أبواب - غدير سالم

إنّ الغيرة من أصعب الطباع التي قد يتّصف بها زوجك فيصعب التعامل بينكما، وتكمن المشكلة في كونه كثير الشك، وتنعدم لديه الثقة بشكل كبير مما يدفعه إلى توجيه ردود أفعال عنيفة تجاهك نظراً لغيرته، وهنا المصيبة الكبرى التي تنتج عنها سلسلة من المشاكل اليومية خلال الاحتكاك بمحيطكما الخارجي ما يهدم حياتكما الزوجية.

تقول التربوية المتخصصة في مجال الإرشاد والصحة النفسية نجوى حرز الله إن:«مشاعر الغيرة طبيعية عند جميع البشر لأنها فطرية، وقد تكون غيرة طبيعية ومعقولة، ولكن عندما تأخذ أشكالا أخرى تتمثل بسلوكيات غريبة تصبح غيرة مرضية تظهر بشكل يؤثر على العلاقة الزوجية وتسبب انعدام الثقة والغضب والعنف بأشكاله، ويسبب مشاكل للأسرة جميعها تؤدي إلى الانفصال والطلاق الرسمي».

وترى حرز الله أن :«الزوج الغيور يتعمد منع زوجته من الذهاب إلى العمل أو الدراسة مثلاً، وهذه القرارات يتخذها فقط كي لا تخرج من المنزل، وهو يفسر ذلك بأنه يحبها ويخاف عليها، وإن خرجت يتعمد تفحصها بأنها ترتدي لباسا لا يلفت الانتباه، وأحيانا يقوم بمراقبتها ليتأكد من صدقها وذهابها إلى المكان الذي قالت عنه».

وتضيف: «يقوم الزوج الغيور أحياناً بالتعبير عن غضبه إما بالضرب أو الإهانة لزوجته إذا تعلق الأمر بأحد الزملاء في عملها، أو أحد الجيران إذا اضطرت للتعامل معهم، ويقوم بسلوكيات محرجة لزوجته أو حتى لمن في المنزل إما بطرد الضيوف أو الشتم إذا تواجدوا بالمنزل لأنه لا يحتمل وجود أشخاص يعتبرهم محرضين لزوجته أو بناته عليه».

وتقول حرز الله :«يتصف الرجل الغيور بأنه فضولي جداً، بطريقة تزعج من حوله لأنه يتدخل بكل شيء يخص زوجته أو حتى بناته في المنزل مثل استخدام الهاتف، ومحادثات الزوجة مع زميلاتها، ولا يحترم خصوصية أهل بيته حتى في علاقة الزوجة مع ذويها فهو يريد معرفة كل شيء منها، ولا يثق بأحد».

وتشير إلى أنه: «تكمن خطورة الرجل الغيور جداً والتي تصنف غيرته بأنها مرضية في الطرق التي يتبعها للتعبير عن غضبه عندما يلجأ إلى العنف الجسدي، بحيث يقوم بسلوكيات مؤذية لمن حوله أحيانا تؤدي إلى القتل لأنه يشك بمن حوله».

وتدعو حرز الله: «الزوجة أن تكون واضحة كل الوضوح مع زوجها وتحاول عدم مدح أي شخص أمامه، أو أن لا تبالغ بمدح أحد حتى لا تستفزه، وعلى الزوجة إما أن تكون هادئة اتجاه سلوكيات زوجها فيما لو اضطرت للعيش معه حسب ظروفها، أو أن تضطر أحيانا طلب الإنفصال لأنها لا تستطيع الاستمرار بهذا الوضع».

وتلفت إلى أنه: «على الزوجة أن تخلق جوا من الثقة والأمان مع الزوج الغيور في التعامل لكي يشعر بأنه لا داعي للغيرة، وأن تجعل الوقت الأكثر له وأن تعطيه من اهتمامها المزيد، وأن تدعه يشاركها في أهتماماتها وعملها وذلك باستشارته بما تريد القيام به».

