أحمد الشيخاوي

بكتابةٍ منفلتة، يبصم الروائي التونسي نصر سامي أرقاً جديداً ويولّد قلقاً إضافياً في الممارسة الإبداعية. وهو إنما يفعل ذلك بوصفه مبدعاً مجدّداً وظامئاً للأساليب المبتكرة والتي تغذّي فضول الكائن عبر تحولاته وتقلباته، استجابةً لشروط مقامرة كونية، باتت أميل إلى الفوضية كأنما طبعها من طبع ارتباك العصر ومهزوزيته، فهي بذلك أشد التصاقاً بما يربط بالأنساق التقليدية المترعة بمفردات القشيب. وفي روايته «العطّار» (الآن ناشرون وموزعون، 2019)، يبدو نصر سامي متمرداً بالكامل على النص الكلاسيكي ومضايقه، بالقدر الذي يتمكن فيه من تفادي فخاخ التجريب، انجذاباً إلى آفاق الكتابة الذهنية الخالصة التي تعفي من مطبّات ذلك، داعياً المتلقي إلى القيام بدور تشاركي تفاعلي، عوض الاكتفاء بالوظيفة الفرجوية والحياد السالب. رواية «العطّار» منجَز يعكس عنفوانه، عمق شخوصه وموضوعاته وثراء زمكانيته، كما الطبيعة التأملية لسارده المباهي ببطولة تتناسل وتتعدّد، بحيث ينوّع في فصول الحكاية ويلوّنها بفروع فوقية المثقف الذي يعاف نسْخَ الواقع واجتراره، على نحوٍ جليّ يضيء العديد من محطات دوائر الوجع الإنساني المتكرر فينا، مثلما فاضت به ذاتُ جمال الدين العطّار كزيرٍ في حقبة ما، ذيّلها بحياة التصوف. صحيح أن الكثير من الدم في عروق أنساق هذه الرواية، ضخّته الإيروسية التي تبدو ظاهرياً مغالية في تقديس الجسد، بيد أن المسألة ضمنياً، تبرهن على الانتصار للروح المجلودة والنازفة بانكساراتها واغترابها. في مناسبةٍ من قسم يجرد نعيم جمال الدين العطّار، داخل حدود فرودس الأنثوي، تقول الذات الساردة، في ما يشبه اللوثة الهذيانية: «وسمع الإله الفتى مطالبها تلك، فأطرق متألماً، ثم استمهلها ثلاثَ ليال، وراح يجوب الفضاء، يحدوه الشوق، يصغي إلى نسمات المروج ونفحات الزهر، ويسيل مع الشمس على الروابي. ثم أتاها، فظنته جاءها معتذراً. فقال: (لقد وجدت ما تطلبينه). ثم أخرج خيطاً قصيراً بلون التراب ودقّة الشعر. فاغتاضت منه، وصاحت به: (أتسخر مني؟). فأجاب: (رويدك، يا ربّتي، لا تتعجلي). ثم شدّ خيطه إلى آلته ودغدغه صامتاً خدراً. فغاضت خمور وسالت دموع وشقّت بروق ولاحت صور فصاحت به وهي مدهوشة ألا إنّ ذا عالم مختصر. ثم نظرت، فرأت شيئاً كالخيط بين أصابعه منثنياً وقصيراً. فسألته: (ماذا يسمّى؟). فقال لها: (إن هذا وتر)». هي موسيقى الكينونة إذن... والمتصادية مع معاناة الكائن المركّبة. فما صولات العطّار وجولاته، في قاموس الجسْدنة والمائيات والتعشُّق، إلّا ضربٌ من وجودية قلِقة مضطربة. هذه الكتلة البشرية تحقنها آيات الملائكية، قدرَ ما تلغُ في لبّها وصايا الشيطنة والشرور، كون لا شيء ثابت وعلى أصله، ويقبع نزوع النفس رهين تلك العمليات المتسمة بإملاءات الحالة التي تفرض تواصلاً بحسب الضرورة وما يقتضيه المشهد الآني العجول، تبعاً لدربٍ تفرشه الورود والغوايات مجتمعة أو متفرّدة، بختمها الأنثوي القاهر، كوسيلة لتخديرٍ مقصود، يتم عبره استهداف النرجسية المقموعة بالدورة النّزوية وجبروتها. إنّ نسوة إمبراطورية العطّار، تعكس حربائية ذوقه المصطبغ بفحولة المقنَّع بذاتين متضاربتين: مهرّب يعلم علم اليقين أنّ عالمه إنما تصنعه وفرة المال والثراء الفاحش، الذي قد يمكّنه من الاتجار بكل شيء تقريباً، ومن جهة ثانية، اصطناع صفات نبي مبجّل، ما يعطيه الغطاء اللاهوتي، ويضفي الشرعية على ماهيته الوسخة والنابضة بالوضاعة والسادية والإجرام. هكذا تسبح طقوس الرواية، وفق موجات ترحال العطّار في حياة