مخطئ من يعتقد أن الخطاب الشامل الذي ألقاه جلالة الملك في افتتاح أعمال الدورة العادية الرابعة لمجلس الأمة الثامن عشر يمكن التوقف عليه وتحليله بمقالة واحدة بل هو يحتاج إلى جلسات عصف ذهني من أصحاب الرأي والاختصاص كلٌّ في مجاله لتناول المحاور الكثيرة التي ضمّنها جلالته في خطابه المتكامل والشامل لكل ما أراد الملك أن يضعه أمام من يعنيهم الأمر وفي مقدمتهم الحكومة والسلطة التشريعية،وضمن هذا المنظور يمكننا القول أن جلالة الملك قد دشّن مرحلة جديدة اعتباراً من العاشر من كانون الثاني الجاري عبرها بلدنا بكل ثقة واطمئنان عنوانها الأول والأخير المواطن وهو فحوى الرسالة التي ما انفك يعمل عليها بكل ما أوتي من قوة وعزيمة منذ اليوم الأول لتسلمه سلطاته الدستورية ترجمة لقناعاته أن المواطن هو رافعة التنمية وان كل تحرك أو مسعى لا يكون الأردنيون في مقدمته هو مسعى لن يفلح ولن يأتي بالخير.

خطاب العرش السامي وبما تضمنه من محاور ورؤى ملكية أشار كذلك إلى أن التحديات التي يواجهها بلدنا في هذه المرحلة تتطلب وعياً وعملاً جاداً وتعاوناً كبيراً بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بحيث يصبح دور كل منهما مكمل للآخر، فجلالته يأمل أن يكون مجلس الأمة مجلساً تشريعياً متميزاً في أدائه، ومرجعاً تستعين به الحكومة أثناء وضع خططها الشاملة وبرامجها الوطنية لتحقيق التغيير الإيجابي وتلبية طموحات وآمال الأردنيين في رفع سوية معيشته وإيجاد حلول عاجلة لمشكلتي الفقر والبطالة وتوفير فرص عمل للشباب الذين يرى فيهم جلالة الملك أنهم الذين يبنون المستقبل الذي يتطلع إليه بثقة وأمل.

إن قراءة متعمقة وشاملة لخطاب جلالة الملك توقفنا على جملة من المحاور والمرتكزات التي لا يقبل جلالته إلا بها حينما تكون واقعاً ملموساً يستشعره المواطن الأردني الذي يريد أن ينعم بحياة حرّة كريمة قوامها الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص، وتطبيق القانون على الجميع واجتثات الفساد ومعاقبة المفسدين كباراً وصغاراً على حد سواء، وتعزيز الشفافية ومعالجة مواطن الخلل والضعف في الإدارة العامة، وجلب استثمارات محلية وأجنبية، واتخاذ قرارات تنعكس نتائجها عليه بشكل فوري وعاجل، وما إلى ذلك من التشوهات والاختلالات التي إن عولجت صار عمل الحكومة ومجلس الأمة موضع فخر واعتزاز أبناء الأردن.

ولأن الأردن بقيادة جلالة الملك لا يتخلى عن دوره العربي والقومي في الدفاع عن قضايا الأمتين العربية والإسلامية، جاء تأكيده على أن الأردن سيواصل رسالته في دعم القضية الفلسطينية ودعم نضال الشعب الفلسطيني حتى قيام الدولة المستقلة على التراب الوطني،ناهيك عن التمسك الهاشمي بالوصاية على المقدسات التي تشكل جوهراً رئيساً في عقيدة جلالته الذي قال مراراً أنه كهاشمي لن يتخلى عن القدس، مضافاً لذلك كلّه أن الأردن لن يتراجع عن بذل كل جهد ممكن يستهدف إبراز الصورة المشرقة والحقيقية للإسلام، عقيدة وممارسة، وكذلك محاربة الفكر الإرهابي المتطرف والعمل على حماية الشباب لئلا يقعوا فريسة مخططات أصحاب الفكر الظلامي الهدّام.

Ahmad.h@yu.edu.ho