عمان - جوان الكردي

الاستبعاد الاجتماعي للشباب هو من الناحية العملية حرمان هذه الفئة من المشاركة في عملية ادارة وتنمية المجتمع التي تعد جزءاً منه.

كما يشكل هذا الاستبعاد عدم تمثيل القطاع الشبابي والاسهام في التخطيط لمستقبل المجتمع والعمل على وضع الاهداف والغايات وبالتالي عدم تحقيق النتائج الايجابية التي يصبو اليها المجتمع ويطمح لتحقيقها لصالح كل فئاته ومكوناته.

الباحث والناشط أمجد الكريمين يرى أن واقع الشباب والاستبعاد الاجتماعي مؤشران يتناقضان مع طموح شباب أردني يحلم بمستقبل مزدهر وعالم كله حياة مملوءة بالسعادة ومكانة اجتماعية مرموقة وحالة اقتصادية جيدة.

ويقول الكريمين «نجد اليوم حالة من الاغتراب والبعد الاجتماعي بين الواقع والطموح لدى الشباب وذلك لصعوبة تشخيص الواقع في ظل طموح غير محدد يتغير بتغير لحظي للحياة».

الثلاثينية نداء فريوان قالت «أن أمر تسليم الشباب زمام الامور ما زال صعب المنال، حيث نرى الشباب يعبرون عن امتعاضهم من الاستبعاد والاقصاء الذي يعانون منه في المجتمع».

وبحسب فريوان «نرى الشباب يلهثون خلف الهجرة بأشكالها، وقد يكون الاستبعاد بدافع ذاتي فكيف لشابٍ قابع تحت مظلة البطالة ان يكون مبادرا وصاحب تطلعات ورؤى؟».

وتناشد فريوان الجهات المسؤولة تغيير استراتيجياتها في التعامل مع الشباب وتتساءل: ماذا يحصل لو تم تخفيض سن أعضاء المجالس البلدية ومجالس المحافظات؟ وماذا لو تم حث المنظمات الدولية العاملة في الاردن على احتضان الشباب وتسويقهم داخليا وخارجيا؟

العشريني مالك بني هاني قال: لقد اقتصر طموح الشباب على حاجاته الأساسية، من مشرب ومأكل وزواج وبيت تاركا أحلامه لغيره.

ويأمل أن تتفكك المنظومة السلبية الهدامة في مجتمعنا والاستبعاد الاجتماعي من كل جوانبه وان يطلق الشباب أفكارهم تجاه طموحاتهم في سماء الإبداع ليعيشوا لأنفسهم بفكر مجتمعي واع وسليم وايجابي.

المهندس والباحث والناشط البيئي العشريني حمزة محمود منسي قال «الشباب اليوم يعيش أسير الأمس والخوف من الغد وما يخبئه، مما يؤخر تقدمه للأمام، الشباب هم البنية الأساسية التي يرتكز عليه طموحهم، خاصة أن لديهم ما يملكونه من قلوب قوية، لا تخاف ولا يقف في وجهها الا اليأس والأحباط، وكذلك الأخلاق والسعي وراء المستحيل، للوصول إلي تحقيق الأهداف ولكن هناك معيقات تمنعهم وتقف أمام مستقبلهم».

وأشار حمزة إلى أن الشباب يحلم بمستقبل مزدهر وحياة رغيدة ومكانة اجتماعية واقتصادية، في ظل واقع مؤلم، ما يجعل عنده تصادماً بين الواقع المؤلم والخيال الجميل، ويكون السبب الأساسي استبعاد المجتمع له، ولو جعلناه يتحدث عن نفسه لقال «إنه مثل الشمعة تضيء لغيرها وتحرق نفسها» ودائما يتحدث عن المجتمع بأنه هو الظالم والشباب هم المظلومون.

ويشرح أستاذ علم الاجتماع بجامعة مؤتة الدكتور رامي الحباشنة أن الاستبعاد الاجتماعي يأتي بمعنى الحرمان أو الإقصاء من المشاركة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.

ويبين أن المجتمع الأردني غالبا ما يجدهم محرومين من الفرص في النشاطات السابقة بسبب طبيعة ظروف الواقع المعاش وتوفير الفرص التي تحتوي الشباب اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا.

ومن أهم أسباب الاستبعاد، بحسب الحباشنة، ضعف الحركة الحزبية، قلة فرص العمل، ضعف القدرة على التحرك اجتماعيا لضعف قدرته على بناء علاقات وتفاعلات اجتماعية، وهذا كله يصب فيه نقاط الجذب لصالح مفهوم الاستبعاد الاجتماعي الذي تظهر معالمه على الحالة التي يعيشها الشباب الان؟

ويؤكد أن هذه الظاهرة الاجتماعية خطيرة، حتى أنه في المجتمعات المتقدمة شكلت الفئات الشبابية والمهنية والاجتماعية التي كانت تشعر بالتهميش مشكلة للحكومات أدت إلى عدم استثمار طاقات الشباب بالشكل المطلوب.

