداد أن الأفلام التي أُنتجت على مدار ستة عقود في السينما الروائية الأردنية لا يتجاوز عددها 30 فيلماً، وهو «إنتاج قليل من حيث الكم، وغير قادر على منح التجربة السينمائية الأردنية النضج الكافي على مستوى النوع».

وأكدت حداد أن غياب الصالات السينمائية في كثير من المحافظات أثّر على صناعة الأفلام، حيث تكمن أهمية إنشاء صالات سينمائية في المحافظات التي لا يوجد فيها صالات، في «بناء علاقة مع السينما، ونشر الثقافة السينمائية وتكريسها»، لكن هذا لن يصب في مصلحة صناعة الأفلام الأردنية «ما لم تنشأ علاقة بين المشاهد الأردني والأفلام الأردنية، كي يُقبل الجمهور على مشاهدتها».

وعن عجز النتاج السينمائي الأردني بعامة عن تحقيق إيرادات من خلال تمكين العروض الأردنية من الوصول إلى الصالات المحلية، كما هي حال الأفلام الأميركية والمصرية والهندية الدارجة في السوق المحلية، قالت حداد: «علاقة المشاهد الأردني مع السينما الأميركية والمصرية وحتى الهندية، علاقة قديمة، وقد صاغت هذه السينما ذائقته حول نمط معين (تجاري) تمثله أفلام الحركة، والإثارة، والتشويق، والخيال العلمي، والرعب، والكوميديا... لهذا يتوقع المشاهد أن يجد أفلاماً أردنية على غرار تلك الأفلام وعلى سويتها»، مضيفةً: «لو تم إنتاج وعرض أفلام أردنية نوعية (غير تجارية)، لن يكون هناك إقبال جماهيري عليها، لأن ذائقته صيغت وفق قالب معين».

وبحسب حداد، فإن استعراض نصوص الأفلام الروائية الأردنية المنتَجة على مدار ستة عقود، يكشف أن أغلبها من كتابة المخرج، باستثناء فيلم «حكاية شرقية» الذي أخرجه نجدة أنزور عام 1991، فنصه مأخوذ عن قصة للروائي والسوري هاني الراهب. ورغم أن الرواية -الأردنية أو العربية أو العالمية- أحد المصادر التي يمكن أن ينهل منها صناع الأفلام الروائية، إلّا أنه «لم تتم الاستفادة منها حتى الآن».

وبينت حداد أن اهتمام الدولة بالثقافة بشكل عام والسينما بشكل خاص أمر مهم، والأهم هو «الاستمرارية في ذلك الدعم»، ما يستدعي رصد مخصصات لدعم الإنتاج السينمائي الأردني ونشر الثقافة السينمائية، وكذلك أن تكون هناك مساهمة من رأس المال الوطني (البنوك والشركات والمؤسسات الخاصة) لدعم النشاط والإنتاج السينمائي.

وأوضحت حداد أن لا يوجد في هذا السياق سوى صندوق الأردن لدعم الأفلام في الهيئة الملكية للأفلام -وهي هيئة شبه حكومية- لدعم إنتاج الأفلام سنوياً. فضلاً عمّا تتيحه مؤسسة عبد الحميد شومان المنبثقة عن البنك العربي، من فُرص ضمن برنامجها السنوي للمنح، للحصول على مِنَح (ما بعد الإنتاج) للأفلام، التي ويصل سقف المنحة الواحدة منها إلى 50 ألف دينار.

وأشارت حداد إلى وجود العديد من النوادي السينمائية الموزعة على محافظات المملكة، وإلى ازدياد النشاطات السينمائية خارج العاصمة، والتي يُعرض ضمن برامجها عدد من الأفلام الأردنية، موضحة أن الاستمرار في هذه النشاطات وتوسعها أمر جيد، لكن إذا أريد توسيع قاعدة الجماهير خارج عمان، فإن هذا يستدعي قيام الفضائيات المحلية بشراء حقوق الأفلام وعرضها على شاشاتها، فهذا من شأنه «تعريف المشاهد في مناطق المملكة بأن هناك أفلاماً روائية أردنية، ثم يمكن أن تنشأ علاقة معها على نطاق واسع».

وزادت حداد: «كثيرة هي المواضيع التي يمكن تناولها ضمن أحداث فيلم روائي طويل، ولكن الأمر يرتبط بوعي صناع الأفلام الأردنيين، ومدى امتلاكهم رؤية خاصة بهم، ومدى قدرتهم على التقاط نبض الناس»، مؤكدة أن المواضيع التي تنبع من صميم الواقع والأمور الحياتية للإنسان هي مواضيع جديرة بالتناول، وأن الانحياز للطبقة المهمشة أو الفقراء موضوع قلّما حظي باهتمام صنّاع الأفلام الأردنين.

