وليد سليمان

يحتفل الأردن هذه الأيام بعيد ميلاد جلالة الملك «الحُسَيْنُ بْنُ طَلالٍ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنُ الحُسَيْنِ الهاشِمِيِّ القُرَشِيِّ"، الذي وُلد في الأردن بجبل عمان بتاريخ 14 تشرين الثاني عام 1935، وكان ملك المملكة الأردنية الهاشمية الثالث، وتولى الحكم من العام 1952 حتى وفاته في العام 1999 رحمه الله.

ويُعد الملك الحسين «باني الأردن الحديث» من الجيل الأربعين من أحفاد النبي محمد، من طريق ابنته فاطمة الزهراء وزوجها علي بن أبي طالب؛ وذلك لكونه ينتمي للعائلة الهاشمية التي تَحكم الأردن مُنذ 1921 م.

في الروضة مع حمدي الطباع

حمدي صبري الطباع العين والوزير السابق ورجل الاقتصاد المعروف كان من رفقاء الملك الحسين أيام الطفولة المبكرة في عمَّان.. ففي مذكراته التي صدرت حديثاً في عمان يتحدث عن تلك المرحلة القديمة من العمر وعن علاقته بصديقه الطفل الأمير حسين «الملك فيما بعد»، حيث يروي قائلاً:

في العام 1942م وكنت بسن السادسة دخلتُ صف الروضة في (روضة جريديني) في الحي الذي تسكن فيه أسرتي بجبل عمان.. وهناك تعرفت لأول مرة على الأمير الحسين بن طلال، وأضحت تلك المعرفة رفقة العمر الطويلة.

وبالرجوع الى بداية أربعينيات القرن الماضي فإن حمدي الطباع لا ينسى ما كان يتميز به الطالب «حسين بن طلال» «الأمير الصغير آنذاك من أدب وخُلق وتربية وأسلوب راقٍ بتعامله منذ صغره.

ويقول حمدي الطباع: المرة الأولى بلقائي مع المغفور له الملك الحسين بدأت في صف الروضة، ولهذه قصة رائعة لا تفارق مخيلتي، فعندما دخل طفل مع والده صفنا في يوم دراسي، قلنا جاء حسين... ولم نقل الأمير!! وجلس بجانبي، وكان ذلك عام 1942، ومنذ ذلك العام ونحن معاً، ندرس ونذهب ونلعب.. واستمررنا معاً حتى الصف الرابع الإبتدائي في مدرسة جريديني.

ويتذكر الطباع: أن ساحة المدرسة كانت صخرية، وكنا نلعب فيها ونتسابق، وكثيرا ما نُصاب بجروحٍ حيث الطريق من البيت إلى المدرسة صعبة ومتعرجة، وخصوصا في منطقة الحاووز بجبل عمان.

وفي أيام الشتاء تغوص أحذيتنا في الطين، وما أن نصل بيت الأمير طلال وترانا الملكة زين الشرف بهذا الوضع الفوضوي، حتى تقوم بتوبيخنا، ونحن ننظر إلى بعضنا البعض في حالة من الخوف والضحك على ما نحن عليه!!.

ومن الذاكرة أننا كنا نقف صفاً واحداً لتتفقد معلمتنا نظافة أيادينا وأظافرنا ومناديل الجيب القماشية، ومن لا يحمله -المنديل- كنا نمرره له بصمت، وعيوننا تراقب معلمتنا كي لا ترانا.

وبرفقة الحسين بعد انتهاء دوامنا المدرسي كنا نذهب إلى بيت والده الأمير طلال، وكان الأمير محمد صغير السن، تستقبلنا الملكة زين الشرف، وبعد أن نتناول وجبة سريعة، وقبل اللعب كان يتوجب علينا مراجعة واجباتنا المدرسية، وفي أحيان كثيرة نلقى اهتماما باشراف الملكة زين على تسميع دروسنا، ثم تسمح لنا بأن نلعب بكرة القدم لوقت محدد في حديقة البيت، وأحيانا يشاركنا اللعب الأمير محمد.

في بعض الأحيان كنت أقضي معظم وقتي في منزلهم، الذي يخلو من الحرس، وتحيط به حديقة واسعة.. فهو بيت بسيط بمستوى حياة الشعب وكان مفتوحاً للجميع.

ويستذكر الطباع أيضاً بقوله: انه ذات يوم وخلال زيارة الحاج معزوز المصري لبيتنا قادماً من نابلس، ولدى وصوله استقبله والدي ومعه دراجة هوائية، فأخبره بأنها هدية لي!! فشعرت بفرح، وأعجبتني الدراجة كثيراً فركبتها فوراً إلى بيت الأمير حسين، وأخبرته أن هذه الدراجة لي ولكَ لنلعب بها، ففرح وابتسامته تملأ وجنتيه.. فركبناها وتجولنا بها في باحة منزلهم ونحن نتبادل الركوب على الدراجة في كل جولتين أو أكثر.

