د. إبراهيم خليل

بدأ إبراهيم السعافين مساره العلمي بدراسة لشعراء «مدرسة الإحياء» من أمثال شوقي وحافظ ومطران. وتناول في خطوة لاحقة «تطور الرواية العربية في بلاد الشام»، فكتب عن جبرا وغسان كنفاني وحنا مينة وتوفيق يوسف عواد وسهيل إدريس وآخرين.. وتابع في مساره المزدوج بين النثر والشعر، فأصدر في العام 1981 كتاباً عن «نشأة الرواية والمسرحية في فلسطين»، وآخر عن «أصول المقامات» (1986)، وثالثاً عن «المسرحية العربية والتراث» دارساً نصوصاً لألفرد فرج، وعلي سالم، ومحمود دياب، وغيرهم...

وتوقف السعافين لدى «الرواية في الأردن» في كتاب استوفى فيه هذا النوع من السرد، فوقف عند غالب هلسا، وتيسير سبول، وسالم النحاس، وزياد قاسم، ومؤنس الرزاز، وما فتئ أنْ أصدر بعده كتاباً آخر على الطريق نفسه، وهو كتاب «تحولات السرد»، وغير بعيد عن هذا ما درسه من روايات جبرا في كتاب سمّاه «الأقنعة والمرايا» (1996).

وفي كتابه «الرواية العربية تبحر من جديد» (2007) يقف بنا السعافين إزاء قضايا في الرواية، كالتلقي، والعلاقة الجدلية بين الرواية والمدينة، والحارة الشعبية، والتقاطع بين السيرة الذاتية والرواية، والتجريب في رواية إميل حبيبي «الوقائع الغريبة»، والطاهر وطار في «الحوات والقصر» و«اللاز».

وفي كتابه «المبحرون إلى أعالي النخيل» (2008) يواصل السعافين تتبع الأصوات الجديدة المنجزة في الرواية، وفي القصة القصيرة، ملتفتاً لأصوات من الخليج، لكن هذا لا يعني انصرافه عن الشعر؛ فقد صنَّف فيه «لهب التحولات»، وهو دراسات في الشعر العربي الحديث.

والتفت السعافين للقصة القصيرة، فكتبَ «الرواة على بيدر الحكمة»، ولم يشغله هذا كله عن النقد، فألّف فيه، وصنّف كتباً، منها «النقد الأدبي الحديث» (1997) و"إحسان عباس.. ناقد بلا ضفاف» (2002) و"شعر محمود درويش»، ونشَرَ نيفاً وخمسين بحثاً ومقالة، في مجلات محكَّمة، وأخرى ثقافية وأدبية، وأسهم في عدد مماثل من المؤتمرات التي قدم فيها أوراقاً وبحوثاً، وهذا النتاج كله ينبغي أن تضاف له كتبٌ كثيرة مشتركة التأليف، إما للتدريس الجامعي، أو للتدريس في مراحل ما قبل البكالوريوس.

على أنّ السعافين لم يهمل طوال هذه المسيرة الكتابة الإبداعية، فألّف المسرحية، وكتبَ شعراً، فصدر له في النوع الأول «ليالي شمس النهار» (1981) و«الطريق إلى بيت المقدس» التي جرى تشخيصُها وعرضُها على مسرح جامعة اليرموك. وصدر له ديوان بعنوان «أفق الخيول» (2005).

التجديد والتأصيل

يأتي صدور ديوان «فتنة الناي» (الأهلية للنشر والتوزيع، 2018) بعد «حوار الحكايات» (2013) إلى جانب «مقام النخيل» (2019)، ليؤكد السعافين من جديد رسوخ قدميه في الشعر بعد أن ثبت له ذلك في الدراسات والبحوث النقدية والأكاديمية. ففيه يبدو مجدداً تارة، ومؤصلاً للملفوظ الشعري تاراتٍ أُخَر. ذلك أنه يعود بنا في قصائد قصيرة متواترة إلى الأسلاف، مستصفياً فيها الإيقاع الموزون السائد في التراث الشعري، وأخرى يتخطى فيها هذا الوزن إلى التفعيلة. وهو علاوةً على ذلك يرجع بنا في قصائده القصيرة ذات الشطرين إلى اللغة الكلاسيكية إذا?جاز التعبير. لغة الشعر القديم الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي وحتى الأندلسي، في أداء ينفي عنه صفة التقليد أو المحاكاة.. إلى أداء يقترب به من حافة التناصّ، بذكره المتكرر للديار، والآثار، ولمن رحلوا وغادروا عالمنا هذا إلى عالمهم الآخر، دونَ أن يفوته ذكْرُ الطلل، والأثر، والربع، والحيّ، والأبواب، والعهد الذي مضى:

«هل ارتضى الربع أنكاساً على مَضَضٍ

واستبدل اليومَ بالأخيار عيارُ

يا دار يا دار ما نمنا على دَخَلٍ

وما طربنا وقاضي الحيِّ زمّارُ».