وختمت حداد بالقول إن مناخات النشاط السينمائي المحلي «إيجابية» مقارنةً بالماضي، ففي العقد الأخير كان هناك ما يمكن تسميته «حراكاً سينمائياً أردنياً»، لكنه «ما زال يحتاج إلى الكثير كي ينضج، وما زال أمامنا الكثير ليصبح لدينا صناعة سينما أردنية» فما لدينا الآن هو «أفلام سينمائية أردنية وليس صناعة سينمائية».

طارق حدّاد: إنجازات شخصية لا مؤسسية

قال المخرج السينمائي طارق حداد إن السينما الأردنية حققت مكاسب معنوية بحصول عدد من الأفلام على جوائز عالمية، لكن هذا يقع ضمن الإنجازات الشخصية لأفراد حاولوا أن يقدموا تجاربهم بوسائل الدعم المتاحة والإمكانات المتوفرة ولا يعد إنجازا مؤسساتيا.

وأضاف أن المنجَز يكون مؤسساتيا عندما يتبع لقطاع رسمي أو عندما تمتلك الدولة سوقا تنافسيا لشركات تعنى بصناعة الأفلام بحيث يكون الإنتاج ورأس المال أردنيا، لكنّ كليهما غير موجود.

وأشار إلى أن الأفلام منذ «صراع في جرش» (1957) حتى آخر الأعمال التي أُنتجت في عام 2019، قليلة العدد، وهي ناتجة عن جهود فردية يقودها أشخاص شغوفون بصناعة الأفلام، ينتجون أعمالهم من مالهم الخاص ومن دون وجود شركات إنتاج وتوزيع وتسويق. وهناك أفلام تمثل تجارب تتبع لمؤسسات أكاديمية، وهي رغم تباين جودتها من فيلم لآخر ليست سوى أفلام لطلبة على مقاعد الدراسة. أما الجانب الثالث من الإنتاجات الفيلمية في الأردن، فتمثله الأفلام التي تدعمها وزارة الثقافة والهيئة الملكية للأفلام، وهذه الأفلام وإن كانت جيدة فإنها ليست مؤشرا ودليلا على وجود سوق لصناعة أفلام أردنية وحركة سينمائية أردنية.

ورأى حداد الذي يمارس التدريس في قسم صناعة الفيلم بجامعة اليرموك، أن تحقيق إيرادات مالية لدور العرض السينمائية من الأفلام الأردنية أمر صعب جداً ويتطلب وجود ثلاثة عوامل هي: شركات للإنتاج والتسويق والتوزيع، وصناع أفلام محترفون في مجال صناعة الترفيه، ومجتمع يرتاد دور العرض السينمائية.

وأوضح حداد أن العاملين الأول والثالث غير متوفرين، وأن العامل الثاني موجود في حدوده الدنيا. مضيفاً أننا نحتاج إلى التمويل الوطني المهني وليس البيروقراطي الذي يقدم تمويلاً متساوياً للأفلام دون تمييز بينها، فلسي كل فيلم يكلف 10 آلاف دينار، فهناك أفلام تكلف 3 آلاف دينار، وهناك ما يكلف أكثر.

ودعا حداد إلى العمل بدأب من أجل تعميق الثقافة السينمائية عند طلبة المدارس، لأن ذلك من شأنه أن يؤسس تذوقا عاما بالسينما ويوجد دافعا عند الطالب لدراسة الفن واحترافه في المستقبل. وكذلك دعم المؤسسات الثقافية لإقامة عروض وورشات عمل في قطاع السينما للمجتمع المحلي في المحافظات، لأن امتلاك سوق ناجح لصناعة الأفلام يتطلب مرتادين له. إضافة إلى دعم المؤسسات الأكاديمية التي تدرّس صناعة الأفلام.

وأوضح حداد أن هناك أسباباً تعيق وصول إنجازات الفنان الأردني، ومنها التمركز في العاصمة، مشيرا إلى أن الخطة الوطنية والثقافية التي أُعدت وُطبقت أسست مواقع لمراكز ثقافية في المحافظات لكن من دون فعاليات ممنهجة وخطة لاستقطاب المجتمع المحلي ليكون جمهورا للأعمال الفنية.

ورأى أن بقاء المنتَج الأردني حبيسا في العاصمة وبين الأوساط الثقافية والنخب «لن يجدي نفعاً»، فهناك حاجة إلى المجتمع المحلي لكي يشاهد الأعمال الفنية، فيَحدث فعل المشاهدة، ويتم الحصول على تغذية راجعة من أفراد المجتمع المحلي بساطة وشفافية، لكي يدرك صانع الأفلام أهمية البساطة وعمق الفكرة الفنية لإمتاع الجمهور، ويتعرف المجتمع على أبنائه الموهوبين وإنتاجاتهم الفنية، الأمر الذي قد يدفع الآباء والأمهات لتشجيع أبنائهم على دراسة الفن والسينما.

