يحيي الأردنيون يوم الخميس الرابع عشر من تشرين الثاني ذكرى ميلاد باني نهضة الأردن المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه، الذكرى التي أرادها جلالة الملك عبدالله الثاني وشعبه الوفي أن تبقى خالدة خلود الوطن ورمزاً للعطاء والبذل والتضحية.

ويستذكر الأردنيون في ذكرى ميلاد الراحل الكبير طيب الله ثراه عطاء جلالته الذي قاد المسيرة على مدى سبعة وأربعين عاماً، قائداً حمل الأردن إلى بر الأمان والسلام برؤيته الثاقبة وحنكته المشهودة وتفاني شعبه والتفافهم حوله.

وفي هذه الذكرى يجدد الأردنيون العهد والولاء لوارث العرش الهاشمي جلالة الملك عبدالله الثاني وكلهم عزم وتصميم على مواصلة مسيرة الخير والبناء بكل ثقة وهمة عالية من اجل إعلاء بنيان الوطن وتعزيز مكانته.

والأسرة الأردنية وإذ تحيي هذه الذكرى لا يسعها في هذا اليوم إلا أن تجل وتكبر دور الحسين الباني في تأسيس نهضة الأردن العامرة رغم كل التحديات والمصاعب حتى غدا الأردن في عهده منارة للتقدم والبناء والعلم، فأصبحت عمان عاصمة للوفاق والاتفاق والتنسيق العربي المسؤول، والداعية دوماً إلى مبادئ العدل والسماحة وكرامة الإنسان.

ولد الحسين في الرابع عشر من تشرين الثاني عام 1935 في عمان التي أحبها وأحبته واحتضنته أميراً وملكاً فوق أرضها ثلاثة وستين عاماً.

ويمتد نسب الحسين طيب الله ثراه إلى الحسن ابن علي بن ابي طالب ابن السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحسين هو الحفيد المباشر الثاني والأربعون للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

أكمل الملك الحسين طيب الله ثراه تعليمه الابتدائي في الكلية العلمية الإسلامية في عمان ثم التحق بكلية فكتوريا في الإسكندرية بجمهورية مصر العربية وفي عام 1951 التحق رحمه الله بكلية هارو في انجلترا ثم تلقى بعد ذلك تعليمه العسكري في الأكاديمية الملكية العسكرية في ساند هيرست في انجلترا وتخرج فيها عام 1953.وفي الحادي عشر من شهر آب عام 1952 نودي بالحسين طيب الله ثراه ملكا للمملكة الأردنية الهاشمية وتسلم سلطاته الدستورية يوم الثاني من أيار عام 1953 حيث خاطب شعبه في ذلك اليوم المبارك قائلاً: «فليكن النظام رائدنا والتعاون مطلبنا والاتحاد في الصفوف رمزنا وشعارنا ولنعمل متناصرين متعاضدين لنبني وطناً قوياً محكم الدعائم راسخ الأركان يتفيأ ظله الوارف وينعم بخيره الوفير جميع المواطنين على السواء».

وحرص جلالته رحمه الله على ان يكون لكل من أبنائه شأن في شؤون الحياة اليومية للمواطن الأردني بمشاركته أفراحه وآلامه، إذ قدم كل منهم وما يزال ما وسعه من العطاء وعملوا مع أسرتهم الأردنية مندمجين فيها ومتعايشين معها.

ومنذ تسلم المغفور له جلالة الملك الحسين سلطاته الدستورية وهو يجهد في بناء الدولة الأردنية في ظروف لم تكن سهلة أبدا بسبب الأوضاع المحيطة والتحديات إضافة إلى قيود المعاهدة الأردنية البريطانية ووجود القيادة الأجنبية في أجهزة الدولة ,فبدأ بخطوات جريئة وشجاعة استهلها بتعريب قيادة الجيش العربي الأردني في الأول من آذار عام 1956 وتسليم قيادته للضباط الأردنيين الاكفياء ومن ثم إلغاء المعاهدة الاردنية البريطانية في آذار 1957، وأولى جلالته القوات المسلحة الاهتمام الخاص بالتطوير والتحديث منذ البدء لتكون قوات تتميز بالاحتراف والانضباطية حتى غدت قوات عالمية تطلب للاشتراك بمهام حفظ السلام الدولية في مناطق النزاع في العالم.وكان بناء الأردن الحديث وإرساء دعائم نهضته الشاملة في جميع المناحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعمرانية هاجس الحسين طيب الله ثراه، لذلك فقد عني جلالته بتحديث التشريعات وترسيخ الديمقراطية حيث شهدت المملكة في عهده حياة برلمانية مستمرة باستثناء سنوات قليلة أعقبت حرب حزيران عام 1967 واستمرت خلالها ممارسة الديمقراطية عن طريق إنشاء المجلس الوطني الاستشاري حتى تهيأت الظروف عام 1989 لاستئناف الحياة البرلمانية بانتخابات أسفرت عن تشكيل مجلس النواب الحادي عشر بمشاركة شعبية واسعة من مختلف القطاعات وألوان الطيف السياسي. وهيأ قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية الذي اتخذه المغفور له جلالة الملك الحسين طيب الله ثراه استجابة لرغبة الأشقاء العرب ورغبة منظمة التحرير الفلسطينية في الحادي والثلاثين من شهر تموز عام 1988 الظروف لاستئناف المسيرة الديمقراطية في المملكة.

