وكنت البلدة الصغيرة المتواضعة الجميلة التي ترفل بالخضرة والزهور البرية والصفصاف والدحنون والفل والياسمين.. وكنت مزارع العنب واللوز والجوز والتفاج والليمون.. ونبعة القيروان, والسيل والشلال. هكذا عرفتك حين أفقت في ذاكرة الطفولة الأولى ونعمت بحضن الوالدين العزيزين الكريمين, وبدفء البيت العائلي الذي طالما التجأ اليه من جاء غريبا للمدينة,فتعطلت سيارته ولم يجد مأوى او فندقا يبيت فيه, فيدله فاعل خير على طرق باب بيتنا عند المساء لعل أبي يغيثه ويستضيفه فالمضافة فيه تسع الغريب الذي لم يجد موئلا ينشده, والموظف المنفي الطارىء لجرش, فكيف بالزائر القريب هكذا كنت أيتها البلدة الآمنة المطمئنة حين احتفل الناس بوصول الكهرباء وبتمديد شبكة الماء الى البيوت, وكانت فرحنهم أكثر حين سفلتت وعبدت الطريق الى عمان فلم تعد تستغرق الرحلة مشقة ساعات اليوم كله.

وكنت مهوى افئدة المتنزهين في رحلات الربيع يأتونك من كل مدن الأردن حافلات مدرسية ومركبات عائلية وعربات نقل ريفية تملأ الساحات وتنتشر في أرض الآثار وفي كل مكان. فأنت سلة خضار وفواكه الأردنيين ومتنزههم ومحل الترفيه عن رتابة أيامهم. وكان أهلك أصدقاء بسيطين طيبين متحابين: شواما ونوابلسة وشراكسة, مسلمين ومسيحيين: كانوا يحبون من يجيء زائرا لمدينة الأثار التي طالما كنا نعتز ونفاخر الأخرين بها وهم بسليقتهم وانتمائهم الديني يعتبرون إكرام الضيف مثلا للمروءة والعمل الصالح احتسابا عند الله. كانوا يهنئئون المسافر بسلامة العودة ولوغاب يومين في عمان ويعودون المريض في بيته ولو شكا من الصداع أو المغص فغاب عن العمل يوما أو يومين.

لم أسمع عن زوج يضرب زوجته ولا عن ولد يعصي والديه ولا عن شرس شرير يهين زائراً أوضيفاً أو باحثاً ينشد زيارة آثار المدينة الخالدة التي كانت إحدى المدن اليونانية العشر في التراث الإغريقي، بل على العكس كان الناس يتسابقون لخدمة الزائر الغريب وإكرامه.

فمن أين أتت تلك الحثالة البشرية المجرمة التي تعتدي بالطعن على من يأتيك زائرا أوباحثا أو عالما مستزيدا..؟

أما أن تفوح منك يا جرش رائحة جريمة نكراء غثة لم نسمع بمثلها أبداً الا في الأساطير اليونانية حين فقأ أوديب عينيه خزيا وألما للحقيقة المحرمة التي اكتشف أنه ضالع ومغرق بها..! وكان تصور المشهد يضفي على السامع أو القارىء الماً ولوعة وحزنا فالعين عضو جميل سماوي التجلي رهيف الحس شريف التميز عميق الوصل انيق التشكل أقرب الأعضاء للحس بالحياة إنه البصر, وكم وصف الله نفسه بالسميع البصير..!.

أما أن يقوم مجرم سفاح متوحش وبمرأى ومسمع وجزع أطفاله عامداً متعمداً فيغرس سكينه في عيني زوجته أم أطفاله ومن يفترض أن تكون أقرب الناس اليه, وبنية حرمانها من نعمة البصر فذلك هو التوحش والجريمة النكراء الكريهة التي لا يقبلها ولا يسكت عنها أحد.