ولفت حداد إلى أن الدراما في جوهراها هي صراع بين قضية «عادلة» وقضية «غير عادلة»، أو هي صراع بين بطل يحاول أن ينتصر لقضية إنسانية «عادلة»، وفي المقابل هناك شخصية أو مجتمع أو عصابة أو جماعة تحول وبسبب قوتها ونفوذها أن تعيق وصول بطل الفيلم لما يريد ويحتاج، فتُضعفه، وبالتالي فإن إنتصار البطل الخيّر على الشرير مع دقائق الفيلم الأخيرة سيحقق إحساساً عند المتلقي بإنتصار الخير على الشر فيشعُر المتلقي بالسعادة والفخر والفرح، والأهم هو شعوره بالعدل، فيحدث فعل التطهير بسبب عاطفتَي الخوف والشفقة على مصير البطل الذي تعب وكاد يموت من أجل قضيته الخيّرة والإنسانية.

وأشار حداد انطلاقا من هذه الفكرة أن ما يحتاجه الجمهور الأردني من أعمال هو ما يحتاجه أي مجتمع في أي قارة من العالم، لأن مشاكل الإنسان واحتياجاته هي نفسها في أي مكان. وبالتالي فإن الأصل في الأعمال الدرامية أن تحتوي على قضية إنسانية ذات مقولة تسمو بأخلاق الإنسان وتحسن سلوك المجتمع.

وأكد حداد أن الإنجازات الأخيرة لصناع الأفلام في الأردن تستحق التقدير وتبشر بميلاد تجارب سينمائية مستقبلية أفضل. خاتماً بقوله أن أيّ منجز فني وصل للمهرجانات العالمية وحقق ترشيحا أو فوزا يقدم لنفسهِ ولفريق عمله ولبلدهِ تكريماً من نوع خاص. فالاحتراف والاختراع والاكتشاف والابتكار هي أفعال المبدع.

تحدّيات صناعة الأفلام في الأردن.. بين الدعم والتأهيل الأكاديمي



عمّان - ناجح حسن

تعدّ السينما، بوصفها فناً وصناعةً في آن، إحدى مفردات الحداثة داخل المجتمع الإنساني، مثلما هي مؤشّر على التنوير والتطور الحضاري لدى الأمم.

وقد قطعت السينما الأردنية خلال السنوات الأخيرة شوطاً مهماً في عالم صناعة الأفلام، رافقه رغم مواقف التفاؤل الكثيرُ من التحديات ومحطات العناء، والتي تتمثل في غياب آليات تمكين الشباب من تنمية قدراتهم على أسس واضحة، من خلال التأهيل الأكاديمي المنتظم الذي يوفر لهم مخيلة سينمائية تنبض بالعلامات المضيئة في فضاءات الفن السابع ذات القيم الجمالية والدرامية الرفيعة، وكذلك من خلال توفير التمويل اللازم لتحقيق مشاريعهم المؤجلة.

ورغم وجود العديد من المنجزات في عالم صناعة الأفلام الأردنية، إلا أن إنتاج الأفلام الروائية والتسجيلية والتحريكية من كلا النوعين؛ الطويلة والقصيرة، بدا وكأنه مجرّد حيوية لحظة، وإلا كيف يفسَّر انحسار نتاجات هذا الحقل الإبداعي في العامين الأخيرين إلى حدوده الدنيا مقارنةً مع ما أُنتج في الأعوام الأخيرة قبل ذلك، وكذلك انحسار الأفلام مكتملة العناصر ذات الخطاب السمعي البصري والإنساني الصالحة للعرض في المهرجانات الدولية؟

كلام كثير يمكن أن يقال عن هذا المشهد الذي يتسم بعدم جدية أو غياب الشركات والمؤسسات الراغبة في الاستثمار في حقل صناعة الأفلام، وأيضاً بعدم تخصيص الدولة موازنة معتبَرة لدعم صناعة الأفلام، وهو ما دعا إلى إعادة صندوق الأردن لدعم الافلام بفعل جهود الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، الأمر الذي قد يؤدّي إلى خلق دينامية جاذبة لرأس المال الخاص إلى هذا المجال، وإعادة الألق والانتعاش للصناعة السينمائية المنتظرة، ويعطي نافذة أمل لكثير من الشباب الأردني الطامحين في العمل مخرجين ومنتجين وكتّاب سيناريو وتقنيين وسوى ذلك من جوانب العمل في خريطة صناعة الأفلام المحلية وتسويقها، رغم العراقيل التي تقف في وجه هذه الصناعة، ومن أبرزها الصدّ الذي تلاقيه الأفلام المنجَزة من طرف قنوات التلفزة المحلية، بالإضافة إلى التناقص الواضح في أعداد المشاهدين والتذاكر المباعة.