فهذا النسق يشفّ عمّا يضمره الشاعر من حرص على الجمع بين صوت الشاعر القديم، وصوت الشاعر الحديث المجدِّد، فإلى جانب العشيات، وتفرق الربع، والبوح الشجي، والرحيل، تشجيه صورة الأغنية المبعثرة في دروب الليل، والوحدة التي يجسِّدُها في صورة الراكض منفرداً في الصحراء بعد أن خلت الديار ممن كانوا يعمرونها، وتاه العُمْر جريحاً في الفيافي:

«نبكي زماناً مضى، قد فرَّ من يدنا

والعمر يجري جريحاً في فيافيها».

وفي صورة أخرى يمزج السعافين القديم بالحديث، مزجاً لا يخفى على قارئ أو باحث. فتعبيره «أقولُ لها» نمط من البدايات المتكررة التي تتواتر في الشعر القديم، والفعل الذي يستخدمه ونعني به الفعل «ذريني» في هذا النموذج الشعري، فعلٌ لطالما تواتر في ذلك الشعر، لكن السعافين يستخدم هاتين الطريقتين في الأداء وسط مجموعة من المجازات التي تشهد له بالانفصال عن القديم، والاستقلال بصوته الشعري الخالص: فهو يعزو إلى الليل طرْفاً يغفو، وإلى الرقاد طعماً يجفو الخواطر، وللوسادة خصْراً يطرّزُه بالنجوم والكواكب:

«أقول لها وطرْف الليل يغفو

ويجفو خاطري طعمُ الرقاد

ذريني أنْثُر الدنيا نجوماً

وأزْرعُها على خصْر الوسادِ».

يتجاوز الشاعرُ هذا الأداء لآخر يقتفي فيه أثر القدماء في نسج العبارة، وبناء الجملة الشعرية بناءً يذكرنا بأداء الشاعر الكلاسيكي، ففي الأبيات الآتية لا يغيبُ عن القارئ، ولا يعزب عن ذهن الدارس، ملاحظة النسق النحوي الذي يذكّره بالشعر الجزل المتين، الذي نجده في في شعر الفحول:

«أقول لها والعين تبكي

فهل يا دارُ قد عزموا الرحيلا

فلا والله ما وصفوا شكاتي

ولو ذاقوا الهوى جيلاً فجيلا

تنبئك الديار بسرِّ حالي

وقد لازمتها زمناً طويلا».

فالتراكيبُ (قد عزموا الرحيلا، ووصفوا شكاتي، وذاقوا الهوى، وجيلاً فجيلا، وتنبئك الديار) تراكيب تذكّرنا بالريّق المستحسَن من شعر الجاهليين والإسلاميين، وهذا لا يعني أنَّ شعر السعافين في «فتنة الناي» مشروع وحيدُ الاتجاه، ففيه اتجاهان، والآخر منهما هو السعي نحو كتابة شعرية جديدة طابعها اللافت هو التكثيف المجازي (طقس التضرع، يجتاحني الأمس، يزهر في الروح):

«أغنّي لحلم يجيءُ على غيمة ماطرة

وأرفع كفّي أمارس طقس التضرعِ

يجتاحني الأمسُ فجراً نقياً

فيا وجَع الخاصرة

يقولُ المغني

لكَ الأمسُ يزهرُ في الروح

والغدُ واللحظةُ الحاضرةْ».

ولا يفوتهُ، بينما هو ساعٍ لتحقيق هذه الغاية، وهي الكتابة الشعرية الجديدة، أن يستخدم المفارقة، فيبدو التناقض الظاهري دليلاً على ولادة الحياة من العدم، وانبثاق الضوء من الليل المعتم، القاتم، ولهذا تورق الأشجار على الرغم من جحيم الجفاف، والذبول، واليُبْس:

«حين تشتدّ هجمة الليل والعتم

وتنأى عن الدنا الأقمارُ

ستطلّ الشموسُ من حُلكةِ الغَيْم

خجالى، وتورقُ الأشجار».

ومن قبيل اتكاء السعافين على المفارقة، هذه الصورة التي تنتهي بالتناقض الظاهري لتعبّر تعبيراً قوياً عن الشعور بالوحدة، والشعور بالاغتراب، في عالم تحيط به الكراهية، ويعجُّ بالنفاق، والمداجاة، فلا يجد الشاعر الصادق -في هذا الوسط- مَن يشاطره الإحساس بالألفة والمودة، لذا يفتح عينيه على كثيرٍ ولكنْ لا يرى أحداً:

«ليس لي قبَّة في السماء

ولا أستضيءُ بنار الكراهة، لا

أو أداجي شيوخ البلد

كلهم راحلٌ في الصدى

في رماد المدى

حفنةٌ من زبدْ

كلهم لا أحدْ».

