بيروت - طارق الحميدي

ساعة واحدة تزيد أو تنقص قليلاً في أحد ميادين العاصمة اللبنانية بيروت، كافية لتعطي الانطباع بأن لبنان اليوم، ليس هو لبنان الأمس، بعد أن توحد اللبنانيون بكل طوائفهم ومذاهبهم ينادون في مشهد نادر بإنهاء المحاصصة الطائفية.

اعتاد اللبنانيون على الحراك، في بلد يتنفس السياسة مع نسمات البحر الذي يقابلهم في كل مكان، لكن الجديد في هذا الحراك هو مناداة اللبنانيين برحيل الطبقة السياسية وإنهاء المحاصصة الطائفية، التي تعتبر جزءا أساسيا من الحياة اليومية في أي بقعة على الجغرافيا اللبنانية.

في ميدان رياض الصلح وسط العاصمة بيروت، رفعت الاعلام اللبنانية واختفت اعلام الطوائف، وكل ما في الميدان يتنفس لبنانيا، البشر والحجر، والشباب والكهول يتراقصون على ترنيمات » راجع راجع يتعمر راجع لبنان».

ووسط الاهزوجة الأشهر «كلن يعني كلن» أيقونة الحراك في لبنان وهي عبارة تحمل دلالات رحيل الطبقة السياسية في لبنان سواء كانت من الحكومة أو الرئاسة أو البرلمان، او من هذه الطائفة أو تلك، أو من هذا الحزب أو ذاك.

وما ان اشتد الحراك في لبنان واجبر الحكومة على الاستقالة، حتى تجاوز اللبنانيون نشوة الانتصار في المعركة الأولى بإسقاط الحكومة، وعادوا بعد يوم من الاحتفال يطالبون مجددا برحيل الطبقة السياسية كاملة، تحت شعار «كلن» الذي أشعل الساحات وألهب حماس المحتجين.

وبمزيح من المشاعر المختلطة بين فرح التوحد خلف العلم اللبناني وإسقاط حاجز الطائفية، ونشوة استقالة الحكومة، ثمة شئ من القلق على المستقبل، فالمحتجون يدركون صعوبة إسقاط نظام المحاصصة المتجذر في لبنان، فيما يعلم المحتجون أن مشوارهم ما زال في خطواته الأولى.

وفي آخر التطورات السياسية فإن الرئيس اللبناني ميشيل عون وحلفاءه السياسيين يرفضون حكومة تكنوقراط مستقلة ويتمسكون بحكومة تكنو–سياسية تتكون من مختصين تسميهم الأحزاب السياسية، في حين أن الرئيس سعد الحريري يبدو مترددا في تشكيل حكومة جديدة إلا إذا كانت على نظام التكنوقراط الخالصة «المحايدة» بحسب تعبيره والخالية من الحزبيين المنظمين.

وفي خضم هذه التطورات المتسارعة التي تشي بأن الحراك سيطول مداه وسط حالة الاستقطاب في المشهد الداخلي الذي لا يخلو من الضغوطات الخارجية، يرى الحراكيون أن استقالة الحكومة ليست سوى خطوة صغيرة، فما تزال الطبقة السياسية جاثمة على المشهد في لبنان، ولا بوادر جدية حتى الآن لتحقيق لائحة المطالب التي ينادي بها المحتجون في الساحات والميادين.

وأعاد الخطاب الأخير للرئيس اللبناني عون، أول من أمس، زخم الاحتجاجات الى الشارع من جديد بعد ان هدأت حدتها نسبيا خلال الأيام الماضية، فما أن أنهى الرئيس خطابه «الجدلي» حتى افترش المحتجون الأرض في معظم الشوارع والطرقات الرئيسية في مختلف المدن اللبنانية لتعود حالة إغلاق الطرق مجددا الى الواجهة.

