واستعدنا الباقورة والغمر في خطوة مهمة تسببت في حالة إحباط لدى الجانب الإسرائيلي، وأطلقت حالة من الانتشاء الوطني في الأردن، وشكلت جملة اعتراضية مهمة يمكن أن تحدد قواعد جديدة للتعامل في العديد من القضايا الساخنة بين الأردن والجانب الإسرائيلي، وذلك هو المهم بغض النظر عن تفاصيل كثيرة ينقب البعض فيها لإفساد فرحة الأردنيين التي يجب إطلاقها إلى أقصى حدودها في هذه اللحظة التاريخية.

من بين المنغصات التي يمارسها البعض، وأغلبيتهم دون قصد، التنبؤ بمستقبل المنطقة الخلابة بعد استعادتها، وتدور نكات غير مناسبة ترى أن الأردنيين سيتعاملون مع المنطقة بكثير من الفوضى والإهمال، إلا أن ذلك يجافي الحقيقة، وكان الأولى بالمواطن الأردني أن يتساءل عن سبب اخضرار الباقورة والغمر بطريقة تكاد تحولت إلى جزء من الذكريات لدى الأردنيين الذين يفتقدون لهذه المشاهد في مختلف بقاع المملكة.

الإجابة تكمن في وفرة المياه والسيطرة الإسرائيلية على منابع مائية استراتيجية، وقدرتها على استغلال الفائض المائي الذي يعتبر أحد أوجه الاختلال في العلاقة مع الجانب الإسرائيلي، وسيشكل مستقبلاً أرضية مواجهة دبلوماسية واسعة، ولذلك تكتسب خطوة استعادة السيادة على الباقورة والغمر أهمية كبيرة، إذ تشكل نقطة تحول في العلاقة توقف حالة الثقة لدى الإسرائيليين في قدرتهم على فرض شروطهم على جميع الأصعدة.

توجد حالة من الارتباك الإسرائيلي في مقابل تعامل الأردن مع استعادة أراضيه، وإصراره على تمرير رسالة ضمنية تتعلق بموضوع السيادة بشكل عام، والسيادة على المقدسات الدينية في القدس وهو ملف آخر سيتصاعد عاجلاً أم آجلاً، والكتلة الشعبية التي تحلقت حول القرار الخاص باستعادة السيادة على الأراضي الأردنية كاملة تؤشر إلى وجود استعداد أردني ثابت لخوض نزاع طويل الأمد وصعب حول أي تسوية تتعلق بمدينة القدس التي لا تقل في أهميتها لدى الأردنيين بمختلف أطيافهم عن أي أرض أردنية أخرى، ويعلم الإسرائيليون أن الوحدة الوطنية والإجماع الشعبي في الأردن عامل جوهري لإحباط سياسات الضغوط المباشرة وغير المباشرة على المملكة.

علينا أن نبالغ في الفرحة والاحتفاء بهذه الخطوة، فهذا هو منطق الصراع الذي لم ينتقل بعد إلى وصف السلام، وما زال في كثير من تفاصيله حرباً باردة، أما الانجرار إلى التفاصيل فلا ينتج شيئاً سوى تمكين الجانب الإسرائيلي من عبور حالة الارتباك وعدم تعميقها على أساس الهروب بشيء من ماء الوجه أمام الرأي العام لديهم.