أبواب - زياد عساف

التحايل و الإنكار سلاح طفولي بريء اعتاد الصغار اللجوء اليه، وهم عائدون من مشاهدة عرض سينمائي خفية عن الأهل تجنباً لعقاب محتمل، لكن سرعان ما تنجلي الحقيقة عندما يقترب ولي الأمر أو من يقوم مقامه، ويشم أطراف القميص أو الجاكيت العابق بدخان سجائرجمهور الصالة، وهذا لوحده دليل قاطع لدى الأغلبية ان ابنهم وحسب المفاهيم السائدة اّنذاك قد ارتاد إحدى دور السينما، فينال على إثرها عقابا بدنيا أو ما يشبه الإقامة الجبرية،وأقساها حرمان من المصروف ما يعني حرمانه من تكرار هذا الجرم الجميل !

ممنوع التدخين

هذه واحدة من حالات عاشها كثيرون والتي تؤكد في الوقت نفسه العلاقة ما بين التدخين والسينما، وهي علاقة سلبية لا تخلو من بعض الإيجابيات، وكلاهما يستحق البحث والدراسة لتسليط الضوء على قضية اختلط بها البعد الدرامي والتجاري بصحة الإنسان، مع استهتار واضح وعدم احساس بالمسؤولية من قبل أغلبية صُنَّاع السينما.

«ممنوع التدخين»، أول المحاذير المكتوبة على جدران صالات العرض التي انطبعت في اذهان الناس لتنويه الحضور بالالتزام بهذا المنع، ومع ذلك كانت العروض تبتدئ بدعاية لشركات مصنعة للتبغ !، وضمن مشاهد الفيلم أيضا يدخّن أغلبية الممثلين وبدون سبب وجيه يخدم الفكرة أغلب الأحيان.

ممنوع الحب..

موقف لم يغب عن ذهن ممثل هاو وهو يتلمس طريق الفن في بداياته الأولى حين طلب من المخرج السماح له بأن يدخن سيجارة أثناء تصوير مشهد صامت، وكان رد الأخير ان التدخين ممنوع في الأعمال الدرامية!، اعتقد حينها ان سبب الرفض يعود لمحاذير صحية، أو كي لا يُساء الفهم بالترويج لشركة التبغ المصنعة، ليكتشف الممثل بعد سنوات ان هناك سببا جوهريا يضاف لما سبق كان بين سطور الكلمات التي وردت على لسان المخرج، وهو أن بعض الممثلين يلجأون لذلك لإخفاء التوتر وعدم القدرة على التعبير عن روح المشهد، وهذا ما لا يحتاجه الممثل القدير المتمكن?من خبرته وأدواته.

الأمثلة على ذلك كثيرة، وأولهم الموسيقار محمد عبد الوهاب، فرغم أهميته كمطرب وملحن، إلا أنه اخفق في التمثيل على الشاشة الكبيرة، ولجأ لهذا الأسلوب بفيلم (ممنوع الحب) انتاج عام 1942، وفي مشهد جلوسه مع بطلة الفيلم رجاء عبده في القارب وهو يدخن ويستمع لاغنية «يا مراكبي» للفنان محمد امين، وفي مشهد اّخر من الفيلم وهو يقود المركبة يغني (ما كانش ع البال) ويدخّن السيجاره في الوقت نفسه !.

ومن فيلم (الشموع السوداء) 1962 وفي اول ظهور على الشاشة الكبيرة لصالح سليم لاعب كرة القدم المحترف في مصر، لجأ للتدخين ليخفي ضعف ادائه بالتمثيل،وكان ذلك واضحا وهو يدخن بشراهة بشكل غير مقنع أثناء غناء نجاة الصغيرة لأغنية لاتكذبي.