ولا شك أن مشهد صناعة الأفلام المحلية يزخر بألوان من الاشتغالات متباينة الاهتمامات والجماليات، وأغلبيتها آتية من داخل فوضى العمل لأصحاب مواهب متمكنين من وسائل التواصل الاجتماعي، والنتيجة أعمال تحمل بذور طاقات شابة لتنتشلهم من التهميش والعزلة، ولو وُجد مَن يعتني بها بهمة وفعالية مطلوبة في مراحل التخطيط والتدريب والتطوير وانتقاء الموضوعات، فضلاً عن إحاطتها بدرجات من الوعي والتذوق بعناصر الثقافة السينمائية، لشقّت طريقها على دروب المهرجانات والمسابقات وحلقات الاحتفاء والتكريم بسلاسة وألق وبهجة.

ومع ذلك، تبقى الحاجة ملحّة إلى تهيئة طاقات محلية وتأهيلها وتثقيفها بفنّ الصورة التي غدت لغة العصر الحديث، وتنوير أصحابها والتدرج بهم، وذلك عبر إدخال مواد تدور حول صناعة الأفلام وتذوقها في النشاطات المدرسية، ومن ثم تهيئة المهتمين منهم لخوض الدراسة السينمائية وتذوق السينما على أسس منهجية وأكاديمية في الكليات والجامعات على نحو تخصصي.

كما أنه من الضرورة بمكان أن يكون هناك توجه لتهيئة صالات سينمائية تكون موزعة في أرجاء المملكة لتقديم عروض الأفلام، شريطة أن تكون مجهزة وفق أحدث الأساليب الفنية وبما يجعلها قادرة على احتضان عشاق السينما براحة وهدوء.

فالمطلوب الآن أكثر من أيّ وقت مضى، ضرورة الالتفات إلى هذا الحقل الإبداعي والاستماع إلى مطالب هذه الشريحة التي تنتظر تحقيق فرصتها بإنجازات بصرية والتي تبذل من وقتها وطاقاتها الشيء الكثير في إيجاد بيئة خصبة للإبداع. وهذا لا يكون إلا بإيلاء صناعة الأفلام المزيد من العناية والاهتمام، ونقل التجارب الواعدة إلى فضاءات رحبة من خلال إشراك أعمالهم الفيلمية ضمن الفعاليات الثقافية التي تقام في الداخل والخارج، والحرص على تشجيع مواهبهم والارتقاء بها بتسهيل إيفادهم إلى دورات أو مهرجانات سينمائية في الخارج، والعمل على إقامة احتفاليات خاصة بأعمالهم، وتسليط الضوء عليها من خلال ندوات وحلقات نقدية.

ثمة الكثير يمكن الحديث عنه أمام سؤال إنتاج الأفلام المحلية في مواجهة مأزق غياب حركة إنتاجية متكاملة، لكن الشغوفين بفن السينما يُدركون في الوقت نفسه أن مأزقاً كهذا لن يحول دون استمرارهم في العمل الطالع من قناعاتهم وأفكارهم وهمومهم وآمالهم وأحلامهم وأسئلتهم المنبثقة من قناعتهم بوظيفة الفيلم في قدرته على أن يكون مرآة شفّافة لحيّز إنساني واجتماعي وثقافي يفتح أمامهم بعض أبواب الأمل في إنتاج ثقافة الصورة المرجوة، وتفعيل الحراك السينمائي الأردني، حيث غدا العالم يتحدث اليوم بلغة الصورة كوسيلة تعبير راقية بين الثقافات.

ولا يخفى على المتابع أهمية أن توزع وزارة الثقافة اهتمامها بعدالة على مجمل صنوف الإبداع المحلي، فمن حق صناعة الأفلام أن تنال نصيبها من هذا الجانب. وكذلك أن يفعَّل قسم السينما في مديرية الفنون بالوزارة، وأن يعمل على تكوين برامج ومشاريع سينمائية إن لم يكن بالإمكان إقامة مهرجان سينمائي على غرار المهرجانات التي تقام سنوياً في البلدان العربية. وأن يبذل القائمون على البرامج الثقافية المزيد من الاهتمام بعالم السينما الرحب، والبدء في تحديث أجهزة وتقنيات العرض السينمائية في المراكز الثقافية التابعة للوزارة، سواء كان ذلك بتجديد صالات العرض أو بتحديث أجهزة الصوت والعرض.

