في التاسع من تشرين الثاني عام 2004، أطلق الأردن، بحضور جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، رسالة عالمية اسمها «رسالة عمّان»، وهي وثيقة تاريخية أرادت الردّ على الاتهامات الباطلة التي تلت أيلول 2001 وما جاء به الارهاب من مرحلة متقدمة وجديدة ومريرة أرادت أن تؤسّس للعنف الممنهج والجماعي وإثارة الأحقاد والانتقام والكراهية والانقسام، وإشاعة الرعب في نفوس الأطفال وعائلاتهم بشيبها وشبابها. فجاءت رسالة عمان لتبث روحاً من الاطمئنان والهدوء في النفوس الخائفة والمذعورة من جهة. ومن جهة أخرى أرادت أن تقول إن الارهاب لا دين له. وبأنّ الديانة الاسلامية بريئة وبعيدة كلّ البراءة وكلّ البعد عمّا روّج له ابن لادن وأبناؤه وأحفاده فيما بعد. وفيما نحيي اليوم الذكرى الخامسة عشرة لاعلان رسالة عمان، يشرّفني ان أوجز خمس نقاط:

أولاً: لقد سبق رسالة عمّان، مؤتمر دولي دعا إليه العرب المسيحيون في الأردن وفلسطين، في 11 آذار 2002، ورعاه جلالة الملك عبدالله الثاني، وقالوا فيه انهم يقفون صفاً واحداً مع اخوتهم المسلمين للدفاع عن الأمة، ولدحض الاتهامات الباطلة الموجهة إلى الدين الشريك للمسيحية العربية.

ثانياً: لقد دخلت رسالة عمّان في المناهج الدراسية، ولا يكاد موقع الكتروني رسمي يخلو من نشرها. وأجريت لها عدة مؤتمرات وندوات، ونقلت إلى لغات عالمية كثيرة. ولا شك بأن نشرها قد وصل إلى نقاط ومناطق بعيدة في العالم. وصار العالم يعرف عنها الكثير. لكن، ونقولها والغصة في الحلق، إنّ الارهاب لم ينته وأن مبرّرات اطلاق الرسالة قبل عقد ونصف ما زالت موجودة، وعلينا التفكير معاً في كيفية نشرها وتطبيق مضموناتها، لكي نسهم مع الرسالة ومع كل الجهود المبذولة من الاسرة الدولية، لدحض الارهاب وتفتيت بقاياه.

ثالثاً: خلال هذه الفترة، زارنا العديد من الشخصيات الدينية، ومن أبرزها البابا بندكتس السادس عشر عام 2009، والبابا فرنسيس 2014، وأشاد كل منهما بالرسالة، وفي حين قال بندكتس:رسالة عمان تمثل البنود التي تقوم عليها سياسة المملكة في الدعوة الى الحوار والجنوح الى السلم والحفاظ على المقدسات ورعاية المكوّنات واحتواء الآخر ورعاية الانسان بغض النظر عن عرقه ودينه، قال فرنسيس: أعبّر من جديد عن تقديري لما يقوم به الأردن من مبادرات لتعزيز الإخاء والقيم الإسلامية والحوار والتفاهم بين اتباع الاديان ومن بينها رسالة عمان للحوار.

رابعاً: لقد عقب رسالة عمّان كذلك مبادرات راقية صدّرها الأردن الرسمي، وأهمها «كلمة سواء» التي أسست مع الفاتيكان للمنتدى الكاثوليكي الاسلامي الدائم 2007. وكذلك أسبوع الوئام بين الأديان 2010، الذي أقرته الأمم المتحدة استجابة لمطلب أردني، فضلاً عن تأسيس العديد من المراكز الحوارية ومنها ما يتشرّف كاتب السطور بحمل مسؤوليته: المركز الكاثوليكي للدراسات والاعلام 2012.

خامساً وأخيراً، ننظر صوب المستقبل بعين التفاؤل والايجابية، وننظر إلى الماضي بعين الحمد لله على كل الجهود الخيرة والنبيلة التي صدرت في الأردن، وقد دخل باب التنافس مع دول عديدة أنشأت مراكز حوارية عالمية، إلاّ أنّ الأردن ما زال على أعلى قائمة الدول النموذجية في مجال حوار الأديان، وما جائزة تمبلتون التي نالها جلالة الملك قبل عام من اليوم كذلك إلاّ تتويجاً للعمل الدؤوب، من أجل إكمال مسيرة رسالة «الأردن»، وليس فقط رسالة «عمّان» في الألفة والإيمان والإخاء.

Abouna.org@gmail.com