كنت قد تحدثت في مقال سابق عن طبيعة النظام السياسي للدولة اللبنانية، القائم على التوزيع الطائفي، وكنت قد ذكرت أن نجاح الثورة في لبنان مرهون بوجود قيادة موحدة تمثل الثوار من كافة الأطياف العرقية والسياسية، ليس لها أي إنتماء حزبي عقائدي، ولكن هل يكفي ذلك لنجاح التغيير المطلوب؟، أعتقد أن المشكلة أكبر من ذلك بكثير. فالدولة اللبنانية وإن كانت في ظاهرها دولة مدنية مكتملة الأركان، ولها سيادة داخلية إلا أنها تخضع وبامتياز لمبدأ (المحاصصة) ما بين المكونات الطائفية والانتماء المذهبي الخارجي. ولقد عرَت الثورة بل (الانتفاضة) الشعبية اللبنانية ما يسمى بالمقاومة المسلحة التي تخضع لحزب الله المسلح، والأكثر نفوذاً والممثل للشريحة الأكبر من الطائفة الشيعية، التي تسيطر على جنوب لبنان. فمعارضة هذا الحزب للانتفاضة تنبع من موقف عقائدي، فالمطالب المعلنة من قبل باقي فئات الشعب اللبناني على اختلاف انتماءاتهم تعني في نظر حزب الله انتحاراً سياسياً وجودياً، فالحزب يعتاش ويستمد قوته ونفوذه من الوضع الحالي المبني على الطائفية، لذلك كان خطاب زعيم الحزب المشكك والمنسجم مع الخطاب الإيراني الموجه للثورة سواء في لبنان أوالعراق، والذي يتهم به جهات خارجية، بمثابة رفض قاطع لكافة مطالب المتظاهرين. فالعودة إلى الدولة المدنية ومحاسبة الفاسدين واستقلالية القرارالسيادي للدولة، يعني مناقشة أسباب وغايات شرعية وجود وبقاء ما يسمى بالمقاومة بلبنان، والمليشيات في العراق, التي تدين بالولاء وتمارس دورالذراع العسكري لإيران في المنطقة. فما هي إذن المصلحة الوطنية في تواجدها؟ وضد من؟ وإن كان هناك تهديد، فالأصل هناك جيوش وطنية هي المسؤولة عن الدفاع وحماية الوطن.

إن المشكلة الأكبر في هذا الصدد ليست في وجود حزب الله في لبنان أو المليشيات في العراق, التي تمارس مفهوم (دولة في داخل دولة)، وإنما في الانتماء العقائدي الأعمى، والقناعة المطلقة من قبل الغالبية العظمى من إتباع المذهب الشيعي بما يقوله زعماء هذا المذهب, بما فيهم حسن نصر الله بأن القضية قضية وجود (نكون أو لا نكون) وأن القبول بما هو مطلوب يعني إعتداءً عليهم وعلى حقوقهم المكتسبة، وعلى إيمانهم المذهبي القائم على فكرة (ولاية الفقيه). لذلك قام أتباع الحزب باستعراض قوتهم وبالاعتداء على المتظاهرين، ورفضهم لاستقالة الحكومة التي أعلنها الحريري تجاوباً مع إرادة الشعب، واعتبروا ذلك بمثابة ضربة للمقاومة. ولكنني أعتقد أن هذه الانتفاضة, وإن كانت عاجزة عن التغيير المطلوب، إلا أنها خرجت بمكاسب عديدة أولها: أنها قد عرت وفضحـت أمام العالم أن أكبر معيق لاتفاق اللبنانيين هو (حزب الله)، وأحرجت وعرت حلفاءهم من أتباع المذاهب والأحزاب الأخرى المتحالفة معه. وكذلك قد فضحت النخبة السياسية الفاسدة، التي كانت تدعي الوطنية، وكانت تركض وراء مصالحها المادية.