ثم قلتُ للأمير ونحن ندور في ساحة منزلهم، سنركبها أيضا في ذهابنا إلى المدرسة!.

وفي بعض الأيام ونحن طلاب في مدرسة الكلية العلمية الإسلامية كنا نركب ثلاثة أولاد على الدراجة الهوائية، أنا والأمير حسين وزميلنا عبدالرزاق أبو قورة.

وأحيانا كان يأتي الأمير طلال ويأخذنا من المدرسة، وأحيانا أخرى يرسل سائقه ليحضر الأميرين حسين ومحمد فأركب معهما، وأحيانا أرجع سيراً على الأقدام.

في مدرسة المطران

وبعد ذلك يقول الطباع: أنهينا مرحلة الروضة وانتقلت إلى مدرسة المطران لمدة سنة مع الأمير حسين.

ويتابع: ولذلك قصة أعتبرها الآن رجولية في مثل سننا من ابن خالي «مأمون» في ذاك الزمن!! فقد صادفته في طريقي إلى المدرسة كالعادة.. لكنه في هذه المرة طلب مني مرافقته إلى مدرسة المطران فأطعته دون أن أعرف السبب.. لكنه شرح لي الأمر في الطريق.. ففهمت مدى رغبته بأن أكون أحد طلبة مدرسة المطران، فدخلنا معاً غرفة المدير وهو بريطاني الجنسية واستأذنه مأمون قائلا: هذا حمدي ابن عمتي، ويريد متابعة دراسته في المطران.

وقد حصل ذلك في منتصف الفصل الدراسي، فوافق المدير ودخلت الصف الرابع الابتدائي، وزاملت في مدرسة المطران: زيد الرفاعي وفواز الخريشا ومحمد عصفور وهراتس اتمازيان.

وكان الأمير حسين قد سبقني للدراسة في مدرسة المطران بجبل عمان. وكان من أساتذتنا فيها: الريحاني، وسهاونة، ومديرها جريس هلسة.

الكلية العلمية الإسلامية

بعد سنة دراسية في المطران، تم افتتاح مدارس الكلية العلمية الإسلامية في جبل عمان، وكنت والأمير حسين من تلاميذها في عام 1948 مع 120 طالباً.

حيث بدأ الطالب الطباع الدراسة فيها من الصف الخامس الابتدائي، لغاية الصف الثاني الثانوي.

ويتابع الطباع ذكرياته بقوله: في الكلية العلمية الإسلامية بقيت والحسين، والأمير محمد حتى الصف الثاني الثانوي- حسب تقسيمات المراحل الدراسية أيام زمان-، وكان معنا من الزملاء: فواز شرف، وشقيقه عبد الحميد، ومروان بشناق، وعبد الرحيم ملحس، وعبدالرزاق أبو قورة، ومحمد السقاف، ومحمد صالح الحوراني، ومروان أبو زهرة، ووائل النابلسي، ونائل ملحس، وممدوح عبد الجواد، وعبد الإله ديرانية.

من ذكريات فواز الخريشا

ومن زملاء الحسين طالباً في مدرسة المطران كان العميد المتقاعد فواز الخريشا الذي يتذكر عن الطالب الحسين ما يلي:

أذكر أنه بتاريخ 15/ 1/ 1947 وبمناسبة يوم الشجرة أن مربي الصف الأستاذ جريس هلسه قد خصص لنا قطعة أرض في ساحة مدرسة المطران بجبل عمان لزراعتها بالأشجار.

كانت المجموعة الأولى تتكون من ثلاثة طلاب هم: الحسين بن طلال ومحمد بديوي وفواز الخريشا.

والمجموعة الثانية من الطلاب: زيد الرفاعي ومروان القاسم وميشيل حمارنه.

والمجموعة الثالثة من الطلاب: عبد الرحيم ملحس وزياد منكو وينال حكمت... الخ.

حيث باشرت المجموعات بعملها؛ فكان واجب الطالب محمد بديوي حفر الجورة، والطالب فواز الخريشا تعزيل الأتربة والحجارة، وواجب الطالب الحسين بن طلال غرس (الشجيرة) وسقايتها، وقد استمر بسقايتها والاهتمام بها حتى مغادرته مدرسة المطران للدراسة في كلية فيكتوريا بالاسكندرية عام 1949.

وعندما أصبح الحسين ملكاً قام بزيارة مدرسته المطران بتاريخ 1/ 6/ 1996،حيث لاحظ جلالته ان (الشجيرة) التي زرعها بيديه الكريمتين عام 1947 قد نمت وكبرت وأصبحت تعانق السماء، أصبحت بعمر الذكريات الجميلة، فقال مبتسماً لمرافقيه ولطلاب المدرسة (أغرسوا الأشجار فان الغرس مبارك حتى يصبح الأردن أخضر إن شاء الله).

