اعتراف إمبراطورية الشر الأميركية بشرعية المستوطنات اليهودية (وليس «الإسرائيلية» كما يحلو للبعض تسميتها حيث لا يَسكنها سوى اليهود) يُوصِل الأمور فلسطينيّاً وعربيّاً إلى نقطة اللاعودة, ولم يعد في قاموس سلطة أوسلو كما معظم الأنظمة العربية, ما «يجودون» به علينا من مُصطلحات إدانة وشجب وخصوصا تذكيرنا بأن «قرارات» العدوانية الأميركية كالإعتراف بالقدس عاصمة للعدو مرورا بمحاولات شطب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وليس انتهاء بنقل السفارة الاميركية للمدينة المقدسة وإلحاق القنصلية الاميركية في شرقي القدس بالسفارة, تتناقض والقانون الدولي (وكأن واشنطن معنية بقانون كهذا, إذ يعلم هؤلاء ان لأميركا قانونها «الخاص» الذي لا يعلو عليه اي قانون آخر اتخذ صفة «الدولي»، واندرج في شرعة حقوق الإنسان وبات جزءا من ميثاق الأمم المتحدة.

هذه الثرثرة الفلسطينية والعربية بل والأوروبية التي ترى في اي نقد لسياسات اسرائيل معاداة للساميّة, لا تعني شيئا في نظر ساكن البيت الابيض، ما بالك ان ترمب يستعد لتجديد ولايته وهو في سبيل ذلك لن يتورّع عن اتخاذ اي قرار يزيد من فرص بقائه في موقعه, وبخاصة اذا كان المزيد من الاصوات يأتي من خزّانه الانتخابي المسيحي الصهيوني.

إن الطبيعة العدوانية للامبريالية والتي تجسدها على نحو «مثالي» الولايات المتحدة, التي بات سلوكها يتّسِم بالعصبية والتهوّر وفقدان الكوابح والرهان على عامل القوة, لإحساسها انها في طريقها لفقدان تفرّدها بقيادة العالم, بعد وقوعِها اسيرة اوهامها بان القرن الحادي والعشرين سيكون قرناً أميركياً، ما تزال - واشنطن - تُمنّي النفس بقدرتها على عرقلة عجلة التاريخ وإخضاع قوانينه لمشيئتها, ولهذا تواصل عدوانيتها في مختلف انحاء المعمورة, تارة بتدبير الانقلابات والثورات المُلوّنة وطورا باستخدام العقوبات الاقتصادية ودائما في التلويح بشن الحروب وتمويل التمرّدات ودعم الفوضى في بلدان عديدة, ولهذا يستدعي «التغيير» الذي وصفه بعض العرب بانه «خطير» في شأن نظرة ادارة ترمب الى المستوطنات اليهودية, وان وجودها على الاراضي الفلسطينية المحتلة لا يتعارض والقانون الدولي، يستوجب ارتقاء سلطة رام الله وما تبقّى من «مشهد» عربي مُتصدِّع الى مستوى المسؤولية, ومغادرة مربع الإدانات والشجب واستجداء «المُجتمَع الدولي» الوقوف في وجه العربدة الصهيونية والصلَف الاميركي.

التاريخ يكتبه المنتصرون, وعرب اليوم صنفوا أنفسهم مُبكِرا في خانة المهزومين, وثمة بينهم من يقول: ان اسرائيل وُجدَت لتبقى, ولا يتورّع عن عزف نشيدها الوطني «هاتكفا» في عواصمه ومهرجاناته الرياضية. لهذا ليس ثمة من أمل بمسارعة هؤلاء نفض غبار الهزيمة وخلع رداء التطبيع عن انفسهم, الامر الذي يفرض بالضرورة التأسيس لمرحلة جديدة تنهض على مواجهة التطابق حدود التماهي بين فكر وأيديولوجية الامبريالية بنسختها الاميركية والصهيونية العالمية ومشروعها الاستعماري (اسرائيل), اندماج وتماهٍ في الأهداف والغايات, يستوجِب التصدّي له استخدام آليات وخطط وبرامِج مُقاوِمة, ترفض الخضوع وتتمسّك بالحقوق ولا تُهادِن أو تستسلِم, وبغير ذلك فان مسيرة الإنحطاط ستتسارَع وأعراض «الانقراض» تلوح في الأفق.

kharroub@jpf.com.jo