سيجارة وكاس

نماذج سلبية قدمتها الأغنية السينمائية في بعض الأفلام تروِّج للتدخين واصبحت الأغنية اشبه بالمثل الشعبي المحبب للنفس عبر ترديد البعض (الدنيا سيجارة وكاس)، تيمنا بأغان سينمائية تتماشى مع هذا السياق ومنها أغنية شافية احمد وبطريقة الدوبلاج بفيلم (سيجارة وكاس) 1955 ومن كلماتها (حياة الناس سيجارة وكاس.. وعُمْر يروح مع الأنفاس)، وبنفس الأجواء غنى المطرب المعتزل فهمي حسني بفيلم (مليون جنيه) 1953: (يا دنيا رخصوكي الناس وعابوا فيكي يا خسارة..وقالوا دي سجارة وكاس.. وباعوكي في كاس وسجارة) !، وملهمهم في هذا التوجه محمد ?بد الوهاب في الأربعينيات بأغنيته الشهيرة (الدنيا سجارة وكاس.. للي هجروه الناس).

ترويج..

الترويج للتدخين عبر السينما المصرية جاء أيضا بإقحامه في مشاهد غير مقنعة في معظم الأفلام، وحذفها لايؤثر على سياق الحدث الدرامي،كمشهد رجل يقترب من بواب عمارة ويقدم له سيجارة ليبادر بالسؤال عن احد السكان،قد تكون فتاة معجباً، أو لأسباب أمنية أو قضائية، أو مشهد في مركز توقيف ومع دخول احد المتهمين يبادر من سبقه لهذا المكان بطلب سيجارة منه وهذا ما ينطبق على الشخصية النمطية لبائعات الهوى على الطرقات، وهن ينفثن الدخان في وجوه العابرين تعبيرا عن الغواية لاصطياد الزبون.

ومن مكملات شخصية المرأة الأرستقراطية والمتحررة في الافلام درجت العادة على تناولها لسيجارة طويلة بيدها، وهي الأدوار التقليدية التي قدمتها نجمات سينما الأربعينيات والخمسينيات أمثال: زوزو ماضي أو ميمي شكيب، علما ان هذه القوالب الجامدة لم تحتاج اليها فنانة قديرة بحجم فاتن حمامة، رغم انها نوعت في اداء الأدوار النسائية، وابدعت في أدائها دون الحاجة لهذه المكملات، وكذلك الأمر بالنسبة للفنانة هند رستم التي استطاعت ان تعبر عن شخصية المرأة اللعوب على سبيل المثال بالضحكة والإيماءة والصمت أيضاً، واتقنتها بحرفية عالية ل?رجة ان أطلق عليها لقب (مارلين مونرو السينما العربية).

بريق..

للتدخين بريق لا يقاوم لدى كثيرين من متابعي الأفلام العالمية ونجومها وهم يدخنون السيجارة بطريقة تضفي عليهم الحضور والوسامة، امثال كلينت ايستوود وبود سبنسر وشارلز برونسون والنجمة أودري هيبورن، وعلى هذا النهج سار نجوم السينما العربية امثال رشدي اباظة واحمد رمزي وكمال الشناوي.

بدافع حب المال أو الشهرة أو كليهما معا، وكظاهرة غير محببة لجأ بعض نجوم السينما العربية لتقديم دعايات عبر الصحف والمجلات لنوع من السجائر متناسين مقدار الضرر الذي يسببونه لصحة الناس المعجبين بفنهم وشخصياتهم خاصة من هم في سن المراهقة لدرجة تقليدهم ليس في اللباس وتسريحة الشعر وحسب، بل في التدخين أيضا، ومن هؤلاء النجوم انور وجدي وليلى مراد، هدى سلطان، سامية جمال، عز الدين ذو الفقار وكوكا.

طبيب مدخن..

