أبواب - خولة أبو قورة

لاحظت والدة المراهق بكر أنه لا يعرف كيفية التصرف في معظم المواقف الاجتماعية، ويستخدم التعابير والمفردات الخاطئة أثناء كلامه إضافة لعدم قدرته على إيجاد أصدقاء له في مختلف مراحله العمرية، فقد كان يواجه منذ صغره العديد من المشاكل مع اقرانه خلال تنقله في عدة مدارس حتى أن المرشد التربوي أخبرها أن ابنها يعاني من ضعف في المهارات الاجتماعية إذ يحاول اكتساب الاصدقاء لكنه يتبع أساليب خاطئة في التقرب إليهم.

حال بكر كحال العديد من المراهقين الذين يفتقرون للمهارات الاجتماعية اللازمة ليكونوا افرادا فاعلين في المجتمع،وتقول الخبيرة التربوية الدكتورة أمينة حطاب إن:«الإنسان اجتماعي بفطرته الا أن أسلوب التربية قد يحول دون ذلك، لذلك كان لا بد من التوعية الأسرية بأهمية تنمية هذه المهارات عند الأطفال خوفا عليهم من العزلة والقلق والإحباط وتدني تقدير الذات وفقدان الثقة بالنفس وضعف القدرة عل التواصل الأمر الذي قد يؤدي إلى التمرد والتنمر على الآخرين».

وتتابع الحطاب «تعد فترة المراهقة من الفترات الحرجة التي يمر بها الأبناء لأنهم يعيشون في تناقضات تتجلى في البحث عن الهوية الشخصية وتحديد الأهداف الخاصة بهم وتقبل التغيرات النفسية والفسيولوجية والعقلية والاجتماعية والانفعالية والدينية والخلقية التي طرأت عليهم ناهيك عن الصراعات الداخلية والخارجية في الانتماء للمجتمع ولعاداته وتقاليده، كل هذه الأسباب تؤدي إلى تراجع المهارات الاجتماعية عند المراهقين الذين يفضلون الانسحاب بدلاً من الاندماج مع الآخرين».

وتذكر الاخصائية في الإدارة التربوية الدكتورة اميليا محمود النقري أنه «قد يكون المراهق عانى من طفولة قاسية دفعته للانطواء على نفسه، وهذا ما أثر على جانب اكتساب المهارات لديه، واحياناً الحماية المبالغة من الوالدين لابنهما قد تجعله متكلا عليهم فيصبح غير قادر على مواجهة مشكلاته وحلها بدونهما، وهذا يسبب لديه ضعفا في الشخصية ويؤثر على انخراطه في المجتمع وتكوين علاقات اجتماعية صحيحة».

و تضيف النقري «التنمر في المدرسة الذي يقع على الطفل في المدرسة وخاصة من الكبار على الصغار يضعف شخصيتهم ويفقدهم الثقة بأنفسهم ويصبحون غير قادرين على بناء صداقات دائمة».وترى أن :«عامل الخجل عند المراهقين يسبب لديهم مشكلة في بدء العلاقات الاجتماعية والتعرف على أصدقاء جدد».

وتلفت أنه:«قد يعاني المراهق من ضعف في مهارات التواصل وبالتالي يتسبب ذلك في ضعف في اكتساب المهارات الاجتماعية،كما أن ضعف المهارات الاجتماعية لدى الوالدين قد ينتقل عن طريق المحاكاة للأبناء».

وتضيف النقري أن:«التغييرات الفيسيولوجية والنفسية التي يمر بها المراهق تنعكس على سلوكه كالتصرف بعدوانية وهذا ينعكس بدوره على تكوين علاقات صداقة متينة».

و يرى رئيس جمعية العلوم النفسية الدكتور عاطف القاسم أن:«سبب ضعف المهارات الاجتماعية لدى الابناء في فترة المراهقة يعود لعدة عوامل،منها أن الجيل الجديد يقضي أوقاتا طويلة على الألعاب الإلكترونية، ومتابعة البرامج التلفزيونية، وهذه الألعاب والبرامج لايكون فيها بعد اتصال قوي، ولا تحاور فيصبح الطفل متلقيا سلبيا، وخلال ذلك يحدث القليل من التعلم لمهارات التواصل الإجتماعي وبالتالي تقل لديهم المهارات الاجتماعية فيميلون للعزلة والتلقي السلبي، والذي من شأنه أن ينعكس على مهارات التفكير والحوار والتواصل الإجتماعي ومهارات حل المشاكل».

