بيروت - وكالات

في اليوم السابع والعشرين من إنطلاق الإنتفاضة الشعبية اللبنانية، وبعد مرور أسبوعين على إستقالة الحكومة، يتلخص المشهد على الارض بأن «الشعب في مكان والدولة في مكان آخر»، وواصل اللبنانيون التظاهر امس، تزامناً مع إغلاق المصارف والمدارس أبوابها، أمام مؤسسات عامة لمنع موظفيها من الدخول إليها، تلبية لإضراب عام دعوا إليه ضمن حراكهم الشعبي غير المسبوق واحتجاجاً على مماطلة السلطات التي لم تحرك ساكناً منذ بدء الحراك.

وحضت الأمم المتحدة امس المسؤولين على الإسراع في تشكيل حكومة من شخصيات «معروفة بكفاءتها» من شأنها أن تكون في «وضع أفضل لطلب الدعم من شركاء لبنان الدوليين».

وأغلق المتظاهرون الشوارع في مناطق عدة خصوصاً في محيط طرابلس والطريق المؤدي منها إلى بيروت كما أغلقت طرقاً عدة في منطقة عكار شمال طرابلس.

ونفّذ طلاب الثانويات الذي انضموا الأسبوع الماضي بزخم إلى الحراك الشعبي المستمر منذ نحو شهر، وقفات احتجاجية في مناطق عدة. وتجمع عدد منهم أمام مقر وزارة التربية في بيروت، مطالبين برحيل الطبقة السياسية مجتمعة.

وعمل المتظاهرون على إغلاق مؤسسات عامة فتحت أبوابها، بينها قصر العدل في بيروت ومصالح تسجيل السيارات وسرايا حكومية عدة في مناطق عدة. وافترش عشرات المتظاهرين الأرض لمنع القضاة والمحامين من دخول قصر العدل في بيروت. وفي صور جنوباً وعاليه (شرق بيروت) وبعلبك (شرق) وطرابلس، أغلق المتظاهرون مكاتب مؤسسة الاتصالات.

وبدأ موظفو شركتي ألفا وتاتش المشغلتين لقطاع الهاتف الخلوي في لبنان امس إضرابا مفتوحاً في المراكز الرئيسية للشركتين وفروعها في المناطق كافة.

وأغلقت غالبية المدارس والجامعات أبوابها في كافة المناطق اللبنانية. وكانت وزارة التربية أعلنت إقفال المؤسسات التربوية «نظرا لاستمرار الانتفاضة الشعبية التي دعت إلى الإضراب العام».

ويشهد لبنان تظاهرات غير مسبوقة منذ 17 تشرين الأول، شارك فيها مئات آلاف اللبنانيين الناقمين على الطبقة السياسية. ويشكو هؤلاء من الفساد المستشري وسوء الخدمات العامة وترهل البنى التحتية وفشل الحكومات المتعاقبة في حل الأزمات الاقتصادية.

وتسبّبت الاضرابات بشلل عام في البلاد شمل إغلاق المصارف أبوابها لأسبوعين. وبعد إعادة فتحها الأسبوع الماضي، فرضت قيوداً إضافية على السحب بالليرة والدولار في آن معاً.

وتسبب ذلك بإشكالات عدة بين المواطنين الراغبين بالحصول على مبالغ من ودائعهم والموظفين الذين يطبقون إجراءات المصارف. وبناء عليه، أعلن اتحاد نقابات موظفي المصارف الإثنين الإضراب العام «حتى عودة الهدوء إلى الأوضاع العامة التي يشهدها القطاع المصرفي».

وجراء اضراب موظفيها، لم تفتح المصارف أبوابها امس بعد ثلاثة أيام من الإغلاق لمناسبة عطلة رسمية وعطلة نهاية الأسبوع.

وأعلنت جمعية المصارف في بيان أنها التقت ممثلي نقابة موظفيها وتعهدت «السعي في أسرع ما يمكن لدى السلطات المعنية لتوفير الظروف الأمنية المؤاتية لإستئناف العمل في القطاع في أقرب وقت».

ويأتي الإضراب غداة محاولة حاكم مصرف لبنان طمأنة مخاوف اللبنانيين، إذ أكد أن الأولوية هي الحفاظ على استقرار الليرة اللبنانية وحماية أموال المودعين في المصارف. وقال إنه طلب من كافة المصارف أن تعيد النظر باجراءاتها المتشددة.

ولا يزال الوضع السياسي ضبابياً، إذ أنه بعد أسبوعين من استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري تحت ضغط الشارع، لم يبادر الرئيس ميشال عون إلى تحديد موعد لبدء الاستشارات النيابية الملزمة لتشكيل حكومة جديدة، ما يثير غضب المتظاهرين الذين يشككون بجدية السلطات تجاههم.

ودعا المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيش في بيان، إثر لقائه وسفراء غربيين عون، «القيادة اللبنانية إلى» الإسراع إلى أقصى حد في عملية تشكيل حكومة جديدة من شخصيات معروفة بكفاءتها ونزاهتها وتحظى بثقة الناس»، قال إنها ستكون في «وضع أفضل لطلب الدعم من شركاء لبنان الدوليين».

وتجري اتصالات في الكواليس للتوافق على صيغة الحكومة المقبلة، التي يطالب غالبية المتظاهرين أن تضم وجوهاً جديدة من الاختصاصيين والمستقلين عن أحزاب السلطة، في خطوة تبدو صعبة في بلد قائم على المحاصصة بين الأحزاب والطوائف.

