مع بدايات القرن الماضي بدأت أطياف الحلم العربي تراود مخيلة أبناء وشعوب أمتنا، ولاحت آمال مستندة إلى الانفكاك من التبعية للامبراطورية العثمانية التي سميت يومها الرجل المريض الذي دخل إلى غرفة العناية المركزة واستندت آمالنا حينها كذلك إلى الرهان على الغرب ووعوده الزائفة. وبدأت هذه الآمال التي هي بلا معطيات او مقومات حقيقية تهتز. ولعلنا (أردنا ان نطال باليد المشدودة الأصابع سماء أمنياتنا) كما يقول صلاح عبد الصبور.

ومع السنوات الأخيرة من العقد الثاني في القرن الماضي بدأت الصدمات والخيبات تتوالى فكانت اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور وكل أشكال التآمر الاستعماري الغربي.

ومع بدايات العقد الثالث من القرن الماضي اعيد رسم خارطة الوطن العربي وفق مشيئة الغرب ورسمت حدوده تلك التي لفقتها مصالح الاستعمار، وبدأ الصراخ والعويل والتفجع وتزايدت المرارات العربية في مواجهة الهجمة التي استهدفت المثل الأعلى الأول لنا وهو الوحدة العربية والثاني وهو إنقاذ فلسطين، وسارت الأمور نحو الأسوأ فتكرس التمزق العربي وذبحت فلسطين عبر تنفيذ جريمة ١٩٤٨ وفاجعة ١٩٦٧ وكل المآسي اللاحقة التي لم تتوقف حتى اليوم.

كنا أمة عاجزة لا نملك إلا الشجن واجترار الأحزان وقد يقال إن مرارات الأمة قديمة وأنها كانت قبل خروجها من هوة ظلامية سحيقة امتدت قروناً طويلة سبقت دخولها معمعة القرن الماضي فقديماً ردد مهيار شجنه بمرارة وياس قبل قرون طويلة قائلا (آيا صاحبي أين صبح العراق وكيف غدا صف لعيني غداً... اسدوا منافذ فجر العراق اهم جعلوا صبحه أسودا) وقبل مهيار ردد ابو تمام (لليوم اول توديع ولا الثاني البين اكبر من همي واحزاني في الشام اهلي وبغداد الهوا وانا في الرقتين وبالفسطاط اخواني) وكان ابو تمام يستشرف صورة الحواضر العربية اليوم.

مناسبة هذا المقال اليوم هو أن فكرة الحث علي منذ العام الماضي ٢٠١٨ لإعادة نشر مقال كتبته في العام 1978 (في جريدة الأخبار التي أصدرتها وكنت أرأس تحريرها في منتصف السبعينيات وكان عنوانه (عيناك كيف لا تنفجران؟) وتم نشره حينها بالتزامن مع عدة صحف عربية، وبعد ذالك وبعد مرور ثلاثين عاما اي في العام ٢٠٠٨ اعدت نشره في جريدة الدستور وعدة صحف عربية وفي المرة الأولى عندما نشرته في العام ١٩٧٨ في الاخبار كنت اعتقد اننا في أيام شديدة السواد ولكن عندما اعدت نشره عام ٢٠٠٨ كنت متأكدا اننا يومها في أشد ايام الأمة سوادا.

وبعدها إلى اليوم وعلى مدار اكثر من عقد اجتاحتنا موجات ظلام كقطع الليل بدأت باحتلال وحروب أهلية وتمزق وخراب اقطار الوطن العربي التي انهار بعضها وتم انهاك وارباك ما تبقى، وبشكل او بآخر بدا تطبيق الفوضى الخلاقة وتفكيك مؤسسات الحكم والمجتمع ومن لم يطله الاحتلال او الحروب الاهلية طالته حالة الارباك والانهاك والتجويع والتركيع. وأمام هذا المشهد السوداوي جدا استأذن القارئ باعادة نشر هذا المقال كما هو نصه عند نشره في العام ٢٠٠٨ لاعتقادي انه يصلح ترديده في هكذا زمن.

أستميح القارئ عذراً ان أستعيد لهذا اليوم نصاً قديماً نشر قبل 30 عاماً في مقدمته حديث عن مآسي ال 30 عاماً التي سبقت العام 1978 اي الـ 30 عاماً ابتداءً من العام 1948، لكن الاقتباس من المفكر والفيلسوف العربي الكبير عبدالله القصيمي هو تأملات عميقة وصارمة تعرّي الحالة العربية وجوديا وتاريخيا طوال الزمن الراهن المنبثق من الهوة الظلامية لقرون طويلة سبقت العصر الحديث.

