قام جلالة الملك يوم أمس بزيارة مفاجئة إلى مستشفى التوتنجي تندرج ضمن سلسلة الزيارات التي بدأها منذ تسلمه سلطاته الدستورية واتخذت أشكالاً وصوراً متعددة، فكان متخفياً تارة وظاهراً أمام العلن تارة أخرى، ولكنّه في هذه الزيارة بدا منهمكاً ومصغياً جيداً للمواطنين من مراجعين ومرافقين ومرضى ليعرف منهم مباشرة ويقف على طبيعة ومستوى الخدمات الصحية المقدمة لكل منهم والإجراءات المتبعة في تسيير معاملاتهم، فالملك إذا ما تعلق الأمر بصحة المواطن كان حازماً وحاسماً في رفض كل ما يستهلك وقته وجهده ويتسبب له بعناء أو تعب مما ينبغي على المعنيين تذليل العقبات التي يصطدم بها المواطن الذي يريد جلالته أن ينعم ويتمتع بالخدمة في أفضل صورة ممكنة وضمن الإمكانات المتاحة.

بين الناس ومع الناس يجد الملك نفسه، وهذا ديدنه الذي كرّسه في المشهد الوطني منذ أقسم اليمين أمام الله ومجلس الأمة والشعب بان يواصل مسيرة الحسين بكل ما أوتي من قوة وعزيمة وهو القائل حفظه الله «لقد قلت لكم منذ أن تشرفت بحمل أمانة المسؤولية، إنني نذرت نفسي لخدمتكم وتحقيق طموحاتكم النبيلة في استكمال بناء الدولة الأردنية الحديثة، التي توفر الحياة الحرة الكريمة لكل مواطن يعيش على أرضها وينتمي إليها».

ليس عبثاً أن يختار قائد الوطن يوم ميلاد الحسين بن طلال بزيارة ميدانية ليتواصل فها مع الناس ويستمع منهم مباشرة بلا رقيب وبلا حراسة وبلا أدنى ترتيبات مسبقة، ليقول بذلك لروح والده أنني على العهد ومحط الرجاء والأردن يمضي كما أردتَ له بخطى واثقة لتحقيق الأهداف والطموحات النبيلة التي تستهدف المواطن ومستوى معيشته أولاً وأخيراً وفي إطار من التشاور والمشاركة في تحمل المسؤولية ووضع مصلحة الوطن فوق كل المصالح والاعتبارات وبما يتسق وثوابتنا الوطنية القائمة على الإيمان بالله والإخلاص للوطن واحترام الدستور وحماية المسيرة الديمقراطية وتعميق جذورها واستكمال بناء دولة المؤسسات والقانون والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية بين فئات الناس.

في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني ارتفع مستوى الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين حتى أصبحت نموذجاً متميزاً في المنطقة، لكنها ورغم الإنجازات التي حققتها بحاجة إلى العناية القصوى ومعالجة مظاهر التراجع ورفع سويتها وتقديم خدمات جيدة للمواطن، ولذا نقرأ من بين أسطر الرسائل التي أراد الملك إيصالها من زيارته لمستشفى التوتنجي ما مضمونه ضرورة مواصلة إعادة النظر بالسياسة الصحية بين الحين والآخر وصولاً إلى أفضل ما يمكن أن يشعر به المواطن من حيث توفير الرعاية والكوادر الطبية الكافية للتعامل مع الحالات المتزايدة من المرضى، وإجراء دراسات والأخذ بنتائجها لاستحداث مستشفيات ومراكز صحية حديثة وشاملة تتوافق مع زيادة أعداد المواطنين في كل مكان في المملكة.

خلاصة القول أنّ لا شيء يتقدم على المواطن ولا مسألة تتصدر اجندة جلالة الملك غيره، وعليه فإن زيارته الكريمة للتوتنجي وتفقده أحوال الناس فيه وعلى نحو مفاجئ سيتبعه زيارات أُخرى مماثلة كانت تأكيداً على ما عقد العزم وعلى ما عاهد الله عليه بأن يكون قريباً من هموم الناس وتلمّس حاجاتهم، وتلكم لعمري ذروة سنام القيادة الحكيمة.

Ahmad.h@yu.edu.jo