صادفت في الرابع عشر من تشرين الثاني الجاري ذكرى ميلاد الحسين بن طلال وأحيا الأردنيون ذكراه الخالدة في قلوبهم وعقولهم ووجدانهم ما كتب الله لهم أن يعيشوا، فالحسين فينا وبنظرنا ليس قائداً عادياً، لأنه الأخ والرمز والمثل والنموذج، ولأنه صاحب العزيمة والإرادة. ولأنه الذي قاد الأردن من مرحلة إلى أخرى.. ولأننا نعلم جميعنا حجم التحديات التي كانت ماثلة أمامه ورافقته طيلة السنوات السبع والأربعين من حكمه رحمه الله.. سواء أكانت تحديات داخلية أو خارجية فرضتها التطورات التي شهدتها المنطقة العربية والعالم على حقب متعاقبة، فما كان من الحسين إلا أن صمد وكافح وجاهد ليحافظ على هذا البلد ويرد كيد المتآمرين عليه من كل مكان.

ونستذكر في هذه المناسبة أن هذا العام قد حمل في أسفاره للأردنيين موعداً مع عشرينيتين إحداهما لم يخل طعمها من المرارة وهي عشرينية رحيل الحسين، الذي يأبى أن يغادرنا بل إنّ شمسه الساطعة فينا ما زالت تزداد حضوراً، وأما الثانية فكانت عشرينية مليكنا المعزز عبد الله الثاني الذي نادى فيه الحسين وائتمنه على شيبنا وشبّاننا وذكرنا وأنثانا مؤملاً فيه العمل لخدمة الأردن بمنهج مستند إلى تقوى الله ومحبة الناس والتواضع لهم، والعدل والمساواة بينهم، وتوقير كبيرهم والرحمة بصغيرهم والصفح عن مسيئهم حيثما كان مجالاً للصفح، وكرم النفس والخلق والحزم عندما يستقر الرأي على قرار ووضع مصلحة الوطن والأمة فوق كل المصالح والاعتبارات.

ما بين العشرينيتين تمتزج المشاعر وتختلط الأحاسيس فالموت حق والحسين قد مات جسداً لكنه الباقي فكراً وعملاً وتواضعاً وسنبقى نحبه لأنه السطر الجميل في صفحات كتبنا ودفاترنا ولأنه شيخ الحمى الذي أحببناه قائداً ومعلماً وأباً وأغنية وراية، وحكاية تتلو حكاية، تلك الحكاية التي امتدت خيوطها لعبد الله الذي حاك لنا منها ثوباً فأحاطنا بسواره وكان محط رجاء الحسين وكان المؤتمن على ما خاطبنا به بقوله» فإنني أعاهد الجميع على مواصلة المسيرة بكل ما أوتيت من قوة وعزم ومعرفة لتحقيق الأهداف والطموحات النبيلة التي عملتم وكافحتم مع الحسين لتحقيقها في اطار من التشاور والمشاركة في تحمل المسؤولية».

نحبُّ الحسين ونبصره بنجله عبد الله، الذي طوى عقدين من حكمه كما أراد له الحسين، يحترم الدستور ويحمي المسيرة الديمقراطية ويعمّق جذورها ويستكمل بناء دولة المؤسسات والقانون ويعمل على تحقيق النهضة والوفاء لرسالة الثورة العربية الكبرى في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية، ويزور قرية هنا ولواء هناك، ويحنو على طفل مريض ويجثو على ركبتيه ليستمع لامرأة عجوز، ويذود عن فلسطين ويحمي المقدسات الإسلامية والمسيحية، ويذود عن الإسلام ويزيل الغُمّة التي علقت على معالم صورته الناصعة كدين حوار وتسامح وتفاهم وعيش مشترك، ويمضي وينجز ويحقق ما لم يكن متوقعاً وغير ذلك مما لا نجد مساحات إلا لذكر اليسير منه، وكلّ هذا ليس عنه بغريب وكيف يكون غريبا عمّن نشأ في عرين الحسين.

من الحسين الباني إلى عبد الله الثاني مسيرة بدأها أبو عبد الله ويكملها بكل ثقة ويقين نجله المحبوب عبد الله.

Ahmad.h@yu.edu.jo