أ. د كميل موسى فرام

الفترة الحرجة والصعبة برحلة المحكمة مقسمة إلى جزءين؛ يتمثل الجزء الأول منها بفترة التحقيقات وسماع الشهود لدى النيابة العامة ويمثلها المدعي العام صاحب الاختصاص بتجميع أكبر كمية ممكنة من الأدلة لأطراف الدعوى وتأخذ طابع السرية والخصوصية، بينما يتمثل الجزء الثاني بجلسات المحكمة التي تمكن صاحبها من إثبات براءته وهي علنية، وهما مرحلتان متكاملتان قضائياً ضمن أصول التسلسل القضائي ولكل منهما تشريعات ملزمة للسير فيها، وأما الجزء الأول فهو جزء السرية بسير التحقيق، فيحضر الشهود المدرجة أقوالهم بملفات التحقيق وهم شهود الحق العام وتُسمع من قبل المدعي العام وتُدوَنْ باعتباره القاضي المسؤول عن تكييف القضية وإصدار قرار الظن، بعد تكوين صورة معينة وتوجه لديه حسب قناعته.

في صباح يوم مشمس تلقيت اتصالا هاتفيا ليتبين أن المتصل سعادة مدعي عام محكمة بداية شمال عمان الأكرم القاضي سالم بيك القلاب معرفا بنفسه ووظيفته التي نحترمها ونقدرها، وطالبا مني الحضور للمحكمة للمرة الأولى بجلسة تهدف للتعارف، ويقيني أنه احتكم لهذه الخطوة نتيجة قناعة بعد مراجعة كاملة لحيثيات التحقيق التي أُوكلت اليه لاحقاً، مكالمة ساهمت بزيادة معدل ضربات القلب وبدأت بورصة الحسابات والتوقعات عن القادم، فاستفسرت منه لضرورة احضار المحامي المتوكل بالقضية، أجابني بالنفي لأنه ليس الهدف بدء التحقيق، وفعلاً ذهبت في اليوم التالي بموعد محدد بساعته وزمنه لتبدأ رهبة المثول والحرص على كل كلمة تنطق ومتعلقة بالقضية.

استقبلني القاضي بابتسامة وترحاب بقالب رسالة مودة استقبلتها دون الإفراط بالتفاؤل، ولكنه استقبال ساهم بإزالة الخوف وشعرت بدرجة من الطمأنينة بقالب الحذر والحرص خصوصا أن أقوال الخصم مبرمجة ولاأعرف محتواها، وبعد جلسة تعارف احتسيت خلالها فنجان قهوة أردني، واستمعت لكلمات العدالة التي ساهمت بإرتدائي لثوب الاطمئنان، غادرت المحكمة بوعد اتصال آخر للبدء بالاجراءات القانونية إذا كان ضروريا لسماع أقوالي، حيث تفضل عطوفته بتحويل القضية لسعادة قاضي محكمة صلح جزاء شمال عمان صاحبة الاختصاص للنظر بالقضية، ودون الحاجة لمناقشتي بما نُسِب في قرار الظن، لتبدأ في اليوم التالي جلسات الجزء الثاني من شقي القضية وسأذكر منها وقائع الجلسة الأولى بالسؤال من قبل القاضي المختص عن صحة التهمة الموجة لي وكانت الاجابة بالنفي المطلق، لترفع الجلسة لموعد لاحق ودعوة شهود الحق العام للحضور لمناقشتهم من قبل المحكمة والمحامين المتوكلين عن أطراف المشتكى عليهم حيث سُمح لنا بالاطلاع على أقوال الشهود بعد إذن موافقة تصوير ملف القضية، وللأمانة، فقد كان هناك تعاون مقدر من قبل هيئة المحكمة المختصة بتوجيه من رئيس المحكمة الموقر صالح بيك اللوزي الذي يقدر للجامعة الأردنية وهيئتها التدريسية دورهم المهم في بناء الوطن.

خصصت المحكمة جلسات اسبوعية بيوم تفرغ، ودعوة أكبر عدد من الشهود للحضور للاستماع لافاداتهم ومناقشتهم، حيث أن المحامي الموكل من قبلي الاستاذ شريف الريماوي قد قرأ ملف الدعوة وسطورها وحروفها، وجلسنا لساعات طويلة وأيام نوضح ونحلل تمهيدا للمناقشة المختصرة المفيدة، وقطع عهدا بأن يحضر جميع جلسات المحكمة شخصيا لمناقشة الشهود، ويوظف حنكته الممزوجة بالخبرة القضائية والدفاعية بالمناقشة المثمرة لبيان الحقيقة المتعلقة بما يخصني دون التعرض لآخرين، وربما قراءة محتوى الملف بعث برسالة اطمئنان للبراءة المنتظرة لكمية التناقض بين أقوال الشهود.

بدأت جلسات المحكمة بدعوة شهود الحق العام الرئيسيين من إدارة المستشفى والكلية ولجنة التحقيق التي نسبت بتحويل القضية للمحكمة، ولن أدعي أنني أشفقت عليهم جميعا بمواقفهم الضعيفة أثناء المناقشة، ولن أسامحهم، فترددهم وتلعثمهم بعد محاصرتهم وتضييق الخناق عليهم ضمن أصول المناقشة القانونية، بوابل من أسئلة التوضيح من قبل المحكمة والمحامي، ليتبين أن معظم أقوالهم سماعية دون مشاهدة وآراءهم مبنية على ما نُقل على لسان الآخرين، إضافة لانعدام التوافق أو التطابق بتفسيراتهم ودون الجزم بأي من الأجوبة التي دُونت على لسانهم، وربما العدد الهائل من كمية شهود الحق العام، فرض واقع الزمن الطويل للمحكمة حسب الأصول، فبعد انتهاء سماع ومناقشة شهود الحق العام، يأتي دوري كمشتكى عليه بالقضية لاحضار شهودي للمناقشة بالمحكمة لإثبات براءتي من التهمة المسندة لي، وكان لي ذلك، حيث أنني حرصت على حضور جميع جلسات المحكمة وعددها أكثر من مئة جلسة، فكنت متفرغاً ولم أتغيب أبداً.

كان البرنامج الأسبوعي الحياتي مخصصا لجلسات المحكمة، فهناك جلستان اسبوعيا مع المحامي وكل منهما لساعات بالتحضير لمناقشة الشهود في الجلسة القادمة، بينما الجلسة الثانية لتوضيح إحداثيات الجلسة السابقة وتدوين ملاحظات التوضيح، كنت بأمس الحاجة لبرهان سلامة الذاكرة ودقة تسلسل حفظ الأحداث لتوضيح اللغط الذي إنطلى على البعض بعفوية أو بنية خبيثة مبيتة، خمس سنوات صعبة وشاقة وحرجة بالتمام والكمال، تركت جرحا عميقا نازفا لن يلتئم مع الزمن والأيام، ولن يرسل لملف النسيان، استنزفت من رصيد العمر بكل أركانه، فُرضِت عليَّ تحت مُسمى الغيرة والغدر والحسد، وكنت مدافعا شرسا لم ولن يستسلم متسلحا بالصدق والاحترام، حضرت جلسات المحكمة ولم أتغيب مطلقا من الجلسة الأولى حتى جلسة النطق بالحكم، وربما ولادة طفلي الصغير موسى حاملا لاسم جده الأكبر كانت البلسم الملطف لحياتي وباعث الأمل مع زوجة متعاونة ومتفهمة، وبناتي فرح ورند اللتين سطرتا ملحمة بالعطاء وللحديث بقية.