كتب المحرر السياسي

يدخل الحراك اللبناني اسبوعه الرابع, دون ان تلوح في الافق أي بوادر للخروج من حال الإستقطاب الحاد الذي يُميّز المشهد الاخير بعد استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري وعدم بدء المشاورات النيابية المُلزِمة التي يترتب على رئيس الجمهورية القيام بها مع اعضاء مجلس النواب، حيث يُصار الى تكليف الشخصية «السُنِّيّة» التي تحظى بأغلبية النواب (65 نائباً) لتشكيل حكومة جديدة، وهو امر استوقف كثيرين من خلال لجوء الجنرال ميشال عون الى مشاورات مع قوى سياسية وحزبية حليفة، دون ان يعطي موعداً محدداً لبدء الوقوف على رأي الكتل النيابية كما ينص عليه اتفاق الطائف الذي تم التوقيع عليه في العام 1989 بعد حرب أهلية دامية تواصَلت 15 عاما.

ولأن المعادلة التي قام عليها لبنان منذ 1943 (عام الاستقلال) محكومة بتوازن طائفي ومذهبي دقيق ومُعقّد ينهض على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، بحيث تكون (رئاسة الجمهورية) لمسيحي ماروني، أما (رئاسة مجلس النواب) فتذهب لمسلم شيعي، في حين (رئاسة مجلس الوزراء) من نصيب مسلم سُنّي، فإن تطوراً (في الصلاحيات) طرأ على هذه التركيبة بعد (الطائف)، إذ سُحبَت بعض الصلاحيات من رئيس الجمهورية لصالح رئيس الحكومة (السُنّي) لكنه (رئيس الجمهورية) احتفظ بحق رفَض او الموافقة على التشكيلة الحكومية، وبالتالي فإن صدور مرسوم اعلان الحكومة الجديدة يوقّعه رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء معاً، وهو إجراء لم يكن معمولاً به قبل اعتماد الطائف.

هنا، وصل المشهد اللبناني الى حال شديدة من الاحتقان وباتت فيه الأمور محكومة بالتوافق, وخصوصاً في عدم المساس بالمناصَفة التي تعني اقتسام السلطة بين الكُتل النيابية وفق معادلة الحجوم والاوزان، رغم كل الشعارات والهتافات التي تُدوّي في الساحات والميادين والجادات وشوارع وأحياء المدن اللبنانية من الشمال الى الجنوب، والتي تُطالب بحكومة تكنوقراط وغيرها من المطالب وعلى رأسها مكافحة الفساد والإرتقاء بالخدمات الأساسية المُتدهورة، لكن الخروج على معادلتي او صيغتي الميثاق (1943) والطائف (1989) تبدو عسيرة وغير قابلة للصرف، إذ ستبرز في حال تجاوزها مواقف رافضة الانضمام الى حكومة كهذه، ما يعيد الأمور الى المربع الاول وبخاصة في ظل عدم وجود «قيادة» للحراك الجماهيري يمكن الحوار معها او دعوتها للمشاركة في الحكومة، ما بالك عندما تتم عندها عملية الفرز الطائفي والمذهبي التي بدونها لا يمكن لمجلس النواب (المُنتخَب وفق القاعدة إياها) منح الحكومة.. الثِقة؟

ضغط الشارع المتواصِل، والذي انتقل من مرحلة اغلاق الشوارع، الى الاعتصامات امام المكاتب والمؤسسات والشركات الحكومية والخاصة كالبنوك، وزاد نزول طلبة المدارس والجامعات الى الميدان من حال الاستقطاب والتوتر، ليس فقط بسبب عددهم الكبير ولكن ايضاً في شلّ عمل المؤسسات والشركات التي تقدم الخدمات الاساسية كالكهرباء والإنترنت.

مطالب الشارع تنادي بمحاكمة الفاسدين واستقالة «كل» رموز المرحلة الحالية بلا استثناء، وهنا تكمن «عقدة» رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، إذ يُسرّب من أنباء انه إذا ما أُريد تشكيل حكومة تكنوقراط، فإنه يتوجّب على «الاثنين» الحريري كما باسيل الخروج منها. أما إذا كانت حكومة تكنوسياسية فلا يمكن الحؤول دون بقائهما، وثمة معادلة ثالثة حكومة برئاسة غير الحريري لا يكون فيها باسيل ايضاً.

لا تبدو الأمور في طريقها الى الحل، بعد ان «هزّ» الحراك أركان السلطة اللبنانية، وبرز على السطح ملّف محاكمة الفاسدين واسترداد المال المنهوب، إلاّ ان لبنان محكوم بالتسويات وليس بالثورات لاسباب تتعلق بالنظام اللبناني القائم على المحاصصة الطائفية والمذهبية، التي لا يمكن الخروج منها بدون إلغاء الطائفية السياسية واعتماد قانون انتخابي يُلغي القيد الطائفي ويجعل من لبنان دائرة واحدة، وهي «أُمنية» يتحدّث الجميع عنها، في الوقت الذي يدركون فيه انها صعبة التحقيق إن لم نقل مستحيلة، في بلد ينهض على «التسويات» وليس الثورات أو الإنقلابات.