... قرأت خبرا هذا اليوم - لحظة كتابتي المقال - يقول إن شركة الكهرباء قررت فصل التيار الكهربائي عن الكرك, وبالتحديد قرى شمال الكرك, من الساعة العاشرة وحتى الثالثة ظهرا, وذلك من أجل أعمال الصيانة.

أنا أعرف تلك المنطقة جيدا, مثلما أعرف الخطوط في كف يدي.. فهي منطقتي, ولدت هناك وعشت بعضا من طفولتي فيها.

ماذا يعني انقطاع الكهرباء عن تلك المنطقة؟ يعني أن اما في قرية صغيرة قبل الموجب, كانت ستقوم بتشغيل (الكيزر) من أجل حمام صغيرها, لكن لايهم نحن نستحم بالصبر.. منذ الف عام ونحن نستحم به, وانقطاع الكهرباء لايعني أبدا أن الصبر سينقطع هو الاخر.

يعني أيضا أن صبية, في عمر الـ (16) لم تنم من ألم أسنانها ليلة أمس, وقد جاءت لعيادة الطبيب, ولكنه اعتذر لأن جهاز الحفر يعمل على الكهرباء, لا عليك يا صغيرتي, تحملي الألم.. ضعي اصبعك على سنك وصدقيني سيشفى فأصابع البنات هنالك مثل السكر, والحب لدينا ليس مثل الكهرباء الحب لدينا إنتاجه مستمر, ولا ينقطع وتعلمنا.. من الجنوب دوما أن نداوي أوجاعنا بالحب, فهو أهم الأدوية في هذا الزمن.

انقطاع الكهرباء يعني أيضا, أن طفلا من صرفا أو امرع أو فقوع.. او شيحان أو الجدعا مثلا, غاب عن المدرسة بسبب التهاب اللوز, وقرر أن يشاهد الرسوم المتحركة على محطة (سبيس تون), لكنه فوجيء بالتلفاز لا يعمل... وتوزع ذهنه بين الألم الذي يداهمه, وبين حظ عاثر حرمه من متعة المشاهدة... لا عليك يا صغيري, لو كنت عندك لقمت بربط حبل بين ضلعي الأيمن وضلعي الأيسر, ولقلت لك تلك أرجوحتك, فتسلى بها... فنحن يا صغيري ذات يوم, ربطنا بين برج قلعة الكرك وجبل شيحان حبلا وقلنا للبلد (اتمرجحي).. ودللناها كما يجب, وحرسنا عيونها كما يجب.

انقطاع الكهرباء عن قرى شمال الكرك, هل يحتاج لخبر؟... هل أصلا ستدمر الحياة هنالك إن انقطعت الكهرباء؟.. أجزم أن الأمر لايؤثر فقبور الشهداء هناك, كافية أن تنير العالم العربي, وقلوب الناس فيها من التوهج ما يقهر الظلمة, يكفينا أننا في برد تشرين, لا نحتاج لمدفأة.. فالصبر هناك, جمره أشد من الحطب...

تعال يا صغيري إذا واجعل من ضلوعي أرجوحة لك.

Abdelhadi18@yahoo.com