إنّ قيام الوزارة بطرح المسابقات التي تتعلق بكتابة السيناريو بغية إنجازها في أفلام، أو استقبال طلبات دعم وتمويل الأفلام القصيرة والطويلة بشقيها التسجيلي والروائي، بعد عرضها على المعنيين والمتخصصين والمهتمين. مثلما أن تأسيس صندوق خاص لدعم المشاريع السينمائية يفعّل هذا الجانب، على أن تتخذ المؤسسات الإعلامية مبادرات لعرض تلك الأفلام وتمويل قسم منها.

الجيل السينمائي الجديد منفتح على الأفكاروالتجارب العالمية





عمّان - فاتن الكوري

يناقش المحور التالي صناعة الأفلام في الأردن، والأدوات التلفزيونية كالكاميرا، وجهة الإنتاج، ونوع العمل، وطريقة النتفيذ، والتحديات التي تواجه هذه العملية، بمشاركة عدد من المخرجين الأردنيين أصحاب العلاقة.

فيصل الزعبي: تأسيس معهد للسينما

قال المخرج والناقد الأردني فيصل الزعبي إن أزمة السينما في الأردن تحدث عندما تكون السينما موجودة، وبالتالي فإن مصطلح «أزمة السينما» ليس دقيقاً، لأنه «ليس في الأردن سينما على الإطلاق».

وأضاف أننا نخلط عندما نتحدث عن السينما، بين صناعة السينما وصناعة الفيلم، لأن صناعة الفيلم أصبح لديها أدوات مختلفة، منها الأدوات التلفزيونية كالكاميرا وجهة الإنتاج ونوع العمل وطريقة النتفيذ.

وأوضح الزعبي قائلاً: «تلفزيونياً، يمكن صناعة أفلام كثيرة حتى بكاميرا التليفون، بينما تحتاج السينما إلى بنية أولية تبدأ من حرفية كتابة السيناريو السينمائي المختلف عن سيناريوهات الأفلام التليفزيونية، كما تحتاج إلى معرفة خاصة في كيفية البناء وطرح الأفكار وتقديم المحتوى وتجنب الخلط بين (الفيلمية) و(السينمائية)، فالسينما لها لغتها التي تعتمد على إنتاج مختلف من ناحية القيمة والتكلفة والأدوات، كالكاميرا والمونتاج وسوى ذلك».

وتابع الزعبي بقوله إن المبدع الذي يتقن السينما هو مخرج إمّا أن يكون مارس هذا العمل، أو أكاديمي تخرج في معاهد سينمائية محترفة فيها مدرسون محترفون وفيها تطبيقات علمية وميدانية تختلف عما تنتجه الجامعات الأردنية، لذلك يلجأ المخرج أحيانا إلى الفيلم التلفزيوني لأسباب منها عدم وجود البنية التحتية من كاميرات وأدوات تحميض وإنتاج سينمائي، فكل ذلك يحتاج إلى كلفة، بالإضافة إلى عدم وجود التسويق، فضلاً عن عدم وجود المخرج المحترف القادر على العمل بلغة السينما وأدواتها.

ورأى الزعبي أنه «لا يوجد في الأردن كاميرا سينمائية واحدة أو مدرس سينمائي محترف لديه من يكفي من التجربة في صناعة الفيلم السينمائي»، لذلك يلجأ الشباب الطامحون إلى صناعة الأفلام وليس إلى صناعة السينما، ففي ظل وجود كاميرات تليفزيونية رخيصة الثمن والامتلاك، وفي ظل وجود إنتاج ضعيف، لا يمكن أن نتحدث عن فيلم تكلفته خمسة آلاف دينار ونسميه «فيلما سينمائيا».

وأشار الزعبي إلى أن هنالك معيقات كثيرة تمنع وجود سينما في الأردن، منها أن «الدولة» غير معنية بهذا الفن، إذ رفعت يدها عنه منذ البدايات، ولم يشكَّل في الأردن معهد مستقل في السينما ولا مؤسسة سينمائية. ورأى في هذا السياق أن الدولة تتخلى عن حقل مهم وأساسي من حقول الإبداع وكأنها تقول: «لا يلزمنا»، لذلك لم تنتج قي تاريخها فيلما سينمائيا واحدا، أما القطاع الخاص فقد انشغل بصناعة المسلسلات التليفزيونية التي هي أسهل تسويقا وأسرع ربحا وأقل كلفة.

ولهذا، بحسب الزعبي، ظهرت في الأردن ظاهرة صناعة الأفلام وليس صناعة السينما، وبدافعٍ من توق الشباب للانخراط في صناعة الدراما، ظهرت مهرجانات من غير المتخصصين تحت إشراف وزارة الثقافة موّلت الشباب لإنتاج ما معدّله خمسة أفلام بالسنة بحيث لا يتعدى إنتاج الفيلم الواحد خمسة آلاف دينار، لكننا لا نستطيع أن نسمي ذلك حراكاً سينمائياً أو صناعة سينمائية.

