عمان - أحمد الطراونة

«كان طفلا

ملء عينيه سؤال

و لذا غذ خطاه

مسرعا خلف رؤاه

يستطيب الارتحال،..

هو يحيا

و الذي مات السؤال...»

فمن غير تيسير، حين تخيّم احزان الصحراء ويباع الوهم في قصائد محشوة بالزيف والرياء، من غير تيسر نلجأ اليه، نمد ايدينا في قميصه الموشّح بالدم، والرفض، لنسرق جذوة او قبسا لهذا الليل الصحراوي الحزين.

اعوادنا نقصت وترا، وناياتنا ازدادت ثقبا، فهل نرثيك او نرثي راثيك الذي استدعيته ليلحق بك مبكرا هو الاخر، حين قال فيك: «أذان الفجر أكملت القصيدة والصلاة، أطلّ تيسير السبول وقال كيف تطيق هذا الليل، خذها بغتة في الرأس،..»

واليوم، وبعد هذا الحضور الذي يخيّم على كل هذا الخواء، نعيدك فينا زمنا آخر، وتمر اطيافك فوق محبّيك، قصائد، ومراثي صوفية، وصورا وخيالات توهمنا فيها من جديد، انك لم تغادر.

يحضر الأصدقاء والمحبون والاهل، في أمسية «استذكار تيسر سبول»، يرعاها مندوبا عن وزير الثقافة د.باسم الطويسي، امين عام الوزارة الاديب هزاع البراري، باكورة فعل ثقافي لمركز ثقافي ملكي غاب منذ زمن عنّا، يستذكر القامات، وينبش في ذاكرة القوافل المنسية ليعيدها للذاكرة، ويمسح مع يعقوب العودات عن وجوه تاهت في زحام الوهم والانكسار.

هو تيسير اذا، لحظة البدء، حيث يقول مدير المركز، الاديب مفلح العدوان صاحب المبادرة: ان السبول أبدع حقيقي، بقي حاضراً بإبداعه رغم غيابه، فالمبدع الحقيقي لا يرحل، ففي هذا البرنامج «قامات» والذي خصص لاستحضار روّاد ومبدعي الأردن الذين كان لهم الفضل في التأسيس لأجيال لاحقة، يضيف العدوان: «إننا في هذه الأمسية ضيوف على تيسير السبول بعد مرور 46 عاماً على رحيلة، هذه القامة التي فقدناها مبكراً حين انتحر في 15 نشرين الأول 1973م وهو يحلم حلماً عربياً مبكراً، تيسير الابداع النقي، سيبقي حاضراً بإبداعه بيننا رغم غيابه، فالمبدع الحقيقي لا يرحل».

وعلى خشبة مسرح المركز الثقافي الملكي تجتمع فرقة «ترانيم» بقيادة الفنان نصر الزعبي، ومعها ثلة من المبدعين: «عبير عيسى، حابس حسين، ديانا رحمة، راشد عيسى، اريج دبابنة، هاني الخالدي ومن اخراج علاء الجمل وادارة ابراهيم العامري»، وعلى ايقاع قصائد تيسير، ترتجف الذاكرة وتستحضر ذلك الغياب الذي حضر بكل حلله، ليعيدنا مع ما القي من قصائد وما هزج من روح تيسير الى زمنه، فقدمت «ترانيم» جدارا ملونا من الشجن الوجد في لوحة بصرية تداخل فيها الصوفي والتراثي

ومنذ «أنت منذ اليوم» والتي صدرت في العام 1968 وانت تهجونا، تهجو واقعا مريرا، وتعري زيفنا، و تقول بلا تردد: «كنت أعتقد بكذب كل الحقائق السابقة، فمن أين أبدأ؟ من نفسي، على ألّا أحاول الخداع».

في الأمسية التي حضرها جمهور واسع عرض فيلم عن حياة السبول منذ نشأته في الطفيلة جنوبي الأردن وانتقاله إلى بيروت ومن ثم دمشق وعودته إلى الأردن ومن ثم انتقاله إلى البحرين فالسعودية، وعودته مجدداً في عمّان، حيث بدأ الفيلم بمقطع من قصيدة «بلا عنوان»، والتي لحنها وغناها الفنان الراحل غازي الشرقاوي، ثم يحتوي الفيلم الذي كتب نصه كاتب هذه السطور واخرجه المخرج علاء ربابعة لقاءات مع عدد من اصدقاء تيسير، حيث يستذكر الروائي سليمان القوابعة صديقه قائلا «نتذكره ونتذكر صلابة المنطقة ودورها التاريخي التي ساهمت في بناء شخصيته وزودته بالنخوة، لقد تشرب من جبال الطفيلة روح التحدي وروح الانتماء لأمته العربية»، مضيفا عن رواية «أنت منذ اليوم»: «أنجزها في فترة متعجلة وهذا يدل على الإبداع لديه، وكان بطلها (عربي)».

ويستعرض الفيلم هوية تيسير «منذ أن أغلقت الرياح الصحراوية الحزينة باب بيته العتيق ذات مساء تشريني، حيث ترك الطفيلة على حافة الصحراء كي لا تغيب في وعيه وغادر إلى الجامعة الأميركية في بيروت كي ينهي تحصيله العلمي في البكالوريس بالإدارة، إلا أن زوابع الصحراء لم تتآلف مع ذلك الخمول الفكري، تركها ليس آسفاً ليرحل إلى عمّان، وحين سألوه: «لماذا تركت الحياة البيروتية في الجامعة الأميركية؟» قال: إنها لا شيء يا صديقي إنها كذب وزيف وتمثيل».

وزير الإعلام الأسبق راكان المجالي قال: «إن تيسير كان مهتماً بشدة في الأعمال الجديدة، مؤكدان ان تجربة السبول لم تقرأ لغاية الان بشكل يقدر هذه التجربة».

من جانبه يعتقد رئيس رابطة الكتاب الاسبق د.موفق محادين أن تيسير السبول والراحلين عرار وأديب هلسا «تشكلوا في الغربة»، مقارنا بين تجربته وتجربة شبنغلر.

أما الشاعر الفلسطيني عز الدين مناصرة فقال: «كان عند تيسير دوماً تساؤل عن الوجود، مستعرضا تجربته مع تيسير في الإذاعة الأردنية وقد أثر كثيراً في الأوساط الثقافية الأردنية»، معتقدا أن السمات المشتركة للمنتحرين هي «الطهارة».

وفي عمق المسرح انجز الفنان غسان أبو لبن بريشته بورترية للراحل.