ما هو سر التنظيم الشديد الذي يعيشه الشعب الياباني، وماذا عن إعجاب العالم بأسره بسلوكات شعبه الحضارية الذي لا يضاهيه فيها أحد؟! هذه السلوكات لم تأتِ من فراغ، بل هي عبارة عن تربية يعيشها اليابانيون منذ طفولة الشخص منهم.

إليك هنا بعض هذه الأسرار الذي جعلت الشعب الياباني الأكثر تميزاً بين شعوب العالم:

- ﻓﻲ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﺗُدﺭَّﺱ ﻣﺎﺩﺓ دراسية واحدة فقط ﻣن الصف الأول الى الصف السادس الابتدﺍﺋﻲ ﺍﺳﻤﻬﺎ (الطريق ﺇﻟﻰ ﺍﻷﺧﻼﻕ) ﻳﺘﻌﻠم ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺘّﻼﻣﻴذ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﻭفن ﺍﻟﺘﻌﺎﻣل ﻣﻊ ﺍﻟﻨﺎﺱ.

- وﻻ يمكنك إيجاد مفهوم الرﺳوﺏ في تلك الفترة الدراسية السابقة؛ ﻷﻥ ﺍﻟﻬدﻑ من هذه المرحلة ﻫو فقط ﺍﻟﺘرﺑﻴﺔ ﻭﻏرﺱ ﺍﻟﻤﻔﺎﻫﻴم ﻭﺑناء ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ، وﻟﻴس ﺍﻟﺘﻌﻠﻴم ﻭﺍﻟﺘﻠﻘﻴن.

- وﺑﺎﻟرﻏم ﻣن ﺃن اليابانيين ﻣن ﺃﻏﻨﻰ ﺷﻌوﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟم، فالغريب في الأمر أنهم لا يجلبون ﺧدﻡ، ﻓﺎﻷﺏ ﻭﺍﻷﻡ ﻫﻤﺎ ﺍﻟﻤﺴؤﻭﻻﻥ ﻋﻦ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻭﺍﻷﻭﻻﺩ.

- ﺍﻷطﻔﺎﻝ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻧﻴوﻥ ﻳﻨظﻔوﻥ ﻣدﺍﺭﺳﻬم ﻛل ﻳوﻡ ﻟﻤدﺓ ﺭﺑﻊ ﺳﺎﻋﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻤدﺭﺳﻴن، الشيء الذي أدى ﺇﻟﻰ ظﻬوﺭ ﺟﻴل ﻳﺎﺑﺎﻧﻲ ﻣﺘوﺍﺿﻊ جدا، ﻭﺣرﻳص ﻋﻠﻰ نظافة محيطه.

- وﺍﻷطﻔﺎﻝ أيضاً ﻓﻲ ﺍﻟﻤدﺍﺭﺱ ﻳﺄﺧذﻭﻥ فراشي ﺃﺳﻨﺎﻧﻬم ﺍﻟﻤﻌﻘﻤﺔ، لتنظيف ﺃﺳﻨﺎﻧﻬم ﻓﻲ ﺍﻟﻤدﺭﺳﺔ ﺑﻌد ﺍﻷﻛل، لذلك يتعلمون ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺻﺤﺘﻬم ﻣﻨذ الصغر.

- ومدراء ﺍﻟﻤدﺍﺭﺱ هناك ﻳﺄﻛﻠوﻥ من طعام ﺍﻟﺘﻼﻣﻴذ ﻗﺒﻠﻬم ﺑﻨﺼف ﺳﺎﻋﺔ ﻟﻠﺘﺄﻛد ﻣن ﺳﻼﻣﺘﻪ، ﻷﻧﻬم ﻳﻌﺘﺒرﻭﻥ ﺍﻟﺘﻼﻣﻴذ ﻣﺴﺘﻘﺒل ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﺍﻟذﻱ يجب ﺣﻤﺎﻳﺘﻪ.

وﻋﺎﻣل ﺍﻟﻨظﺎﻓﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ لا تُحتقر مهنته ولا تُهان، بل يلقب بـِ(المهندس الصحي)، أما رﺍﺗبه فيتراوح بين 5000 ﺇﻟﻰ 8000 ﺩﻭﻻﺭ ﺃﻣرﻳﻜﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﻬر، ﻭﻳﺨﻀﻊ ﻗﺒل ﺍﻧﺘدﺍﺑﻪ ﻻﺧﺘﺒﺎﺭﺍﺕ ﺧطﻴﺔ ﻭﺷﻔوﻳﺔ.

