في التاسع من تشرين الثاني 1989، أي قبل ثلاثين عاماً،سقط حائط برلين الذي تم بناؤه في عام 1961 من الخرسانة المسلحة، مكرساً استمرارية الانفصال الذي حدث عام 1949 بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، كأحد استحقاقات الحرب الباردة.

كان بناء هذا الحائط إيذاناً بتوتر العلاقات بين الشرق والغرب، وتأكيداً على استمرارية انقسام العالم في ظل الحرب الباردة، وعلى انقسام ألمانيا إلى دولتين، ومن ثم فإن سقوط حائط برلين كان إيذاناً بنهاية الحرب الباردة، وبتوحيد الألمانيتين، وبتوحيد مدينة برلين، وبدء مرحلة جديدة من العلاقات الدولية عامة، والعلاقات الأوروبية بوجه خاص، كما تلا سقوط حائط برلين سقوط الاتحاد السوفيتي وتفكك إمبراطوريته، وبناء على ذلك فإن الانقسام الذي ظهر في أوروبا بين أوروبا الشرقية بنظامها الاشتراكي، وأوروبا الغربية بنظامها الرأسمالي الديمقراطي، انهار واتجهت أوروبا نحو مزيد من الليبرالية الغربية.

وعشية هذا الانتهاء للحرب الباردة، قدم المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما، أطروحته الشهيرة حول نهاية التاريخ، والتي تأسست على افتراض أن نظام الحكم الديمقراطي الليبرالي أصبح موضع توافق عالمي، بحسبانه الأمثل في ظل الانحسار الأيديولوجي للأيديولوجيات البديلة المنافسة.

غير أنه لم تكد تمر سنوات قليلة،حتى باتت أطروحة نهاية التاريخ، وانتصار الليبرالية مثار الكثير من الشكوك في خضم تفكيك المقولات والفرضيات التي بٌني عليها المشروع الليبرالي الغربي في بعديه السياسي والاقتصادي، حيث شهد استنزافا واضحاً، خلال السنوات الماضية، بفعل الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها الدول الغربية، وبزوغ العديد من الحركات الاحتجاجية التي رأت في النظام الليبرالي القائم ومؤسساته مجرد غطاء لخدمة مصالح فئات بعينها دون الاهتمام بمصالح الأغلبية.

كما ظهرت التيارات الشعبوية، ونمط من القيادات الغربية لا يهتم كثيراً بالنظام الليبرالي، بل يناصبه العداء، فضلاً عن الصعود العالمي لعدد من الدول ذات الأنظمة غير الليبرالية، مثل الصين وروسيا، والتي يشكل صعودها تقويضاً لفكرة الليبرالية، كشرط أولي للصعود والنفوذ الدولي، لا سيما أن تلك الدول تتبنى خطاباً مناهضاً لليبرالية الغربية.

كما استحوذت أزمات النظام الليبرالي الغربي على اهتمام الكثير من الأدبيات، خلال السنوات الماضية، والتي وصفته بأنه نظام مأزوم يعاني مشكلات اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، دفعت قطاعات لا يًستهان بها من مواطني الدول الغربية إلى الاعتقاد بأن النظام الليبرالي القائم لا يصلح للحكم، ويتعين تقديم بديل.

فقد أشار استطلاع للرأي، أجرته مؤسسة جالوب عام 2018، إلى أن نحو 51% من الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 29 عاماً لديهم رؤية إيجابية تجاه الاشتراكية. كما نشرت مجلة الايكونوميست مقالاً في فبراير 2019 عن صعود ما يٌطلق عليه «اشتراكية جيل الألفية»، تناول تنامي التأييد للتحول نحو الاشتراكية لدى الكثيرين في الغرب، في ظل الاقتناع باتساع فجوة عدم المساواة، وخروجها عن سيطرة الحكومات، وتحول الاقتصاد إلى أداة لخدمة مصالح فئات بعينها.

ربما تكون للأفكار الليبرالية فضائل سياسية واجتماعية ساعدت في اكتسابها سمعة إيجابية على مدى عقود، بيد أن السياقات التي عايشتها الدول الغربية، خلال السنوات الأخيرة، انطوت على ضغوط حادة على الليبرالية، وأثيرت الكثير من الشكوك حيال صلاحيتها للاستمرار وفقاً لصيغتها القائمة. إن جميع تلك المعطيات تعقد مستقبل الليبرالية، وأن كان البعض يراهن على خبرتها التاريخية، وقدرتها على التصحيح الذاتي لأخطائها.

*aref_murshed@yahoo.com