وقد أطلق جلالته على تلك الشجرة اسم شجرة الحسين بإرادة ملكية سامية مكتوبة، وقد وضعت عليها إدارة مدرسة المطران بالتعاون مع نادي الخريجين لوحة كبيرة جميلة زاهية باسم (شجرة الحسين).

من ذكريات غالب «أبو صالحة»

والمؤلف لكتاب (ذكريات عمان أيام زمان) غالب حمد ابو صالحة يذكر في كتابه هذا تحت عنوان فرعي (معرفتي بجلالة الملك الحسين) ما يلي:

يعود الفضل في معرفتي بجلالة الملك الحسين الى مدرسة» C.M.S الاهلية حالياً» في جبل عمان، إذ كانت الدكتورة شارلوت بيرنل قد ألحقتني وشقيقاتي بها، والتحق بها أيضاً جلالة الملك الحسين وسيادة الشريف زيد بن شاكر ونخبة من التلاميذ الذين أصبحوا فيما بعد من كبار رجالات الدولة.

وكان جلالة الملك الحسين «الأمير حينذاك» في صف شقيقتي لطيفة، والشريف زيد بن شاكر في صف شقيقتي عيدة، وكانت المدرسة عبارة عن طابق واحد يضم جميع صفوف الدراسة وقاعة كبيرة تُستعمل للاجتماعات ونتناول فيها غداءنا.

ولم يكن جلالته يتميز عن أحدٍ من التلاميذ في شيء.. سوى بأدبه وخلقه وذكائه، و كان يُعامل من قِبل إدارة المدرسة والمعلمات كما يُعامل التلاميذ الآخرين.

ولم يكن الحسين يأتي الى المدرسة في سيارة أو بحراسة!! بل مشياً على الأقدام، وفي حين أنَّ كثيراً من التلاميذ كانوا يحضرون الى المدرسة في سيارات آبائهم، ولم يكن بلباسه يتميز عن أحد!!، حيث كان ملابس كثيرٍ من التلاميذ أفخر من لباس جلالته.

وكنا نلعب معاً في ساحة المدرسة، وكنت أكبر منه سناً، وكان يلعب ويمزح مع التلاميذ ويشاركهم في نشاطاتهم، ولكنه كان يفرض احترامه على الآخرين بأدبه وخلقه وقوة شخصيته رغم صغر سنه، وكان يضع حداً للفضوليين من التلاميذ ويفرض عليهم كيف يتعاملون معه.

وكان بيت المغفور له–والده- الملك طلال قريباً جداً من المدرسة ولا يفصلها سوى الشارع، وكثيراً ما كنا نلعب قرب هذا البيت.. وهو بيت مستأجرعادي متواضع بالنسبة للبيوت التي تجاوره، ولم يكن قصراً.

وكانت أسرة الملك طلال في الشتاء تستعمل الحطب للتدفئة، وكنا نشاهد الحطب في ساحة المنزل، وأحياناً كان أهل البيت لا يجدون الحطب للتدفئة، وهذا البيت هو الذي وُلد فيه جلالته.

وأذكر من المعلمات اللواتي علمننا في هذه المدرسة: المعلمة نبيهة الزعمط، والمعلمة مس بجاني، ومديرة المدرسة مس ولكنسن.. وكانت هذه المدرسة مخصصة للأطفال دون سن الثانية عشرة، وكان شعار الإدارة والمعلمات هو: التربية والتعليم والتهذيب.

ويتذكر أبو صالحة متابعاً بقوله: وبعد أن أنهيت الدراسة في المدرسة C.M.S» «، التحقت بمدرسة المطران، وكذلك جلالة الحسين فالتقينا ثانية.

ومدرسة المطران كانت أبعد من المدرسة الأهلية عن بيت الملك طلال قليلاً، ورغم ذلك كان جلالة الحسين يأتي للمدرسة مشياً على الأقدام ودون حراسة، إلا أنه أحياناً كان يأتي معه أحد العاملين في البيت، وكان يلبس عباءة.

وكان جلالته يتعامل مع جميع الطلاب بأدب جم واحترامٍ متبادل..حيث كان يفرض احترامه على الآخرين بحسن سلوكه وتصرفاته، ولم يكن يتميز عن التلاميذ بشيء من حيث الأنظمة والتعليمات المدرسية.

ويذكر أبو صالحة من الطلاب الذين عرفهم في مدرسة المطران مع جلالة الحسين: ابراهيم عز الدين، زيد الرفاعي، طلال حكمت، غالب هلسة، فاروق توتنجي، كامل ابو جابر، سليم فاخوري، منذر ومعتصم بلبيسي، فائق ابو جابر، ضافي جمعاني، حيدر قسوس، فاروجيان انتمازيان، و أسماء أخرى.