كتب المحرر السياسي

يبدو المشهد التونسي مُرتبِكا ومُعقداً بعد انتخاب زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي رئيساً لمجلس نواب الشعب, بأغلبية مُتواضِعة 123 من 217 مُقارنة بما حصل سلفه محمد الناصر في برلمان 2014 عندما جلس في منصة الرئاسة بأصوات 176 نائباً، الأمر الذي عكس ضمن أمور اخرى, التحالف «المُؤقّت» واللافت الذي تم بين «عَدُوّي» الأمس, وهما حركة النهضة وحزب «قلب تونس» الذي يترأسه المُرشح الرئاسي الخاسر أمام الرئيس قيس سعيّد، نبيل القروي, بعد ان ساق كل منهما (النهضة وقلب تونس) للآخر اتهامات بالخيانة والفساد والعمالة والتوفّر على تنظ?م ميلشياوي سرّي, كان القروي.. اتّهم النهضة بأنها تمتلكه وتقوم من خلاله باغتيالات لخصومها السياسيين.

لم يُخف الشيخ الغنوشي تحالفه «المُؤقت واللحظي» غير السياسي مع حزب قلب تونس, الذي وفّر له «38» صوتاً أُضيفَت الى مقاعد النهضة الـ«52» ثم تكفّل ائتلاف الكرامة بـ«21» صوتاً أُخرى، اضافة الى اصوات بعض المُستقلين وبعض الحزبيين, ما أوصلَ حصة الغنوشي الى 123 مقعداً أهّلته ليرأس البرلمان, الذي أكّدت خريطته الحزبية عمق واتساع انقسامه وتَعارُض مرجعيات مكوناته, ما يزيد من حدة الانقسامات ويرفع من صعوبة التوافق على مشروعات قوانين وسياسات الحكومة العتيدة التي ستُشكّل, والتي تبدو النهضة مُصرّة على ترؤّسها. تطور إذا ما حد? فإنه سيزيد من حدة الاستقطاب ويدفع الاحزاب المُعارِضة للنهضة للوقوف في وجهها, «إلا» إذا حدث ما يحول دون ذلك وقدّمَت «حكومة» النهضة الجديدة تنازلات لتلك الاحزاب, سواء في ما خص حقائب وزارية مُرضية لها, ام تعهدّت في بيانها الوزاري بانتهاج سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية تحظى بدعم تلك الاحزاب. وهو أمر يبدو ضبابياً حتى الان بعد تكليف الشخصية التي رشحتها النهضة لرئاسة الحكومة وهو الحبيب الجملي الذي كلّفه الرئيس التونسي رسميا تشكيل حكومة جديدة, رغم قول الغنوشي في تصريح سابق حمّال أوجُه: انه من المُحتمَل?ان يكون رئيس الحكومة من الصف الاول من النهضة او الصف العاشر، كما يمكن ان يكون من «أصدقاء» النهضة, ولكن – أَضاف – لن يكون من خارج هذه الدائرة، مُستطرِدا ربما لحفظ خط الرجعة وطمأنة الاحزاب المُمثّلة في البرلمان: ».. نحن عندما سنُشكِّل حكومة، سنرى التوازنات المُمكنة في هذا البلد، لإنتاج حكومة ذات قاعدة عريضة, حتى تنهض بالاستحقاقات المطروحة في البلاد وخاصة الاستحقاق الاقتصادي والاجتماعي».

هنا يُبدي الشيخ الغنوشي بعض الواقعية في فهم تعقيدات المشهد التونسي الذي أفرزته صناديق الاقتراع, والتي شكّلت مفاجأة غير متوقَّعة ليس فقط في «شطب» أحزاب برزت بعد ثورة جانفي/ يناير 2011 مثل حزب الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي «نداء تونس», الذي تشظّى ولم يعد يتوفّر في البرلمان الجديد إلاّ على مقاعد تقل عن عدد اصابع اليد الواحدة، بل وايضاً في تراجُع شعبية حركة النهضة نفسها حيث حصلت على «52» مقعداً, فيما كانت تتوفّر على 69 مقعداً في برلمان العام 2014 وكان حزب نداء تونس في المُقدِّمة ويحوز على 87 مقعداً, ما مكَّ?هُما (النداء والنهضة) من تشكيل حكومة «ثنائية» نالت ثقة مريحة وغير مسبوقة 176 من اصل 217. هذا لن يكون متاحاً للحكومة العتيدة التي سيُشكلها السيد الجملي مُرشح النهضة, إلاّ مقابل تنازلات كتلك التي قدمتها للتو حركة النهضة لكل من حزب قلب تونس (نبيل القروي), عندما دعَمَها الاخير مقابِل حصول مُرشحه على موقع النائب الاول لرئيس مجلس النواب بتصويت النهضة لصالحه, كذلك حزب «تحالُف الأمة» الذي صوّتَ للغنوشي مقابل دعم النهضة لمرشحه نائبا ثانيا للمُرشّح لرئاسة مجلس النواب (الغنوشي نفسه).

ولأن صلاحيات لرئيس الجمهورية في تونس ليست مُطلقة, فإن برنامج الرئيس قيس سعيد في الاصلاح ومكافحة الفساد وإقرار قانون انتخاب جديد, وتطوير الادارة وتحديثها وتكريس دولة القانون والمساءلة لن يكون سهلا تطبيقه, الا في حال الانسجام والتوافق بين قصر قرطاج وكل من السلطتين التشريعية والتنفيذية اللتين ستكونان في عُهدة حركة النهضة, علما ان الاخيرة لن تكون مُطلقَة اليدين ايضا رغم إمساكها بالسلطتين, حيث لن يكون تعاطيها مع مجلس النواب سهلا هو الآخر وستكون محكومة بالتحالفات التي ستنسجها مع تلك الاحزاب, التي تبدو في معظمها ?ُعارِضة لنهج وسياسات ومواقف حركة النهضة الايديولوجية وعلى اكثر من صعيد وملف, وهو ما سيتبدى سريعا في الأيام القليلة المقبلة, عندما يبدأ رئيس الحكومة المُكلّف مشاورات تشكيل حكومته, التي ستكون حتما ائتلافية وصعبة الولادة, وربما يُواجِه الفشل, يكون الجميع عندها مُضطراً للذهاب الى انتخابات تشريعية جديدة, قالت حركة «النهضة» في بيان لها: ان إعادة الانتخابات البرلمانية «أفضَل» من الخضوع لـِ«الابتزاز» السياسِيّ.