أبواب - الدكتور عامر العورتاني

إن من أسمى واجباتنا كأفراد أن نتعامل مع الآخرين بروح المسؤولية، فهي تفرض علينا التعاون والتضامن والاحترام والحب والمشاركة الجادة، وتمثل جسورا متينة بيننا وبين المجتمع الذي ننتمي إليه، ويغلف ذلك كله صدق الإحساس بالمسؤولية الذي يؤدي إلى الالتزام بأمانة وموضوعية بالمعايير الإنسانية الهادفة إلى خلق جو إيجابي من خلال التعايش والتواصل بأبهى صورة.

يتحمل الإنسان مسؤولية اجتماعية، كجزء من المسؤولية بشكل عام، فالفرد مسؤول عن نفسه وعن الجماعة التي ينتمي إليها، والجماعة مسؤولة عن نفسها، وعن أعضائها وعن أهدافها.

المسؤولية الاجتماعية ضرورة للمصلحة العامة وفي ضوئها يتحقق التفاعل الهادف، وهي إحدى القنوات التي تدعم المصلحة العامة، وهي تمثل سر قوتها كعنصر أساسي ضروري لتمتين روابط العلاقات الإنسانية.

وهنا ينبغي أن ندرك مفهوم المسؤولية الاجتماعية باعتباره كياناً يتأثر بسياقه المحيط المجتمعي والعالمي على السواء، ويتفاعل مع المتغيرات التي تتدفق عبر هذه السياقات، وهو مفهوم مفعم بالحيوية، ولكنه أصبح يواجه أزمة سببها تقصير بعض أطراف المسؤولية الاجتماعية في الوفاء بالتزاماتهم، أو غياب الوعي بحدود ومتطلبات المسؤولية الاجتماعية.

إن للمسؤولية الاجتماعية دورا مؤثرا في استمرار المجتمعات والأفراد وبقائها والحفاظ على توازنها، وبما أنه لا يمكن للدول والشعوب أن تعين مراقبا لكل فرد فيها للتأكد من حسن تنفيذ واجباته، فإن الأمر متعلق بوجود ضمير ذاتي لكل فرد يراقب ويضبط تصرفاته، لا سيما فيما يخص المصلحة العامة، وهو ما يسمى بمفهوم الذات الإجتماعية.

إن تنمية المسؤولية الاجتماعية ومفهوم الذات الاجتماعية تعد قضية إجتماعية وأخلاقية وقانونية ودينية، وتمثل قيمة تستدعي الاهتمام بها من خلال عمل المؤسسات الاجتماعية عامة، والمؤسسات التربوية خاصة من أجل تنمية العلاقات الاجتماعية والتفاعل الإيجابي في الحياة اليومية على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع وبشكل عام.

إن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، تربطه بأفراد الجماعات علاقات متبادلة وهو ما يطلق عليه التفاعل الاجتماعي، والذي يرتبط ارتباطا مباشرا بمهاراته الاجتماعية وعلاقاته مع الآخرين، فيؤثر بهم ويتأثر كذلك، ويتحدد سلوكه بناء على تفاعله مع المحيط الذي نعيش فيه.

إن المسؤولية الاجتماعية تعني المسؤولية الفردية عن الجماعة أو مسؤولية الفرد أمام ذاته عن الجماعة التي ينتمي إليها، أي أنها مسؤولية ذاتية، وتمثل مسألة أخلاقية لأنها تمثل قضية حيوية لارتباطها بمهمة تحديد الأفعال والسلوكيات، ويترتب عليها نتائج ايجابية أو سلبية داخل المحيط الاجتماعي.

إن تربية الإنسان على تحمل مسؤولياته تجاه ما يصدر عنه من أقوال أو أفعال تعد مسألة غاية في الأهمية لتنظيم الحياة داخل المجتمع الانساني، حيث أن تحمل الأفراد لمسؤولياتهم ونتائج أعمالهم يؤدي إلى الطمأنينة التي تسود فيما بينهم، ويشعرون بالأمن النفسي والاجتماعي في حياتهم الخاصة والعامة.

إن يقظة الضمير الاجتماعي وتحمل الأفراد مسؤولياتهم تجاه أنفسهم ومجتمعهم ركن أساسي في الحياة، وبدون ذلك ينعدم التعاون، وتغلب الأنانية والفردية والتركيز على الذات، مما يؤدي إلى نتائج سلبية تنعكس على المجتمع والأفراد.

إن تنمية الشعور بالمسؤولية المجتمعية لا يحدث مصادفة أو بطريقة فجائية، ولكن من خلال التعليم والتربية التي يتلقاها الطفل من والديه، لأن الانسان يكتسب الصفة الاجتماعية من خلال التعلم، وهي تعني أن الفرد أصبح كائنا اجتماعيا ومسؤولا بمستويات ومعايير معينة للسلوك في مختلف المواقف الحياتية، وتعرف هذه العملية بأنسنة الكائن البيولوجي، أي تنميطه وتطبيعه وفق مستويات ومعايير واقع ثقافي واجتماعي محدد، وهي عملية يشترك فيها عدد من المؤسسات التربوية والاجتماعية كالأسرة والمدرسة، والإعلام، وهي خاصية إنسانية لأن الانسان مزود بالحرية والعقل والإرادة، وهو الكائن الذي رشحته فطرته إلى تحمل هذه الأعباء فأصبح ذا مسؤولية وموضع أمانة.

