جميعكم اليوم مسؤولون.. وفي الغد مساءلون «...»

هذا ما أكده جلالة الملك في خطاب العرش.. والربط بين المسؤولية و المساءلة إشارة مهمة إلى النهج الذي ينبغي أن يسود في دولة القانون والمؤسسات، حيث لا أحد فوق القانون، وحيث الحرية مصونة ومتصلة بالمسؤولية، وحيث يسأل كل مسؤول عن أفعاله، وأن يخضع للمحاسبة والمساءلة، وهذا جانب مهم من مفاهيم الديمقراطية التي تربط الحقوق بالواجبات، والأداء بالإنجاز، وتجعل المراقبة والمحاسبة والتقييم والمساءلة نتيجة طبيعية لتحمل مسؤولية العمل الوطني.

إن هذا التوجه ليس مرتبطاً بالديمقراطية الحديثة، ولا بالنظريات السياسية الأوروبية المعاصرة في هذا المجال، بل هو مفهوم أصيل في تراثنا وحياتنا العربية الإسلامية، من قبل، من خلال التوجيه النبوي: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».. وهذا يؤكد أهمية ربط المسؤولية بالمساءلة، بل إن كلمة «راع» تتصل هنا بأسمى معاني المسؤولية، وهي الرعاية، أي الحفظ والصون والحماية، ولا تتصل بالرعي إلا من باب أنه أحد معاني المفردة اللغوية لا غير. فالفهم الدقيق للكلمة يشمل المحاسبة والمراقبة على الأداء والإنجاز وتقييمه. كما يشمل تحديد مستوى المسؤولية بحجم الفائدة التي يجنيها الفرد أو تحصلها الجماعة أو المكتسبات التي تتحقق للمجتمع من العمل أو على النقيض (لا قدر الله) بمستوى الضرر الذي يصيب كلا منهم جراء العمل نفسه، ولا معنى هنا لجعل مقولة: «مواطنون لا رعايا» بالضد من هذه المقولة «كلكم راع.. وكلكم مسؤول عن رعيته».

ولعل المسألة الأخرى أن نذهب إلى الربط المسؤول بين الحكم والعدل والمساواة، وبين الحقوق والواجبات، فلا عدل إلا بالمساواة، ولا حقوق بغير الواجبات، وأيضاً لا حرية بدون مسؤولية قانونية وفعلية وأخلاقية.

وتجدر الإشارة أيضا إلى قول مشهور للخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): «لو أن عنزة في أرض العراق عثرت لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة».

وهذا يعني أن المسؤولية والمساءلة في الدنيا والآخرة، فإذا نجا أحد المسؤولين من المحاسبة على أعماله في الدنيا، فكيف ينجو من غضب الله على إضراره بالناس، يوم القيامة.

وأعود إلى ما ورد في الخطاب الملكي إذ أكد أننا نعيش ظروفا استثنائية تستدعي الشفافية والشجاعة في العمل والانجاز، وتتطلب من الحكومة العمل بجدية وكفاءة مع سلطة تشريعية داعمة وقضاء نزيه وقطاع خاص نشط ومواطن واثق بنفسه وبمستقبل بلده.

وهذه الإشارات السريعة إلى بعض مفردات الخطاب تكتفي ببعض القضايا التي اشتمل عليها ليرسم معالم نهج سديد، نتمنى أن يسود ويضطرد، ليظل نبراساً للعاملين المخلصين. ومن المفيد التذكير بان خطاب العرش يمثل خطة عمل الحكومة في المرحلة المقبلة، وليس تقريرا بالمنجزات والأعمال التي حققتها فحسب، مما يعني أن ننتظر التطبيق ونسعى إلى تفعيل نهج المساءلة عن ما سيكون في قادم الأيام.

mna348@gmail.com