موازية، تنسج بعضَ ملامحها إرادةُ القفز فوق آدميتنا المحدودة والناقصة والمتوقفة على توليفة النوعين وتكامليتهما وتناغمهما. إنه حلّ الكتابة كمعادل للوهم الذي نسجن فيه، طائعين، أنفسَنا، معتقدين أننا نثأر من هويتنا الوجودية غير المكتملة. نطالع للسارد، في موقف دالّ على الدور الوازن لإحدى شخصيات البطولة في الرواية، وهي الزوجة التي أحبها العطّار كأشد ما يحب رجلٌ امرأةً غير عادية، فهي مَن سترتّب أوراق عمر هذا السندباد في خريفها وآخر عهد تساقط وريقاتها، مانحةً بذلك، نموذجية الأنثوي، ومسهمةً في خلق تبادل الأدوار، وقلب المعادلة رأساً على عقب. يقول السارد: «الإحساس المقيت بالعظمة كان ينغل عظام جمال الدين، والجرار المليئة بالرمز ما تزال كعادتها منذ أودعها الأوائلُ مخبوءة في مدى نظراته، والأطُر الجصّية المتجاورة، كانت تتعالق، وتنثال على الطرف الأيمن للبيت، وعلى الدرجات الحجرية الرّطبة. كان غريباً.لم يفتح كتاب مذكّراته القديمة في أيامه الأخيرة كعادته. لم يردّ على تحيات المجرّات التي نبتت لها أفواه صغيرة. لم يفتح أزرار قمصانه لأصابع النور السّاقط من أطُر الجصّ. ولم يلتفت أبداً لصديقته الظلمة التي كانت أسنان النور تحفر في جسدها جراحاً غائرة. حتى صراخ الأعشاب المك?ورة كان يدخل البيت بأحذيته القمرية، ويتسلل من تحت الساتر المخمليّ المشدود إلى السقف، ويصعد فوق المقاعد اللّوحية المحيطة بالموقد، المحاط بآجر مائل إلى الصفرة، وبأجزاء من حجر الغرانيت الأسود، ويمّحي ببطء». حتى ليقع التباس، بمثل هذه الثقافة، وهي تتماهى مع صياغات الاستثمار الذكي للموروث الإنساني، فتنساب مع تيار المرويات الشفاهية، معتمدة كلياً على خطاب مغرق في التأملات والغيبوبة الصوفية، بما يحقق، ربما، انتقاماً للذات من الأنثوي، أو انتقاماً من الذات المختنقة بقوالبها، والصارخة بنقصان وسلبية وأنانية هذا الصلصال الملبَّد بأحاسيس مرواغة ومزاج متقلب، كما لو أنها مسرحة حياتية تميط الستار عن بشرٍ ما أسرع ما ينسلخون عن فطرتهم، زيغاً إلى لغة الهمج، واستسلاماً لنعرة البهيمية المنوَّمة في الأعماق، معطّلين بذلك سائر مشات? الإنسانية والنضارة والجمال، ومن ثم اصطباغ صحراء عبورهم بالمطامع وشلالات الدم، وقسْ على ذلك، ما يذبح هوية الهشّ والناعم ذبحاً يقود إلى انقراض وشيك وقيامة معجّلة. بعض مقصديات ذلك، يصنعها الاستئناس بأجواء البورنوغرافية، الجارية بها شرايين الرواية، كضربٍ من كوميديا ساخرة، توبخ الاستعباد والتملّك، مثلما تحرّض على محاولات الانصهار في خرائطية المشترك، واجتراح أدائية التكامل والامتداد، بمعزلٍ عن منطق الحيازة والإقصاء. لذا، وتأسيساً على ما تقدّم، نلفي هذا العمل أنأى ما يكون عن السرديات المتقادمة، كما أنه غير والج في فكر التجريب، ولا هو واقع بين الحدّين. إنما يمكن القول إنها ممارسة ذهنية، بامتياز، تسكنها روح الشعر، وتهيمن على متونها قواعد شعرنة تفاصيل الواقع، وبذلك فهي نبوءة من نوع ما، متشبّعة بنثار الماضوي وراشقة بفلسفة الاسترجاع المغربلة لرواسب الذاكرة. هي رواية المنفلت الناهض على خلفيات التأمّل، رُسمت حواشيها بحنكة وإتقان، وخضعت لحبكة، وتمّ التحكم بخيوطها الناظمة على نحوٍ ينمّ عن وعي وجودي كبير. هي كتابة عبّرت عن جهد مضاعف، وانشغلت بسماوات البياض الممتد والمغري بإرهاصات الوسائطية وتخمينات تشاركية المتلقي، ومدى تفاعلاته مع مثل هذا النمط السردي التعبيري الباذخ، وإن جدّفت ما بين ضفتين، للحضور الضدّي وقد سجّلته الشهوانية والتصوّف. • شاعر وناقد مغربي