النظام العالمي الراهن في أزمة عميقة, مُتدحرجة وقابلة للانفجار على نحو غير مسبوق، يعكِسها تحذير رئيس الأركان البريطاني الجنرال كارتر من احتمالات اندلاع حرب عالمية, مُحملاً روسيا «المُتهوِّرَة» مسؤولية إشعال حرب جديدة بـ«الخطأ».

فهل ثمّة دقّة في تشخيص الجنرال البريطاني الذي تنتهج بلاده سياسات تَبعِية مطلقة للسياسات الاميركية التي لا يمكن لعاقل ومُنصف الاّ إدانة نزعاته العدوانية وشبقها للهيمنة على دول المعمورة وشعوبها، ونهب ثرواتها واستتباعِها ودائما ازدراء القانون الدولي ووقوفها بصلف ضد حق الشعوب في تقرير مصائرها واختيار الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تُلائمها، فضلاً عن دعمها للأنظمة الديكتاتورية وتبرير استبدادها وفسادها, والعمل بلا كلل لإسقاط الأنظمة المُنتخبَة ديمقراطيّاً عبر تدبير الانقلابات ونشر الفوضى وشن الحروب لإسقاط مَن لا تُعجبها سياساتها او لا تأتمر بأوامر سفرائها وعملاء استخباراتها.

ظنّ كثيرون أن الهزيمة المُذلة والمدويّة التي لحقت بالولايات المتحدة في فيتنام, ستكون درساً في التاريخ والسياسة للإدارات الأميركية، واعتقد هؤلاء أن ديناميات النظام الأميركي كفيلة بضبط إيقاع حزب الحرب وخصوصا أصحاب القرار في المجمّع الصناعي العسكري البترولي والاكاديمي، الذين يفرضون قواعد اللعبة الأميركية, ويأتون بساكِن البيت الأبيض.

هؤلاء وبعد أقل من خمس سنوات، أدركوا خطأهم عندما أحسنوا الظن -أو هكذا بدوا- بزعيمة الامبريالية وقادتها, ورأوا حجم الهستيريا التي استبدت بواشنطن بعد الخطأ الاستراتيجي الكبير الذي ارتكبته القيادة السوفياتية, عندما امرت بغزو افغانستان دون ان يعوا (قادة موسكو) طبيعة الإقليم الأفغاني وتركيبته الديموغرافية العِرقية وموقعه في صراع القوى الكبرى, وبخاصة عدم تقدير رد الفعل الاميركي بوجود رئيس ضعيف حدود السذاجة اسمه جيمي كارتر,على النحو الذي شاهدناه في التحالف الشيطاني الذي تم إشهاره بين متطرفي التيارات الإسلاموية الإرهابية وعلى رأسها القاعدة, وشراذم التيارات الأخرى التي غَرفَت من «تراث» الاخوان المسلمين وباقي جماعات الجهاد السلفي التكفيري, وكيف ادارت وكالة الاستخبارات الاميركية المركزية واتباعها في المنطقتين العربية والاسلامية غُرَف عمليات حرقت الاخضر واليابس, بعد ان جندوا شذاذ الآفاق والقتلة وتجار المخدرات وعصابات الجريمة المنظمة.

انطلق «مارد» التخريب الاميركي من قمقمه, ولم يعد يجد ما يكبحه او يلجمه، بل ازداد الهوس الاميركي بالفوضى وشن الحروب بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار حلف وارس, وقيل في وصف ما جرى على نحو غير مُتوقّع: ان نهاية التاريخ قد حصلت وان المستقبل للرأسمالية والنيوليبرالية, وبدأت واشنطن توسيع لعبة تدبير الانقلابات, وجرّدت حملات اجتياح وحروب لإسقاط الانظمة بزعم بناء الديمقراطية, ولم تتردّد في ادارة ظهرها للقانون الدولي واستباحة سيادات الدول واغتيال زعمائها والتخطيط للثورات المُلوّنة ووضع المزيد من المستبدين والفاسدين على رأس سلطات دول عديدة.

إنها الولايات المتحدة.. وحدها التي تدير كل هذه الفوضى والتهوّر وعسكرة العلاقات الدولية, والدفع بها نحو الهلاك وتقريب احتمالات اندلاع حرب عالمية ثالثة لن يخرج أحد منها.. مُنتصِراً.

kharroub@jpf.com.jo