هذا النوع من الأضرار الصحية سببته أيضا بوسترات الأفلام التي تظهر البطل يدخن بطريقة ملفتة، بقصد أو بدون قصد هي دعاية منفِّره بحد ذاتها وترويج للتدخين في الوقت ذاته، ومن الأخطاء القاتلة أيضا والتي تحرِّض على التدخين إظهار الطبيب بالأفلام بشخصية المدخن، ومن هذه الأعمال: (ليلة رهيبة) 1957، وادى به شكري سرحان شخصية الدكتور مجدي الذي يدخن بشراهة حتى أثناء دوامه في العيادة، والسبب معاناته وقلقه جراء البحث عن نسبه تجاه أمه، وبفيلم (سجى الليل) انتاج عام 1948 يقوم عماد حمدي بدور طبيب أمراض صدرية مدخِّن !، ومن فيلم (?رجوك اعطني هذا الدواء) 1984، تلجأ نبيلة عبيد للعلاج في عيادة طبيب نفسي (فاروق الفيشاوي) يدخن الغليون في العيادة !، وفي المشهد يقدم لها سيجارة واجب الضيافة، وعند استغرابها من هذا التناقض الذي يتنافى مع طبيعة مهنته، يكون رده غير المقنع إنه يسعى للتوقف عن هذه العادة !.

الإبداع مرتبط بالتدخين، هذه واحدة من الصور النمطية السلبية التي رسختها السينما المصرية تحديدا، فالكاتب يجب ان يكون مدخنا ليبدع، والنموذج الأقرب هنا دور الفنان عماد حمدي بفيلم (الأطلال) انتاج 1959 في تجسيده لشخصية الكاتب والمؤلف محمود، إذ تكون السيجارة هي الملهم بالنسبة له أثناء ممارسته لطقوس الكتابة.

ثراء..

الثراء الفاحش والنفوذ والاستبداد يجب ان يرافقه تدخين السيجار بصفته مستورداً وغالي الثمن لا يطوله الا من يمتلك هذه المواصفات، هكذا عوَّدتْ السينما جمهورها، والفنان عادل ادهم واحد من الفنانين الذين استخدموا السيجار في ادائه لشخصية الرجل القاسي المستبد بأكثر من فيلم، منها دوره بفيلم (طائر الليل الحزين) 1977، وقد أدى شخصية (طلعت مرجان) احد رموز مراكز القوى في مصر بالستينيات الذين تم الإطاحة بهم بعد انتفاضة مايو 1971، ومن الأمثلة الأخرى شخصية مستر حسان (بيير السيوفي) بفيلم (المنسي) 1993، وأدى بصحبة السيجار شخصي? تاجر عربي ثري يطمح للنيل من السكرتيرة (يسرا) مقابل انهاء صفقة تجارية مع مديرها رجل الأعمال.

والمحصلة مما سبق ان السينما العربية ساهمت بترسيخ عادة التدخين الضارة لدى المراهقين والشباب والكبار أيضا، ووصل الأمر بالتشجيع على إدمان كثيرين للمخدرات من خلال السيجارة والشيشة، وعبر آلاف الأفلام منذ بداية السينما المصرية ولغاية الاّن.

مشاهد ايجابية..

لم تخلُ بعض الأفلام من مشاهد درامية وظفت التدخين كدلالة مؤثرة تخدم فكرة ومضمون الفيلم وجاءت رمزية السيجارة موفقة بفيلم (أقوى من الحب) 1953، يؤدي عماد حمدي دور شخص بترت يده اليسرى في حادث، حيث التقى بـ (شادية) في كابينة القطار وعندما حاول اشعال سيجارة بعود الثقاب وجد صعوبة في ذلك، فقامت شادية بهذه المهمة لتكون السيجارة المشتعلة كناية عن بداية لاشتعال قصة حب بينهما، وعلى الجانب الاّخر زوجته (مديحة يسري) التي لم تنتبه لهذه اللفتة الإنسانية التي سبقتها اليها غريمتها الا في اّخر الفيلم وفي محاولة لاستعادة والد ?بنائها، وعندما تسقط السيجارة من يده، تتناولها الزوجة وتضعها بفمه وتشعلها بعود ثقاب، والكناية هنا مخالفة للأولى ودلالة على حرق الماضي وبدء الحياة الزوجية من جديد.