فوق جسر الرينغ الرابط بين شطري العاصمة بيروت يدرك الشاب اللبناني القادم من جنوب بيروت الياس جبور أن التحدي الأول الذي يواجه المتظاهرين هو حماية الحراك من التجييش الطائفي والتخوين، والعمل على مواجهة أي خطوة من شأنها تمزيق الحراك الذي لم يجد له قيادة مركزية حتى الآن.

يقول الشاب لـ (الرأي) إن «ما يميز الحراك عدم وجود قيادة مركزية له فلا أحد يتحدث باسم المحتجين ولا أحد يقودهم أو يقوم بعمل تسويات على حسابهم»، لكنه في ذات الوقت يعلم يقينا أن هذه الميزة قد تتحول إلى مثلبة في أي لحظة بسبب عدم القدرة على التنظيم حسبما قال.

خطورة بقاء لبنان دون حكومة تعني المماطلة في تحقيق المطالب، أو على الأقل تشي هذه المماطلة بوجود تفاهمات لتشكيل حكومة جديدة يجري العمل على ترتيبها في الخفاء، مع استثمار عامل شراء الوقت الذي قد يرهق المتظاهرين ويصيبهم بالملل، وهي مخاوف قالتها الشابة القادمة من قضاء عاليه في جبل لبنان أمل جابر (33 عاماً) لـ(الرأي).

جابر التي أضافت أن استقالة الحكومة لا تعني أي شئ إذا لم يتم تشكيل حكومة جديدة، حكومة يتم تشكيلها على مبدأ الاختصاص بعيدا عن المحاصصة، لتلبي بقية مطالب المتظاهرين، إلا أن الشابة التي يغطي رأسها علم لبنان تدرك صعوبة هذه الخطوة.

بينما يشير الناشط الشبابي محمد عطالله إلى ان التحدي الأكبر لا يكمن فقط في إسقاط أركان الطائفية في لبنان بل في كيفية الانتقال من دولة طائفية متجذرة في المشهد السياسي إلى دولة مدنية بشكل مفاجئ ودون تدرج، مبينا أن هذا التحدي هو الأخطر ويتطلب وجود شخصيات وازنة في الحكومة الجديدة على أن تكون هذه الشخصيات محايدة ولا تؤمن بالطائفية ولم تكن جزءا منها في يوم من الأيام.

ويضيف الشاب القادم من منطقة جبيل شمال لبنان أنه وبرغم وجود مشكلة مع رموز الطائفية في لبنان إلا أن المشكلة الأكبر ليست في شخوصهم فقط بل في التركيبة السياسية الموجودة في البلد، وهو ما يحتم العمل على سن قانون انتخابي جديد يلفظ الطائفية في تقسيماته، معتبرا أن هذا القانون هو البداية الحقيقية للإصلاح وهو القادر على إسقاط رموز الطائفية في لبنان.

وفي حين تشتعل الشوارع في لبنان وتكتظ الساحات بالمتظاهرين الذين يبدأون بإغلاق الشوارع ليلا، يبدو ان النخب السياسية تنظر الى الحراك بعيون الريبة معتبرة ان هناك اطرافا خارجية وداخلية تستثمر براءة واحقية المطالب الشعبية بهدف إدخال لبنان الى نفق مظلم وهو ما أعلنت عنه هذه النخب الحاكمة والتي أشارت بوضوح ان إسقاط نظام المحاصصة الطائفية الذي تولد من اتفاق الطائف يهدد حالة السلم الأهلي النسبي الذي تعيشه لبنان معتبرين أن المحاصصة هي صمام أمان في بلد يعيش حالة معقدة في تركيبته السكانية.

وبين تمترس كل الأطراف خلف مطالبهم، يبدو أن «ثورة الوعي» مستمرة في لبنان ولن تنتهي في وقت قريب، ويبقى السؤال هل تتمسك النخب السياسية بكبريائها في مواجهة الحراك الذي يتمدد يوما بعد يوم ويقطع الطرقات والشوارع، ام هل يتراجع الحراك بفعل عوامل الإرهاق الاقتصادي والتيقن بأن الإصلاح عملية بحاجة الى سنوات طويلة.