ما أرجوه هو ان يُقرأ هذا النص منسوبا الى زمنه قبل 30 عاما قبل ان تصل اللحظة التاريخية الحالية الى سواد اكثر مما كان حين كتابة هذا النص:

ذروة المباراة، هذه الايام، في الحماسة والشعارات والتباكي ولكن الكل راسب بلا استثناء، مهما علا الصراخ والنواح، مهرجان أقنعة مختلفة الألوان والأشكال والحركات... ولكن وجوهنا من خلفها على صورة واحدة، باهتة لا تعبير فيها ولا انعكاس.. حصيلة اطول ثلاثين سنة في تاريخ منطقتنا من سحق إنسانية الانسان، والخداع والتضليل.

من يضحك على من.. من يدين من.. من يتباكى على من..؟

عبر ثلاثين عاما من القهر والغش وتحطيم القيم والمثل لم يعد ثمة معنى لأي شيء.. بل أصبح كل شيء باطلا: كل المزايدات والمزايدين الذين يهولون بأن الساعة بلغت الخامسة والعشرين، والمناقصين العائدين بالساعة الى الصفر.. كل المشاركين في عملية الاحراج فالاخراج من جانب، ومنتهزي فرصة الحرج للاسراع بالخروج من جانب آخر.. كل المتفرجين، العابسين او المبتسمين على السواء.

في هذه الايام، العبثية الكلمة والمعنى.. هذه كلمات، من مأثورة عبدالله القصيمي «عيناك كيف لا تنفجران» التي قالها في اواخر الستينيات:

كل الأشياء تسقط في عينيك.. كل الغباوات، كل التناقضات، كل العبث، كل التفاهات

عيناك، كيف لا تنفجران؟

كل الطغاة يسقطون في عينيك.. كل العتاة، كل القساة، كل المتألهين، كل الجبارين، كل اللصوص، كل الملوثين.

عيناك، كيف لا تنفجران؟

كل المسحوقين يسقطون في عينيك.. كل المهزومين، كل الراكعين، كل المنافقين، كل الهتافين.

عيناك، كيف لا تنفجران؟

كل البائعين لشرفهم، لكرامتهم، لحريتهم.. كل المتنازلين عن شرفهم، عن كرامتهم، عن حريتهم.. كل الهاربين من الشرف، من الكرامة، من الحرية.. كل من خلقوا بلا شرف، بلا كرامة، بلا حرية، يسقطون في عينيك

عيناك، كيف لا تنفجران؟

كل من يعيشون بالخبز وحده، كل من يعيشون بلا خبز ولا روح، كل من يعيشون بلا مستوى من الخبز او الروح.. كل من يعيشون بلا قامات، بلا هامات، بلا عيون، بلا ارتفاع، بلا أبعاد، يسقطون في عينيك.

عيناك، كيف لا تنفجران؟

كل المعتقلات، كل السجون، كل المعسكرات، كل المؤتمرات، كل الاستعراضات، كل القيود، كل الصحافة، تسقط في عينيك، كل صباح، كل وقت.

عيناك، كيف لا تنفجران؟

كل المتزعمين وهم يخطبون، كل المعلمين وهم يعلّمون، كل الناصحين وهم ينصحون، يسقطون في عينيك.. تسقط في عينيك أكاذيبهم، غباواتهم، نفاقهم، تشوهاتهم.

عيناك، كيف لا تنفجران؟

كل ممارساتك لذاتك، لتلوثاتك، لصغائرك، لجوعك، لنياتك، تسقط في عينيك.

عيناك، كيف لا تنفجران؟

عيناك، هل هما عينان، هل هما تشوهان في وجهك؟ هل هما رسمان غبيان؟

عيناك.. وهل لك عينان.. هل لك عينان؟

لقد ماتت عيناك، لقد ماتت عيناك.. إن عينيك لم تخلقا، لقد كان مستحيلا ان تُخلق لك عينان.

إنك لن تستطيع الرؤية، إنك لن تطيق الرؤية

إن الرؤية هي الموت، هي الجنون، هي الاصابة بالعمى

لقد كان شيئاً فوق الطاقة أن ترى الاشياء، أن ترى الطبيعة، أن ترى الآخرين، أن ترى ذاتك، أن ترى ممارساتك لذاتك، ان ترى سلوكك، أن ترى نياتك.

لقد كان شيئا صعبا ان تُخلق لك عينان، لقد كان شيئا مستحيلا.

إن وجهك خراب، إنه صحراء، إنه بلا حياة.. إن كل الاشياء تقتحمه، تفترسه، تلعنه دون أن يصطدم بها او تصطدم به، دون أن يناقشها او تناقشه، دون أن يراها او تراه.

إن وجهك خراب، إنه صحراء، إنه بلا حياة. التاريخ.