وتتابع: «على الزوجة أن تبتعد عن الحديث مع الأشخاص الذين تعلم غيرة زوجها منهم أو اظهار اهتمام لجانبهم، لأن هذا سيثير شكوكه وغيرته، وايضًا ضرورة عدم التحدث ليلًا بالهاتف مع صديقاتها لتتجنب مضايقته وازعاجه، وعلى الزوجة أن تكون دائماً واضحة أمام زوجها وأن تتحدث معه بصدق كامل في كل الأمور حتى يعتاد على عدم الشك بها، فلا تتحدث معه بطريقة الألغاز ولا تتعمد إثارة غيرته فهذا تصرف خاطئ ونتائجه تكون خطيرة وغير محتملة».

يقول الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبة: «الغيرة شعور طبيعي عند الناس جميعاً، ومن أبرز أشكالها الغيرة بين ذكر وأنثى تربطهما علاقة عاطفية، وهي مقبولة بحدود معيّنة إذا تجاوزتها تصبحُ مُدمِّرة، وقد تؤدي إلى العنف بين المرأة والرجل، وإلى انهيار البيت وتفكّك الأسرة وتشرُّد الأطفال، وبعض أسبابها قد تكون واقعية لها ما يبرِّرها، وبعضها نتيجة تصوُّرات وأوهام مبالغ فيها على شكل مرض يستدعي تدخُّل الأطباء المختصّين».

ويضيف: «إذا تجاوز هذا السلوك الحدود يصبح صاحبه منحرفاً في تصرفاته، ومن الممكن أن تتحول الغيرة إلى مرض، عندما يفقد أصحابها السيطرة على أنفسهم، ولا علاقة لغيرة الرجل على زوجته بكونها جميلة تشد الأنظار، فهناك من يغارون على زوجات ليس لهن نصيب من الجمال والعكس فهناك زوجات حسناوات يغرن بشدة على أزواج غير وسيمين».

ويرى غرايبة أن: «أبرز أنواع الغيرة المدمّرة هي الناشئة بين الأخوة والتي تبدأ منذ بدايات حمل المرأة بالطفل الثاني، وتأتي بعدها الغيرة في العمل باعتبار أن الفرد يمضي معظم وقته بين زملائه، أما الغيرة بين الزوجين فتتحول إلى مرض إذا أصبحت هاجساً يدعمها الحب الزائد، الذي يفصل بينه وبين الغيرة المرضية خيط رفيع».

ويبين غرايبة أن :«الإسلام دعا إلى الغيرة المحمودة على الزوجة بشكل يحفظ كرامتها ويشعرها بقيمتها لدى الزوج، ولكن المجتمع العربي الذكوري يجعل غيرة الرجل مبالغاً فيها وينبذ الرجل الذي لا يغار على زوجته، والغيرة المرضية ليست سلوكاً سوياً، وشعور الرجل بالنقص يجعله يقتنع بأنه لا يستحق زوجته، إضافة إلى يقينه بأن النساء لا يختلفن عن بعضهن، بحكم وجود علاقات غير سوية له خارج منزله، تجعله يدخل في دائرة الشك».

ويقول غرايبة إن: «بناء الثقة بين الزوجين لا بد أن يبدأ من اليوم الأول للزواج، وعليهما إدراك أن الحياة الزوجية ليست فقط سعادة، ومن الضروري مصارحة الزوجين في حال معاناة أحدهما من هذه المشكلة لكي يساعد كل منهما الآخر على تخطيها».

ويشير إلى أن: «الأطباء النفسيdن يعتبرون أن الغيرة المرضية تنزع الحب وتقضي على الثقة وتغرس بذور الكراهية، والشخص المصاب بها تسيطر عليه مشاعر النرجسية وحب الذات إذ يريد أن يكون محور انتباه واهتمام الشخص الآخر مع تجاهل الأدوار المختلفة للشريك».

ويوضح أنه: «في الغرب، عندما يتزوج اثنان، يدرك كل منهما أن لا إنسان بلا تجارب عاطفية، فالتجربة هي التي تصنع الخبرة الحياتية، ويتقبل كل منهما ماضي الآخر، أما في الشرق فإن العادات والتقاليد والخوف من العيب بمفهومه المحدد والخاطئ بالإضافة إلى الزواج في سن مبكرة وافتقاد الشخص للخبرة الحياتية، كل ذلك يولّد الغيرة المرضية، والتي كثيراً ما تولّد انهيارات زوجية وربما جرائم غير متوقعة».