في هذا الجمع الذي هو «لا أحد» يشعرُ المتكلمُ شعوراً قاتلا بالوحدة. يفصخ عنه بفيض من المجازات التي لا تخفى على قارئ، ولا تعزُبُ عن عناية باحث (شرفة القلب، بوح الزهور، ترنيمة الحب، وشْوشَة الناي، صفحة الأمس، عيون الليالي، عزف الرياح):

«أطلُّ على شرفة القلبِ

لا شيء إلا غناء الطيور

وبوح الزهور

وترنيمة الحب فوق الشفاه

وَوَشْوشة الناي بين الشجر

أطلُّ على صفحة الأمس

أين الرفاق مضوا في عيون الليالي

ولا شيء إلا عزيف الرياح

وقصفُ الرعود

وعصفُ المطر».

وتستوقفُ القارئ، من حين لآخر، رموزٌ يستمدّها السعافين من الموروث الأدبي والثقافي. ففي الشاهد اللاحق يذكّرنا الشاعر بالحوار الذي قيل إنه دار بين امرئ القيس وصاحبه في الطريق إلى قيصر الروم، ففي ذلك الحوار ما يؤكد أنهما يحاولان مُلْكاً؛ أي اسْتعادة ملْك الشاعر الضلّيل، ويذكّرنا أيضاً بما قيل عن البرق الذي يومض في السحاب الكثيف المجلل بالسواد:

«أما قلتَ إنا نحاول مُلكاً

وقلتُ ترفَّقْ

ففي الأفق غيمٌ كثيفٌ

وفي الريح طعْمُ الشتاءْ».

ومما يلاحِظُه الدارسُ على «فتنة الناي»، إلحاح الشاعر على الرحيل مثلما يكثر إلحاحه على العودة. فهما هاجسان يجسدان ثنائية تكاد تنتظم قصائد الديوان، وتجعل منها نصوصاً بعضُها يمتزج في بعض. وها هو ذا يلحّ في إحدى القصائد على الراحلين أن لا يرحلوا، وأن يعزفوا عما اعتزموه:

«أيها الراحلون إلى النخل

لا تسرجوا الخيل

ظلوا قليلا

هنا الغابُ يغفو

وتغفو السنابل حزنا

إذا الوعد غاب، وغبتم

وتبقى النوارس في لجَّة الانتظار».

وديدنُ الشاعر، وهو يأبى الرحيل، التلويحُ بالعودة، فهي أمنيته التي لا تفتأ تتكرَّرُ في غنائيّاته، عودة ترجع به، وبأحبته، إلى الزمن الجميل، والمكان الدافئ، الحميم، والضحكة المجلجلة، وهدوء الروح الذي لا يتحقَّقُ إلا بالرجوع إلى الوَطن:

«فهل نستفيق من الأمنيات

على لحظة من بقايا الزمان

نراجع أحلامنا

ونقود الزمان إلى ضحكة في الجليل

وهل تهدأ الروح يوماً

فنبني مسارحنا في جبال الخليل».

والتطلُّع إلى العودة، وإلى تحرير الوطن، في الخليل، أو الجليل وغيرهما، يحتاج إلى نضال، وإلى كفاح، ولا يكفي فيه الحنين الذي ينادي الحنين. ولهذا لا يجد الشاعر السعافين خيراً من قوله على لسان المتكلم في واحدة من قصائدة:

«ما سئمت العمر ما أروي

من القول المباحِ

لن تراني أيها الليلُ

وهذي الريح تدوي

كاسف البال

ولن يذوي كفاحي».

وتتوافق صورة المكافح -ها هنا- مع صورة أخرى نسجها الشاعر من فتات الواقع في غزة، تلك المدينة التي تبدو له في إهاب الخيمة تارة، والغيمة تارة، والعباءة تارة، والراية تارة أخرى في زمن تساقطت فيه جل الرايات:

«يا غزة أنت الخيمة، والغيمة

أنتِ عباءة هذا الجيل،

وأنت الراية، والرايات تساقط

في عهد الأبرهة، وزمان الفيل،

هل قدرٌ أنْ نسجد للذل،

ويُسرق منا قلبُ النيل.

يا عراف القرية قل لي:

هل قدرٌ أن تسرح في خارطة الدنيا

إسرائيل؟».

ومثل هذه الصور المتواترة تفصحُ عن رؤية السعافين لأيقونة المقاومة، وهي رؤية تنْسجمُ مع أصراره على لسان المتكلم في إحدى القصائد إصراراً شديداً على النضال والكفاح، وعلى العودة وبناء المسارح في الخليل. لا بل على العودة للجليل أيضاً. فشاعرنا الذي يُكثر في فتنة الناي من الرحيل لا يفتأ يتشبث بالعودة، وبوحدة التراب الفلسطيني، وهذا واضح في غير صورة من صورة، وفي غير قصيدة من قصائده.