إلا أن بعض المشاهدات اليومية تعكس بعض أمثلة تدني مستوى الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية في مختلف مجالات الحياة، كاستخدام منبهات المركبات على نحو مزعج بصورة غير مسوّغة، كما أن بعض الأزمات المرورية يكون سببها في بعض الأحيان أخلاقيا نتيجة وقوف بعض المركبات بشكل معيق لانسيابية حركة السير، ناهيك عن القيادة المتهورة للمركبات والتي تودي بحياة الأبرياء يوميا، أو تتسبب بإعاقات دائمة يحصد حسرتها المصاب وذووه، صورة أخرى من صور تدني الحس بالمسؤولية الاجتماعية تتمثل بعدم ارتقاء الأداء الوظيفي على اختلاف طبيعته إلى المستوى الذي يصل إلى درجة الكفاءة التي يترجمها حجم الإنتاج ومعدلات الرضا لدى متلقي الخدمة، والتي تنعكس بدورها على مختلف قطاعات الاقتصاد والإدارة في الدولة.

كما أن منصات التواصل الاجتماعي وما تضج به من نقاشات وحوارات حول مختلف القضايا، تمكن المتابع من تقييم الأسلوب المتّبع في النقاش والذي لا يخلو من عبارات لا تراعي مشاعر الطرف الآخر أو قناعاته أو نمط حياته وأسلوب معيشته، الأمر الذي يعكس المستوى القيمي لدى الأفراد، وما يقبع في نفوس البعض منهم من أنانية وانعدام الإيمان بالمسؤولية الاجتماعية، والصور الدالة على ذلك كثيرة على المستويين الفردي والمجتمعي.

إن الفرد والمجتمع يتشاركان ويتفاعلان في تحمل المسؤولية بنسب معينة وأدوار واضحة، ذلك أن المسؤولية الاجتماعية تنبثق من مفاهيم التضامن، بحيث تستطيع المؤسسات العامة والخاصة تقديم حلول للكثير من المشكلات المجتمعية من خلال الامكانات المالية والفنية والبشرية التي تمتلكها هذه المؤسسات.

إن المسؤولية الاجتماعية هي حاجة ملحّة للفرد والمجتمع، لأن المجتمع بأسره في حاجة الفرد المسؤول اجتماعيا ودينيا ومهنيا، كما أن المسؤولية حاجة فردية، فما من فرد تتضح وتتكامل ذاتيته وتتسامى، إلا وهي مرتبطة بالجماعة ارتباطا عاطفيا واعيا، ومتوحدا معها، وهي لا تترتب عادة إلاّ على فعل يقوم به الإنسان في إطار منتظم.

إن المسؤولية الاجتماعية تمثل الارتباط بالحقوق والواجبات، فإشباع الاحتياجات وحل المشكلات، لا بد وأن يرتبط بمدى مساهمة أفراد المجتمع واشتراكهم بإشباع احتياجات بعضهم، وحل مشكلاتهم معتمدين على أنفسهم، فالمسؤولية متبادلة بين الأفراد والجماعات، وبين المجتمعات المحلية والعالمية.

إن امتثال الفرد للمعايير والقيم الاجتماعية والالتزام بها، يجعله متوافقا مع الجماعة، ويجعل سلوكه متفقا معها، ما يؤدي إلى قبوله اجتماعيا، فهي سمة من سمات الشخص المتمتع بالصحة النفسية، وهي التزام الفرد العاطفي والأخلاقي والقيمي تجاه الآخرين.

كما أن فهم حركة المجتمع والتفاعل معه وخلق التوازن بين التحولات الاجتماعية، وتعزيز وتأهيل شخصية الفرد لتواكب التطور الاجتماعي، بحيث لا يجد نفسه يعيش في غربة داخل مجتمع تطور وتحرك بعيدا عنه، فكلما ارتقى الإنسان وتقدمت وسائل الحضارة، أصبح أكثر حاجة للتربية والتأهيل وتجذير القيم الإيجابية، وأكثر حاجة إلى وسائط تعمل على نقل تجربته الحضارية إلى الآخرين.

والمسؤولية الاجتماعية ذات أهمية بالغة في حياة الأفراد والمجتمعات، إذ أن قيمة الإنسان الحقيقية تقاس بمدى تحمله لمسؤولياته الاجتماعية، والمجتمع المتحضر هو من يقدر أهمية هذه المسؤولية من خلال ما يشرعه من أحكام ويسن لها من قوانين، وذلك بهدف تنظيم أداء الأفراد لمهامهم ومسؤولياتهم.

يجب الإشارة إلى أهمية الدور الذي يقوم به الشباب في خدمة مجتمعهم والنهوض به، وأهمية توعيتهم بمسؤولياتهم وتعزيزها لديهم، بتضافر كل الجهود في سبيل غرس وإنماء الاحساس بعظم دور وأثر المسؤولية الإجتماعية في توثيق الروابط والتفاعل مع قضايا مجتمعهم.

من النقاط بالغة الأهمية في معرض الحديث عن غرس وتعميق الإحساس بالمسؤولية الإجتماعية لجعلها قيمة أصيلة، تضمين القيم والمبادئ التي تستند إليها هذه المسؤولية في المناهج الدراسية، ونشر ثقافة الإيثار، والتعاون،والمشاركة الفاعلة في القضايا المجتمعية، وتسليط الضوء على أهمية العمل التطوعي بصوره المختلفة، والاهتمام بالأنشطة اللامنهجية، وقيام المؤسسات الإعلامية والتربوية بدورها في التوعية (...).

إن إدراك متطلبات الحياة الإجتماعية يتحقق من خلال نموذج ثلاثي يتكون من الاهتمام والفهم والمشاركة، فالمسؤولية الإجتماعية ترتبط بجملة من السلوكيات والمفاهيم التي تحقق واقعا تفاعليا وايجابيا، إذ تصبح أساسا في الجوانب الشخصية لدى أفراد المجتمع، وبذلك ستنعكس بصورة مشرقة على الجوانب القيمية والفكرية العامة.

أخصائي علم اجتماع