وأوضح أن المهرجانات مهما كانت مستوياتها أو مخرجاتها، تشكل نقاطاً مضيئة وهي «خير من العدم». وأضاف: «لا نعتب على وزارة الثقافة، لأننا نعلم أنه ليس للسينما موازنة خاصة بها، أما إذا تم تأسيس مؤسسة السينما تكون تابعة لرئاسة الوزراء بشكل مستقل فإنها تستطيع أن تفرض موازنة يديرها محترفون سينمائيون».

وطالب الزعبي بأن يكون هنالك مؤسسة سينما للدولة ومعهد سينمائي مستقل يقوم عليه أصحاب علم ومعرفة وخبرة، مضيفاً أن الجيل الجديد من الشباب أصحاب المواهب والمتحمسين يجب أن يكونوا نواة جيدة لخلق جيل سينمائي منفتح على الأفكار والطرائق الجديدة المتقدمة لصناعة السينما، وهذا يستدعي أن تتولى رعايتهم مؤسسةُ سينما محترفة أو معهد سينمائي متقدم، لأن الجيل الجديد أصبح قادرا على الاطلاع على تجارب العالم من خلال انتشار (الميديا)، لكن ينقصه الاحتراف والاختلاط بتجارب سينمائية جديدة والاطلاع على الأدب الأردني والعربي والعالمي والأفلام المأخوذة عن روايات، لزيادة المعرفة والثقافة وتنمية الخيال الذي تحتاجه السينما لديهم.

وختم الزعبي قائلا: «الفرصة ما زالت قائمة بالتفكير بإنشاء مؤسسات سينمائية مستقلة، وتأسيس معهد للسينما والمسرح».

وداد شفاقوج: هجرة صنّاع الأفلام

قالت المخرجة الأردنية وداد شفاقوج إن الأردن مكان مطلوب لتصوير الأفلام، نظرا لتنوع تضاريسه التي ساعدت في تصوير أفلام عالمية كبيرة، وقد أتاح هذا فرصةً لعدد من الأردنيين للعمل ضمن طواقم هذه الأفلام، وبالتالي توسيع خبراتهم في هذا المجال وأضافت أن فرصة مشابهة توفرت لها، فتعلمت من مخرجين ومنتجين عالميين، كما أن مشاركتها في مهرجانات عالمية مكّنتها من التعلم من السينما العالمية، مما أضاف إلى معرفتها وأسلوبها في صناعة الأفلام.

ولفتت شفاقوج إلى بعض الصعوبات في صنع الأفلام، ومن أبرزها تحصيل تمويل لإنتاج الفيلم، لكن الأمور مختلفة في الأفلام الوثائقية (وهي مجال عملها) فالصعوبة تكمن في الحصول على قصة واقعية مهمة وملهمة وإقناع جميع أطرافها بالتحدث عنها بشفافية وصدق.

وأوضحت شفاقوج أن حياتنا لا تخلو من الكوميديا والدراما والحركة، بل والرعب في بعض الأحيان، مؤكدة أن تقديم ذلك على صيغة فيلم يمكنه أن يثير اهتمام المشاهد.

وأشارت إلى أن قنوات التلفزة الأردنية شهدت نقلة نوعية في السنوات الأخيرة، لكننا ما زلنا نشاهد أفلاما ومسلسلات قديمة على الشاشة، متمنيةً وجود مساحة أكبر لعرض الإنتاجات الأردنية من مسلسلات وأفلام طويلة وقصيرة وثائقية، فـ«المحتوى والجهد الكبير الذي نراه في شهر رمضان، يجب أن نراه على مدار السنة».

وقالت شفاقوج إن العديد من صناع الأفلام الأردنيين يلجأون إلى العمل في الخارج لتوفّر فرص أفضل لهم مادياً ومعيشياً، لكن الكثيرين منهم يقومون بتصوير أفلامهم في الأردن، وتتمحور أفلامهم حول قصص وقضايا محلية. وأضافت أن الدعم الكافي من الهيئة الملكية للأفلام، واستمرار استقطاب الأفلام العالمية، ودعم صناع الأفلام بورشات مع مختصين عالميين، من شأنه أن يجعل الأردن قادراً على فتح العديد من الأبواب لاحتضان السينما وازدهار التجربة الأردنية في هذا المجال.

وختمت شفاقوج حديثها بقولها إن كثيرا من صناع الأفلام الأردنيين يمتازون بالإبداع، وإنه يجب أن تكون هنالك مشاركات متنوعة من الأفلام الأرنية في المهرجانات والمسابقات العالمية، فبعد أن كان الفيلم الأردني لا يُذكر في المهرجانات والمسابقات، حدث العكس مؤخراً، وأصبح للعديد من الأفلام الطويلة والقصيرة والوثائقية حضور واضح في العالم.