ويزيد الحباشنة «مع الأصوات التي تتعالى من شريحة الشباب بسبب عدم القدرة على توفير فرص العمل ومصدر دخل مالي أو في حال توفر الوظيفة نجد حالة استياء من عملية توزيع الدخل والرواتب بشكل عادل ومتقارب، ما يؤدي إلى رغبة الشباب في إقصاء نفسه عن التفاعل الاجتماعي لضعف إمكانياته».

عبء داخل الدولة

ويضيف: إذا وجدنا أن كثيراً من الدول المتقدمة مع كل ما توفره من قدرات وفرص لدمج الشباب في مجتمعاتهم فقد شكلت اي فئة شبابية كانت تشعر بالتهميش مشكلة للحكومات أدت إلى عدم استثمار طاقاتهم في التنمية وتحولهم إلى عبء داخل الدولة.

ويشير إلى أن شرطا علميا هاما بات متحققا داخل المجتمع الأردني يسهم في ضعف تحقيق طموحات الشباب وهو غياب الطبقة الوسطى واضمحلال تلك الطبقة التي تشكل بالعادة جداراً واقياً يسهم في عدم الصدام بين الشباب الطموح الذين يشعرون بالتهميش وادوات تحقيق هذه الطموحات التي لا تتوافر بين أيديهم.

وينبه الحباشنة، الى أن خطر هذه المشكلة الاجتماعية في شعور يطلق عليه أنتوني غيدنز «الحجز في مصعد سياسي معطّل»، ينتج عنه ألا ترى «الفئات المهمشة» مناصا من أن يطرقوا كل الأبواب بقوة، وتزداد حدة هذا الشعور مع تقدم الوقت حتى يكون إشباع رغبة المستبعدين يتجلى في انسحابهم من المساهمة في تطوير وخدمة مجتمعهم.

وتشير أستاذة علم النفس التربوي بجامعة مؤتة الدكتورة وجدان الكركي الى أن الشباب يمر بأزمتين نفسيتين اجتماعيتين تبعا لنظرية أريكسون في النمو النفسي الاجتماعي وهما: أزمة تحقيق الهوية في سن ١٣-٢١ حيث يسعى الفرد في هذه المرحلة لتحديد قدراته وإمكاناته وتوجهاته الفكرية والدينية والسياسية والتعليمية والعملية.

وتوضح «يسهم إشراك الشباب في الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية والثقافية في تحقيق الهوية النفسية والإحساس بقيمة الذات وقدرتها على الإنجاز والسير بثقة نحو المرحلة التالية التي تكون فيها أزمة الإنتاجية في سن ٢١-٤٠».

وبحسب الكركي «يمكن تخطي مرحلة الانتاجية بسلام اذا حقق الشاب الانتاجية من خلال عمله وخدمة مجتمعه وأسرته، ما يعزز عطاء الشباب في مجتمعاته محققين بذلك تطويرا لذواتهم ومجتمعاتهم وفي نفس الوقت يعزز السلامة النفسية للفرد ويحقق مجتمعات آمنة على الصعيد النفسي».

وتشير إلى انه من هنا تبرز خطورة الاستبعاد الاجتماعي للشباب حيث يمكن أن يهدد الهوية كما يعيق انتاجية الشباب في أهم سنوات اعمارهم التي تتميز بالطاقات المؤثرة إذا أحسن توجيهها.

الخبير الاقتصادي الدكتور مازن مرجي يقول: الاستبعاد الاجتماعي لفئة الشباب من المشاركة في التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي هو تعطيل للطاقات الشابة الايجابية الكامنة في عقولهم وارواحهم واجسادهم وحرمان لهم من فرص مشروعة للمساهمة في بناء المجتمع.

ويرى أن من أهم الأسباب وجود تباطؤ أو ركود في الحياة العامة في جوانبها المختلفة وبالتالي لا توجد قدرة لدى المؤسسات والمنظمات والهيئات العامة والخاصة والاجتماعية على توفير الفرص او الشواغر لمنحها للشباب والذي يتحول الى تراكم اعداد العاطلين عن العمل لانعدام الفرص المتاحة.

ويلفت مرجي إلى أن الاستبعاد ناتج عن عجز المعنيين في موقع الادارة والقرار عن فهم أو استيعاب حاجات ونمط تفكير الاجيال الشابة وطبيعة القدرات والمهارات التي يتمتعون بها، وبالتالي عدم القدرة على توظيف تلك الطاقات والمهارات بالشكل النموذجي المناسب فتستبعد كنوع من التغطية على هذا العجز وعدم القدرة.

ويصل إلى ان الاستبعاد الاجتماعي للشباب في بلد شاب ونام مثل الاردن بالتاكيد تعطيل وهدر لطاقات نصف المجتمع ومنعهم من المساهمة الايجابية الفاعلة في التطور والنمو والازدهار.