ويضيف القاسم «يعد انشغال أرباب الأسر بالعمل لفترات طويلة وتفككها في الصباح وتوجه الوالدين إلى العمل وعودتهما مساء للالتقاء بالطفل، سبب في ضعف الحوار الاجتماعي والعلاقات الاتصالية التي تتم داخل محيط الأسرة، وبالتالي ينعكس سلبا على المهارات الإجتماعية واللغوية والاتصال والتحاور عند الأبناء، فتصبح ضعيفة جدا». ويقول:«يتحمل مسؤولية ذلك الآباء والأمهات فنمط العلاقات داخل الأسرة اصبحت محكومة بالاحتياجات الأساسية كالأكل والشرب بسبب الضغوط الاقتصادية»

ويتفق الخبراء على أن للاهل والمدرسة دوراً فعالاً في تنمية المهارات الإجتماعية، التي يجب أن تبدأ منذ مرحلة الطفولة المبكرة، وتقول الحطاب «تعد المهارات الاجتماعية من المتطلبات الضرورية للتواصل مع الآخرين والتعبير عن وجهات النظر وحتى عملية اتخاذ القرار وحل المشكلات، لذلك كان لزاما علينا تنميتها عند الأبناء منذ نعومة اظافرهم وذلك بمشاركتهم في الطقوس الاجتماعية والدينية والثقافية وتعزيز ثقتهم بأنفسهم والحوار والنقاش والابتعاد عن النقد أمام الآخرين وتشجيعهم على بناء صداقات وعلاقات مميزة مع الآخرين».

وتشدد على أنه:«يجب أن لا ننسى دور المدرسة في تنمية هذه المهارات من خلال تقبل الطلبة مهما اختلفت امكانياتهم ومراعاة الفروق الفردية بينهم واعطائهم حرية التعبير عن الرأي مع التأكيد على ضرورة تقبل الرأي الآخر واشراكهم بالعمل الجماعي والتعاوني كاستراتيجية تعلم داخل الغرفة الصفية كما يمكن إشراكهم بأنشطة اجتماعية متعددة كالعمل التطوعي والكشفي وغيرها».

وتقترح النقري حلولا منها: «مراعاة المرحلة النمائية لدى المراهق وتفهم التغييرات التي يمر بها ودعمه سواء من الأهل أو من المدرسة، وتدخل المرشد الاجتماعي عند الحاجة لمساعدة المراهق على اكتساب المهارات الاجتماعية وتخطي المشكلات التي يواجهها من خلال إشراكه في إيجاد الحلول وكيفية تخطي العقبات التي يتعرض لها».

وتنصح النقري «بعدم استخدام القسوة من قبل الأهل أو الخوف والحماية المبالغ فيهما، وتمكين العلاقة بين الأهل والمراهق في هذه المرحلة من خلال بناء صداقة وثقة تشعر المراهق بالراحة والاستقرار النفسي وتقديم الدعم المعنوي له والعمل على تقوية ثقته بنفسه وحثه على ضرورة اكتساب المهارات الاجتماعية».

وتدعو إلى «عمل حملة توعية في المدارس حول التنمر والأذى النفسي الذي يسببه المتنمرون للآخرين، وأهمية العلاقات الإيجابية التي تجلب السعادة لكل الأطراف.إضافة لتوعية الأهل بكيفية التعامل مع المراهقين في هذه المرحلة العمرية الحرجة,ومن الضروري تعويد الأبناء منذ الطفولة على التعبير عن مشاعرهم وتنمية مهارات التواصل واستخدام لغة الجسد في التواصل».

ويرى القاسم أن العلاج يكمن في «خلق مساحة من الحوار والتفاعل داخل الأسرة، وحرص الآباء على مخاطبة أبنائهم بلسان فصيح لإثراء المخزون اللغوي لديهم من مفردات ومصطلحات».

ويضيف أنه «على الآباء أن يدربوا أبناءهم على الخطابة ومواجهة التحديات والمشكلات والقدرة على الـتأثير في الآخرين، وهي موضوعات في غاية الأهمية، ولكن إذا لم يكن لدى الآباء القدرة على ذلك يفترض بهم إرسال أبنائهم الى أندية تركز على بناء مهارات الاتصال والإجتماع والتأثير والاقناع، فعلى سبيل المثال يمكن إشراكهم في أندية للخطابة ليحفظوهم المزيد من الشعر ويمكنوهم من القدرة على الإلقاء ويكسبوهم قدرا أكبر من المصطلحات اللغوية وخاصة في مرحلة مبكرة من العمر».

وينصح القاسم الآباء بتقليل مساحة التفاعل بين أطفالهم والأجهزة الذكية لأنها لا تتطلب مهارات صوتية أو مهارات اقناع وحوار فهي عبارة من ازرار يتم الضغط عليها ويتم الإستجابة من قبل الجهاز، وبالتالي قدرتها على بناء فكر قوي عند عند الطلبة ضعيفة جدا».

وتبين الحطاب ان الفائدة المرجوة من تنمية المهارات الإجتماعية هي ما نطلق عليه الذكاء الاجتماعي لدى الابناء وذلك بإيجاد أفراد قادرين على التفاعل مع التغيرات التكنولوجية والاجتماعية والثقافية والمعرفة بحكمة وانسانية وعقلانية تنعكس على انتمائهم لمجتمعهم وأمتهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية اتجاه الآخرين».