يجيب عن هذا التساؤل عالم التربية الراحل الدكتور محمد جواد رضا في كتابه «التربية الاسلامية». تساؤلات في جدلية «الإسلام والحداثة» الصادر عن دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع- عمان.

يقول:.. تقوم نظرية «الاستخلاف» على القول بأن الغنى والفقر من وجهة نظر الإسلام ليسا إلا تدبيرين إلهيين تنظيمين، ولا يمكن أن يكونا بأية حال من الاحوال علامة على قيمة الانسان الاجتماعية ولا معياراً لها لأن معيار الإنسانية هو الإيمان بالله ورسله... ذلك هو الحق». (المرجع السابق ص 19).

والمعنى أن «المال» ينبغي ان يكون لله حق فيه. يقول تعالى: «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم».

لقد تعامل القرآن مع قضية «المال» ببعد نظر ونفاذ بصير «استهدفا الهبوط بمنزلة المال وتحرير الانسان مما يرمز اليه من روح التملك والاستحواذ والاستئثار، وما يفرزه ذلك من التحاسد والتناحر الطبقي. «إنما أموالكم وأولادكم فتنةٌ، والله عنده اجر عظيم» (29- التغابن/15)

ما معنى ذلك؟ معناه تذكير للناس بأن الملكية النهائية للاشياء لله تعالى. من هنا –وكما يورد هذا العالم الكبير- «تقدم القرآن الى التخصيص. فطرح «نظرية الاستخلاف» في الملكية وذلك عصمة للانسان من السقوط في وهم حب المال والتكثّر منه «كلا بل تحبون المال حُباً جماً».

إن الحكمة الالهية أرادت ان تنظم علاقة الانسان بالمال او الثروة. أرادت ضبط هذه العلاقة وارساءها على قواعد واضحة توظف المال في خدمة الأمة، ولا توظف الأمة في خدمة المال كما كان الحال في الجاهلية.

ولا يخفى علينا ان «التناحر الطبقي» الذي تعيشه اليوم المجتمعات الانسانية سببه عبودية الانسان للمال على نحو يهبط بأنسانيته.

إن الحكمة الالهية تدعو الى تحقيق مبدأ «المشاركة» في موارد الثروة الاجتماعية العامة. مبدأ «المشاركة» هذا –مع الاسف- بات غائباً عن مجتمعاتنا.

لقد طالب الاسلام الناس ان يتعاملوا مع الغنى والفقر تعاملاً انسانياً. مبدأ «المشاركة» مبدأ جليل يوفر «العدالة الاجتماعية» للبشر. إنه مبدأ –لو تم تطبيقه اليوم- لما جاع مخلوق او تشرد متشرد!

يقول الامام احمد: حدثنا شُعبة سمعت قتادة يحدث عن مُطرف عن أبيه قال: انتهيتُ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول -ألهاكم التكاثر- يقول ابن آدم مالي، مالي وهل لك من مالك الا ما اكلت فأفنيت او لبست فأبليت او تصدقت فأمضيت. رواه مسلم.

يبقى أن أقول إن الاسلام وهو يدعو إلى «نظرية الاستخلاف» إنما يحث على تطبيق نظام أخلاقي/اقتصادي من شأنه ان يتعامل مع الفقر والغنى تعاملاً حضارياً يقضي على الاستغلال الذي يُمارس بحق الفقراء، لم يفصل الإسلام بين الحياة الروحية وأسسها المادية، ربط بينهما ربطاً وثيقاً.