أشرف العبادي:أفلام تلامس الواقع

من جهته، قال المخرج أشرف العبادي إنه لولا وزارة الثقافة ومهرجان الأردن الدولي للأفلام لما كان لحلمه في العمل بالسينما أن يتحقق.

وأضاف أن الصعوبات التي تواجه العاملين في هذا الجعال بالأردن كثيرة، لكن الشغف كفيل بتحقيق الطموحات.

وعن تجربته قال إنه شاهد معظم ما أنتجته السينما العالمية، وانجذب إلى السينما الأميركية والسينما اليابانية أكثر من سواهما. وعندما خاض التجربة اختار فريقا يؤمن بقدراته وحاول تخفيض الكلف قدر المستطاع، وصولا إلى إنجاز هدفه. مشيرا إلى أن المشاهد يميل إلى الأفلام التي تلامس الواقع، ويتلهف بشوق للأعمال التي تحاكي همومه.

ودعا العبادي الحكومة إلى إنشاء معهد متخصص للسينما يديره أصحاب خبرة، ودعم الفنانين الشباب لتطوير تجاربهم وصقل مهاراتهم، وتوفير الحرية الكافية لتمكين صناع الأفلام من طرح القضايا دون خوف.

وأشار العبادي إلى تأثير العامل المالي على العمل السينمائي قائلاً: «إذا كان المخرج من عائلة ثرية فإنه يستطيع أن يغامر، وغالبا ما يلعب الحظ مع ميسوري الحال، أما المخرج الذي يولد لعائلة فقيرة فلا سبيل له إلا انتظار الفرصة والسفر خارج البلاد، ما يعني خسارة كبيرة في طاقات الشباب».

وختم العبادي حديثه بقول: «إذا أردنا أن نصل إلى شباك التذاكر، فلا بد أن نرتقي بذوق المواطن ونلامس همومه وتطلعاته».

الجراح: المهرجانات تساهم في تطوير الحراك السينمائي الأردني



عمّان - أمل نصير

قال مدير مهرجان الأردن الدولي للأفلام عبد الكريم الجراح إن الحراك السينمائي الأردني بدأ في وقت مبكر إلى حدّ ما، وتحديداً في النصف الثاني لعقد الخمسينات من القرن الماضي.

وأضاف الجراح أن «حسن النوايا لا يقدم ولا يؤخر»، فقد تأخرت هذه الصناعة كثيراً رغم توفر الظروف المناسبة لإنعاشها، من حيث توفر مواقع التصوير المتنوعة، والبيئة الاجتماعية الغنية، والتاريخ الثري بالتفاصيل.

وأضاف الجراح أن قلة الاهتمام من قِبل القطاع الرسمي، وغياب القوانين والتشريعات المحفزة، وعدم وجود بنى تحتية مناسبة، والافتقار إلى أستوديوهات مجهزة، والنظرة غير الجدية من الأكاديميات المتخصصة نحو صناعة السينما، أسهمت في مراوحتها مكانها.

وفي ما يتعلق بالأكاديميات، دعا الجراح إلى أن تركز على التأهيل والتدريب لتخريج متخصصين في الإخراج وفي المهن التي تدخل في صلب صناعة السينما والتي تشمل التصوير والمونتاج وكتابة السيناريو والديكور والمكياج وباقي التقنيات.

وأشار الجراح إلى أن جامعة اليرموك على سبيل المثال تمنح شهادة في الدراما، وهذا «تخصص هلامي لا يتعدى الثقافة العامة في المجال دون الولوج إلى التخصصات بشكل دقيق»، متسائلا: ما الذي يمنع الجامعة أن تمنح درجة البكالوريوس في كل التخصصات التي تدخل في صلب صناعة الدراما؟ والأمر نفسه ينطبق على الجامعة الأردنية.

وقال الجراح: «آن الأوان أن تنظر هاتان المؤسستان العريقتان إلى صناعة الفيلم بجدية أكبر»، مؤكداً أن المنتج الأردني يجب عليه هو الآخر أن يقتنع بأن الصناعة السينمائية استثمار يمكن أن يدرّ عليه أرباحا لا بأس بها، ما يستدعي من أصحاب القرار توفير التشريعات القانونية اللازمة لتنظيم هذه الصناعة وتشجيعها من خلال الإعفاءات الجمركية والضريبية للمعدات اللازمة لهذه الصناعة ولمخرجاتها.

وأوضح الجراح أن الحراك السينمائي الأردني خلال السنوات العشر الأخيرة أصبح نشطا بعد أن أصبح عدد من الجامعات الخاصة يخرّج متخصصين في هذا المجال، وبعد عودة الكثير من الخريجين من الأكاديميات العربية والعالمية. ولكننا بالرغم من ذلك لم نصل إلى وضع يمكن أن نقول فيه إن لدينا صناعة سينما مكتملة الجوانب.