وباستئناف الحياة البرلمانية كانت العودة إلى الحياة الحزبية وزيادة تفعيل مؤسسات المجتمع المدني كالنقابات المهنية والعمالية التي تسهم بشكل فاعل في تطوير المجتمع وتنشيط فعالياته. وفي مجال حقوق الإنسان عمل رحمه الله على صيانة هذه الحقوق حيث غدا الأردن نموذجاً يحتذى به على هذا الصعيد وحرص على إنشاء مركز دراسات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان للمزاوجة بين النظرية والتطبيق في مجال رعاية حقوق الإنسان.

وفي الشأن القومي كان حضور جلالته طيب الله ثراه في القمم العربية والعالمية حضورا غير عادي ويسجل لجلالته انه أول قائد لبى أول نداء لعقد أول قمة عربية عام 1964. ويسجل للأردن عدم تخلفه عن حضور أي مؤتمر قمة عربي منذ ذلك الحين، ومشاركته في اجتماعات جامعة الدول العربية بالكامل وفي اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات العربية على مختلف المستويات. وكان الأردن واجه بقيادة جلالته الحكيمة التحديات التي أفرزتها نكبة 1948 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية ولجوء مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الأردن وحماية حدود الأردن ضد اي اعتداءات إسرائيلية، فكان تعزيز الجيش وتسليحه بالأسلحة الحديثة وتدريبه ورفده بالمؤهلات الشابة وتنويع مصادر السلاح أولى الأولويات.

وناضل الحسين رحمه الله من اجل القضية الفلسطينية في زمن الحرب وفي زمن السلام، السلام العادل والشامل الذي ظل يدعو إليه طوال سني عمره وكان يراه السبيل الأوحد من أجل فض النزاع في الشرق الأوسط، وكان لجلالته بعد حرب عام 1967 الدور الأساسي في صياغة قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي دعا إسرائيل إلى الانسحاب من جميع الأراضي العربية التي احتلت عام 1967 مقابل السلام والأمن والاعتراف وظل هذا القرار منطلق جميع مفاوضات السلام التي تلته. وفي 26 حزيران عام 1967 كان جلالة الحسين طيب الله ثراه أول زعيم يخاطب العالم بعد حرب حزيران يوم قال في الأمم المتحدة في نيويورك «لن أتحدث إليكم عن السلام فحسب، فالشرط المسبق لتحقيق السلام هو العدالة وعندما نحقق العدالة سيتحقق السلام في الشرق الأوسط، لقد قيل الكثير من هذا المنبر عن السلام وكان هناك القليل مما قيل عن العدالة، وما يريده الأردن والعرب هو السلام مع العدالة».

وعلى الصعيد الدولي أقام الأردن في عهده رحمه الله شبكة من العلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة مع عدد كبير من دول العالم وشعوبه بفضل سياسة الراحل الحكيمة وقدرته على مخاطبة الرأي العام العالمي والتعامل مع القادة والرؤساء خاصة قادة الدول صاحبة صنع القرار.

وخلال سني حكمه كان الحسين طيب الله ثراه يؤمن بالمبادئ والقيم التي كانت تدعو إلى السلام والتسامح والوفاق والمساواة والعدالة حتى تمكن من جعل الأردن نموذجاً ومثلاً يحتذى به في الوسطية والاعتدال. وفي السابع من شباط عام 1999 كان الأردن–الأرض والإنسان–في وداع الحسين وسط حشد من قادة العالم في جنازة وصفت بأنها جنازة العصر وكان ذلك الحضور دليلاً على مكانة الحسين بين دول العالم كافة ومكانة الأردن واحترام الشعوب والقادة له ولقائده. ومنذ ان تسلم جلالة الملك عبد الله الثاني الراية وهو يواصل المسيرة بكل اقتدار واستطاع بفضل سعة افقه وحنكته ودرايته التعامل مع الأحداث الإقليمية والدولية التي شهدتها السنوات الماضية بكل حكمة حتى أصبح الأردن محط إعجاب وتقدير دول العالم نظرا لإصراره على الانجاز وتوفير الحياة الكريمة لأبنائه، ويشهد الأردن نقلة نوعية في مجالات التنمية الشاملة ويطلق جلالة الملك عبدالله الثاني بين الحين والآخر مبادرات تنموية تستهدف دفع العملية التنموية نحو الأمام والتركيز على مشاركة كل القطاعات خاصة الشباب والمرأة في مجالات التخطيط والتنفيذ, وقد أرسى جلالته لعلاقات قوية ومتينة مع دول العالم ما انعكس على متانة الاقتصاد الأردني وسمعة الأردن الدولية، وليبقى الأردن كما أرادته قيادته الهاشمية منارة حق وهداية وتطلع نحو المستقبل الواعد بإذن الله. وفي ذكرى ميلاد الحسين رحمه الله يستذكر الأردنيون مسيرة البناء التي لم تتوقف أو تتراجع تحت أي ظرف من الظروف، ويبتهلون إلى الله عز وجل أن يتغمد روحه الطاهرة بواسع الرحمة والغفران وأن يطيل الله سبحانه وتعالى في عمر جلالة الملك عبد الله الثاني، وأن يحفظه ذخراً وسنداً للأمة العربية والإسلامية.