ومن المشاهد الأخرى لرمزية السيجارة، لابد من العودة لعام 1955،لفيلم (أيام وليالي) ففي مشهد جمع محمود المليجي وسراج منير في بيت الأخير الذي طرد المليجي من منزله، رد عليه بالقاء عقب السيجارة عند مدخل الباب قبل ان يغادر كناية عن شتيمة صامتة لصاحب الدار، وبدوره يدوس عليها سراج منير كناية عن موقف قوة وقطع أي أثر لعودته مستقبلا.

معاك سيجارة؟..

في فيلم (النظارة السوداء) 1963 أبدعت نادية لطفي بتوظيف السيجارة بفمها طيلة الفيلم، وهي تؤدي شخصية الفتاة الأرستقراطية المستهترة التي ليس لها توجه في الحياة، وبنفس الروعة ذاتها استخدمت السيجارة في ادائها لشخصية الراقصة فردوس بفيلم أبي فوق الشجرة 1969، ومن فيلم (غروب وشروق) 1970، يلقي محمد الدفراوي رئيس خلية التنظيم علبة سجائر فارغة من نافذة السيارة،ليلتقطها أعضاء الخلية (صلاح ذو الفقار ورشدي أباظه) ويتضمنها رسالة قصيرة تفيد بتحديد موعد سري في السابعة والنصف مساءً لأعضاء التنظيم إيذانا ببدء ثورة يوليو 1952، ?يبقى المشهد المؤثر في فيلم (الحرِّيف) مشهداً جمع عادل إمام بوالده (ابراهيم قدري) صانع الأقفاص، يبلغه فيه عادل ان أمه قد توفت، ويرد الأب المطحون: (معاك سيجارة؟!.. كلنا حنموت!).

تصنيف..

قرارات تدعو للتفاؤل أصدرتها منظمة الصحة العالمية عام 2016 للمعنيين بصناعة السينما، تدعوهم فيه للإقرار في بداية الفيلم الذي تتضمنه مشاهد لمدخنين أن منتج الفيلم لم يتلق أي مقابل مادي من الشركات المصنعة للتبغ، وفرض اعلانات مناهضة للتدخين قبل عرض الفيلم، والأهم بين هذه القرارات تصنيف الأفلام التي تتضمن مشاهد تدخين لمنع تأثر المراهقين وصغار السن بهذه العادة الضارة بهدف حصر المشاهدة بالراشدين والبالغين، وفي فرنسا أصدرت وزارة الثقافة قرارا بتقنين مشاهد التدخين بالأعمال السينمائية.

وفي تركيا أقرت الرقابة على المصنفات الفنية عام 2008 منع عرض مشاهد لأشخاص يدخنون، وحذف هذا النوع من المشاهد من الاعمال السابقة وبأثر رجعي، هذا النوع من القرارات يصعب تطبيقه في البلاد العربية في المدى المنظور، يؤشر لذلك عدم تقديم أعمال سينمائية تتطرق لهذه الظاهرة ومضارها حتى الاّن، بدلا من دعايات سينمائية مجانية أو مقبوضة الثمن كان نتاجها مدخنين يرثى لحالهم ولمستقبل مجهول ينتظرهم،تبدأ أولى ملامحه بالسعال كما ورد في التراث الغنائي اللبناني:

«بإيده سيجاره وبتمه سيجارة

لا بيحمل قداحة ولا بيشعل نارَه

والقحَّه بظهر القحَّه ولما تقوله كيف الصحة

بيجاوب بالإشارة وبيشفط بالسيجارة !».

عموما، تنوّع استخدام السيجارة في السينما العربية، قد يكون محاولة من الممثل للتغطية على ضعف الأداء،وقد يكون للدلالة على المستوى الاجتماعي لشخصية معينة، او سلوك فئة تنتمي للعالم السفلي، او إشارة لحالة نفسية تعكس الحزن والغضب، بمعنى أنه استخدام راوح بين المجانية والتوظيف الدرامي المدروس.