وأوضح الجراح أن المهرجانات في الأصل تأتي لتتويج حالة صناعة الفيلم، ورغم محدودية هذه المهرجانات من حيث الدعم والاهتمام، إلا أن مهرجان الأردن الدولي للأفلام والذي أقيمت منه حتى الآن سبع دورات، أصبح يشكل «حالة سينمائية يشار لها بالبنان»، لأن المهرجان يسعى للمساهمة في تطوير صناعة الفيلم الأردني، ورفد المشهد السينمائي بمخرجين على قدرة عالية من الحرفية، وخلق حركة سينمائية لها حضورها الحقيقي والفاعل، وبالتالي نشر الوعي السينمائي لدى المتلقي.

وأكد أن المهرجان من خلال دوراته المتتالية استطاع أن يخلق بيئة إبداعية تتمتع بحرية تامة لصناع الفيلم المتخصصين، حيث قدم المهرجان مجموعة من المخرجين وصناع الفيلم الذين أصبح لهم حضورهم في هذا المجال.

وزاد الجراح قائلا: من خلال تراكم الخبرة، استطاع المهرجان في دورته الأخيرة أن يقدم أفلاما أردنية نافست أفلاما عالمية، واستطاع الفيلم الأردني «لست وحيدا» أن يحصد فيه جائزة الإخراج (أشرف العبادي) وجائزة التمثيل (أحمد العمري)، وهذا يمثل «خطوة عريضة في اتجاه تكريس هذه الصناعة في المشهد الفني الأردني».

وأوضح أن المهرجان تقيمه وزارة الثقافة، وهناك شراكة مع نقابة الفنانين الأردنيين التي تعدّ «بيت الخبرة» في هذا المجال، وهناك حضور حقيقي للهيئة الملكية للأفلام، مما كان له الأثر الكبير في إنجاح الدورة الأخيرة التي أقيمت أواخر شهر تشرين الثاني 2019.

وأشاد الجراح بجهود اللجان الفنية ولجان المشاهدة المتخصصة، والتي وصلت الليل بالنهار للخروج بفيلم أردني على سوية فنية عالية، واختيار أفلام عربية وعالمية متنوعة من حيث الشكل والمضمون. كاشفاً أن الأفلام التي عُرضت في الدورة الأخيرة اختيرت من بين 2400 فيلم هي حصيلة ما تقدّم للمشاركة في المهرجان لهذا العام.

وأكد الجراح أن وزارة الثقافة تنفيذا لنهج توزيع المكتسبات الثقافية، أقامت عروضا لأفلام مشاركة بالمهرجان في جميع المحافظات، ليتمكن الجمهور الأردني من الاطلاع على أفلام أردنية وعربية وعالمية متنوعة من حيث الشكل والمضمون وعلى سوية فنية عالية.

وقال الجراح: «وجود صندوق لدعم الإنتاج السينمائي الأردني كمؤسسة وطنية فاعلة أصبح ضرورة لا غنى منها، لتوفير منصة حقيقية للإنتاج السينمائي، وإتاحة الفرص الحقيقية للمتخصصين في هذا المجال لتقديم مقترحاتهم الإبداعية، ولإيجاد نافذة لتسويق المنتج السينمائي الأردني محليا وعالميا»، داعيا محطات التلفزة الأردنية الرسمية والخاصة للمساهمة في عرض هذا المنتج وتسويقه.

ولفت الجراح إلى أن صناع الأفلام يتوجب عليهم تجسيد هموم المجتمع الأردني، وأن يطرحوا مواضيع وقضايا تهمه حتى يكون هناك صدى لهذه الأفلام ويتحقق الانطلاق من المحلية إلى العالمية. ودعا إلى أن لا تبقى هذه الأفلام حبيسة عروض المهرجانات، وأن تكون دور السينما الأردنية هي النافذة الحقيقية لها، وأن تهيَّأ صالات العرض في جميع مناطق المملكة من خلال المراكز الثقافية التي تشرف عليها وزارة الثقافة والجامعات، وأن تتوفر الشروط الاستثمارية المناسبة لغايات إنشاء دور سينما خاصة يستطيع أصحابها الاستمرار من خلال الربح المادي «المعقول».

واختتم الجراح حديثه بالقول إن مستقبل السينما الأردنية مرهون بمدى اقتناع أصحاب الاختصاص والمعنيين بأهمية هذه الصناعة، وبالتالي إقناع أصحاب القرار وأصحاب شركات الإنتاج أن هذه الصناعة يمكن أن تدر أرباحا مالية جيدة, وأن الفيلم الأردني يمكن أن يسوق البلد سياسياً وسياحياً واقتصادياً.