- وإذا كنت من مدمني الجوَّال- الهاتف الخلوي- فطبعاً من الصعب عليك العيش في مجتمع ياباني!! لأن ﺍﺳﺘﺨدﺍﻡ ﺍﻟﺠوﺍﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻘطﺎﺭﺍﺕ ﻭﺍﻟﻤطﺎﻋم ﻭﺍﻷﻣﺎﻛن ﺍﻟﻤﻐﻠﻘﺔ ممنوع، ومن اللازم وضع ﺍﻟﺠوﺍﻝ في وﺿﻌﻴﺔ ﺍﻟﺼﺎﻣت.

- ﺇﺫﺍ ﺫﻫﺒت ﺇﻟﻰ ﻣطعم ﻓﻲ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﺳﺘﻼﺣظ ﺃﻥ ﻛل ﻭﺍﺣد ﻻ ﻳﺄﺧذ أكثر من حاجته، كما لا يترك أحد أي طعام في صحنه.

10- وﻣﻌدﻝ ﺗﺄﺧر ﺍﻟﻘطﺎﺭﺍﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﻌﺎﻡ هو 7 ﺛوﺍﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻨﺔ فقط!! ﻷﻧﻪ ﺷﻌب ﻳﻌرﻑ ﻗﻴﻤﺔ ﺍﻟوﻗت، كما ﻳﺤرﺹ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜوﺍﻧﻲ والدقائق بدقه متناهية.

السيد قَشَّة المحبوب!

ومن قصص التراث الياباني يُحكى أنه في قديم الزمان كان هناك شاب اسمه «شوبي» يعيش في قرية في ريف اليابان. وفي أحد الأيام كان عائداً إلى بيته من العمل في الحقل، فتعثرت قدمه بحجر وسقط متدحرجاً على الأرض, وحين توقف عن التدحرج اكتشف أن «قشة» قد علقت بيده.

فقال: القشة شيء لا قيمة له ولكن يبدو أنه مكتوب لي أن ألتقط هذه القشة، ولذلك فلن أرميها.

وبينما كان يمضي في سبيله ماسكاً القشة بيده، جاءت حشرة اليعسوب- تشبه الفراشة أو الدَّبور- تحلق وتئز فوق رأسه بصوت مزعج.

قال شوبي: «يالها من حشرة مزعجة ! سألقن هذا اليعسوب درساً لن ينساه».

فأمسك باليعسوب، وربطه بالقشة، ثم واصل السير ماسكاً اليعسوب حتى التقى بامرأة تمشي مع طفلها الصغير. وحين رأى الطفل الصغير حشرة اليعسوب قال لأمه: «أماه.. أرجوكِ أن تحصلي لي على ذلك اليعسوب.. أرجوكِ.. أرجوكِ.

فأعطاه «شوبي» اليعسوب, و بدورها أعطت أم الطفل ثلاث برتقالات لشوبي تعبيراً عن امتنانها له, ومضى شوبي في سبيله.

ولم يمضِ وقت طويل حتى التقى شوبي ببائع متجول يكاد أن يُغمى عليه من شدة العطش, ولم يكن ثمة ماء في الجِوار.

أشفق شوبي على البائع وأعطاه كل البرتقالات ليتمكن من شرب عصيرها.

لذا فإن هذا البائع كان شديد الامتنان لشوبي.. ورداً للجميل أعطى شوبي ثلاث قطع من القماش.

ومضى شوبي حاملاً القماش والتقى بأميرة تستقل عربة جميلة يحرسها عدد كبير من الخدم.. نظرت الأميرة من نافذة العربة إلى شوبي وقالت له: آه.. يا لهُ من قماش جميل هذا الذي تحمله!! أرجوك أن تعطيني هذا القماش!!.

أعطى شوبي القماش للأميرة، وهي بدورها أعطته مقابل ذلك مبلغاً كبيراً من المال!!.

أخذ شوبي ما حصل عليه من مال واشترى به حقولاً عديدة ثم وزّع الحقول على سكان قريته.. وأصبح لدى كل واحد منهم قطعة أرض خاصة به.. وعمل الجميع في حقولهم بجد ونشاط.

لذا فقد ازدهرت القرية وشُيد فيها الكثير من المخازن الجديدة.

وكان الجميع تنتابهم الدهشة حين يتذكرون أن كل هذه الثروة جاءت من القشة الصغيرة التي كان شوبي قد التقطها عن الطريق!!.

وبذلك أصبح شوبي من أكبر وجهاء القرية.. وكان يحظى باحترام كبير من جميع سكانها.

وظل كل أهالي القرية ينادونه طيلة حياته «السيد قشة المحظوظ».