ومساء امس، أعلن الرئيس عون ان موعد الاستشارات النيابية سيكون الخميس والجمعة ان هذا الأمر يعتمد على الاجابات من المعنيين، وإذا لم نتلق إجابات فقد نتأخر في ذلك، لافتا الى أن هناك صعوبات كثيرة ذُللت وتبقى النقاط الأخيرة، إذ لا بد من الخروج بحكومة منسجمة وليست متفرقة.

وقال عون في حوار تلفزيوني: «ان الحراك بدأ بمطالب اقتصادية بعد الضرائب التي فرضت على الشعب من ثم زادت المطالب وأصبحت سياسية».

واضاف: «عند فقدان الثقة بين الشعب والحكومة لا بد من تأليف حكومة جديدة وبالتأكيد على الحكومة أن تسمع مطالب الشعب وتنفذها لذلك تجاوبت شخصيا ووجهت نداء للحراك بان مطالبه محقة ودعوته للتفاهم لكني لم ألق الرد».

وعن مطالب الحراك قال: «كانت لي مواقف ترددت هي نفسها بالتظاهرات وخطابات بمناسبات رسمية بحضور الحكومة عن فقدان الثقة وضياع المال العام وتحدثت عن مكافحة الفساد فالموضوع ليس غريبًا عني».

وشدد على أنني لم أصل الى موقع الرئاسة إلا لأبني دولة، فأنا لا أبحث عن مستقبل لأنه أصبح ورائي، انا لدي تاريخ وكلفني 15 سنة خارج مجتمعي من اجل الحرية والسيادة والاستقلال.

وتابع: «قليلون يتابعون أخباري، الناس لا تسمعني، رغم اني توجهت بكلام قاسٍ وانتقدت الحكومة وأكدت ان الشعب فقد الثقة»، وأردف: «لدي الإدراك ولكني لا املك السلطة فانا مكبل بتناقضات في الحكم والمجتمع وبما أن الشعب ثار أصبح هناك مرتكز للقيام بالإصلاحات».

ولفت الرئيس عون الى أن هناك 3 نقاط يجب العمل وفقها، الأولى مكافحة الفساد، الثانية الوضع الاقتصادي، والثالثة العمل نحو مجتمع مدني.

واعتبر رئيس الجمهورية ان «شعار «كلن يعني كلن» يعني انه ما من (أوادم–صالحين) وهذا خطأ فلو لم يكن هناك من أشخاص واعين للمشاكل فكيف سنصلح؟ وأضاف: «هناك اوادم لديهم الكفاءة ولديهم الصفات للنهوض بالوطن والمجتمع».

أحاديث على هامش الحراك..

السنيورة: «عون» يعيش ما قبل «الطائف»

قال رئيس وزراء لبنان السابق فؤاد السنيورة، في حديث الى قناة «النيل» عن الاوضاع الراهنة في لبنان وتصوره للخروج من المأزق، ان «رئيس الجمهورية ما زال يتحدث لغة لا يفهمها أولئك الشباب، لا بل وأكثر من ذلك، فإنّ فخامة الرئيس يتصرف وكأنه ينتمي إلى عهد مضى، أي إلى ما قبل اتفاق الطائف لأن الدستور تعدلت نصوصه بعد اتفاق الطائف وأصبحت مختلفة عما كانت عليه قبل الطائف». واعلن ان «لبنان يعاني أزمة خانقة، وهي ليست وليدة السنوات الثلاث الماضية وان كانت قد تفاقمت كثيرا خلال هذه السنوات الثلاث. في الواقع هي وليدة استعصاء طويل مارسته القوى الحزبية المسيطرة في لبنان والتي هي، في معظمها، أحزاب طائفية ومذهبية وميليشيوية مارست الامتناع عن الموافقة على القيام بالإصلاحات الضرورية واللازمة من أجل استنهاض الاقتصاد اللبناني». ولفت الى انه «بسبب امتناع الرئيس ميشيل عون عن إجراء الاستشارات، هذا الامر أصبح يتعدى الأمور الدستورية ويصل إلى المس بالاستقرار المعيشي للبنانيين بسبب دقة الأوضاع الاقتصادية والمالية وحراجتها».

«جعجع»: الوضع خطير

اعتبر رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، بعد اجتماع لتكتل «الجمهورية القوية» في المقر العام للحزب في معراب أن «الانتفاضة الشعبية التي نشهدها حقيقية»، وقال: «لا ثقة بالتركيبة الحاكمة الحالية والبعض يأخذ الأزمة إلى أماكن أخرى، مثلاً البعض يفترض ان لو الصين استثمرت في لبنان لما كنا وقعنا في الأزمة الاقتصادية، وأنا لست مع هذا الرأي على الإطلاق». وسأل «هل من المعقول ألا نطلق الحد الأدنى من الاجراءات الدستورية في الشكل الطبيعي؟ الاستشارات النيابية كان يجب أن تحصل الأمس قبل اليوم». وأضاف: «للمتمسكين بالكراسي والمناصب، أقول لهم أن الوضع خطير ودقيق جداً، ويجب التطلع إلى الأمور بجدية أكبر لكي لا ننتهي من دون كراس ولا مناصب ولا أي شيء آخر».

«شهيب» يدعو لاستئناف التدريس..

اعلن وزير التربية والتعليم العالي اللبناني أكرم شهيب انه بعد قرار تعطيل المدارس يوم الثلاثاء نتيجةً لقرار الإضراب الذي شمل المدارس والجامعات الرسمية والخاصة اللبنانية، دعا شهيب مديري المدارس الى استئناف التدريس اليوم الأربعاء. وأضاف: «أما المدارس التي يتعذر عليها ذلك نتيجةً للأوضاع الحالية، فعلى المديرين اتخاذ قرار التعطيل بالتشاور مع الرؤساء التسلسليين».