المقولات العابرة للأجيال، والتي هي نتاج تجارب واقعية وحِكَم مُجتمعية جمعية تراكمية، تصير بمثابة قواعد علمية، تصلح لكل مكان وزمان.

في مجتمعنا الكثير منها، والتي يمكن أن نسير على هديها في التعامل مع العديد من المواقف والتحديات.

منها «القناعة كنزٌ لا يفنى»، «بالشكر تدوم النّعم»، «الصديق وقت الضيق»، «في العجلة الندامة»، «ما حك جلدك مثل ظفرك»، «العلم في الصغر كالنقش في الحجر»، وغيرها كثير.

ومنها موضوع هذه المقالة: «درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج».

يعاني مجتمعنا منذ مدة من مشكلات عدة، أصبح بعضها متكرراً وعصياً على الحلّ.

من ذلك الجريمة بأنواعها: العنف والسرقة والقتل؛ والخداع والغش والتزوير. ومنها حوادث المرور، وتعاطي المخدرات والترويج لها وتهريبها، والتطرف والإرهاب، والتحرش والإيذاء، والوساطة والمحسوبية والفساد، إلخ.

وفي التعامل معها نجد أم معظم الناس يجنح نحو البعد العقابي: القاتلُ يُقتل، والمزوّر يُسجن، والمُتحرّش يُوبّخ ويُعاقب، وهكذا دواليك.

ولا شك بأن البعد العقابي مهم. فإذا آمنا بمفهوم دولة القانون، فإنفاذ القوانين وتطبيقها دون هوادة أمر لا مفر منه في المحافظة على السلم المجتمعي من جانب وفي إحقاق حقوق الناس والحق العام من جانب آخر.

للعقاب بعد عدالي مهم، وكذلك بعد ردعي إلى حدّ ما.

فعندما تكون الدولة حاسمة وحازمة في التعامل مع المخالفات والتجاوزات والجرائم بكافة أنواعها، فإنها تسيطر على الأمور وتحدّ من السلوك الشاذ وتؤمن لمواطنيها أبعاداً مهمة من العدالة والأمن والاستقرار.

فتطبيق القانون يُسهم إسهاماً لافتاً في إشاعة النظام؛ والتراخي فيه يؤدي لا محالة إلى نزوع الناس نحو الفوضى والفلتان وبالتالي ضعف الأمن والأمان.

وهذا ما نفهمه، في المثل المشار إليه أعلاه، من «قنطار علاج».

إذاً «علاج» السلوكات الشاذة والمخالفات بأنواعها، هو مثل علاج الأمراض، أمر مهم لا يجادل فيه اثنان.

لكن العلاج وحده، كما نفهم من المثل ذاته، لا يكفي. وهنا تكمن إشكالية التركيز على البعد القانوني أو العقابي وحده.

ذلك أن التعامل بهذه الطريقة يقتصر على «علاج» الأعراض فقط، دون التطرق إلى المسببات، والتي هي أهم بكثير من الأعراض وما ينجم عنها.

بمعنى آخر، وكما يُخبرنا المثل، البعد الوقائي لا يقل أهمية عن البعد العلاجي، لا بل إذا ما سلّمنا بما يقوله المثل، فإن البعد الوقائي أهم، فهو أقل كلفة – مادياً ومعنوياً – وأقل ضرراً.

المشكلة في مجتمعنا أننا نهمل الجانب الوقائي في معظم الحالات، أو نبخل فيه، أو نُنفّذه دون تركيز أو حرفية عالية، فتقع الفأس في الرأس، فنبدأ بالتعامل مع الأعراض والنتائج فقط.

والأصل، من خلال الوقاية، أن نمنع الفعل قبل أن يقع، أو نعالجه في مراحله الأولى حتى لا يستفحل.

ولعل أكثر ما يوضح الأمر هنا مرض السرطان. فخير وسيلة للتعامل معه هي الوقاية منه: معرفة مسبباته والسعي لتجنبها، ثم الفحص المبكر.

أما الانتظار إلى أن تظهر عوارضه ويستفحل، فإن الكلفة ستكون كبيرة جداً؛ وقد لا يؤدي «العلاج» إلى النتائج المرجوة.

نعم: يبدو أن «درهم» الوقاية خير من «قنطار» العلاج.

فلنركّز على الوقاية.