أدت السياسات المالية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة الى انكماش اقتصادي كبير كان من ابرز تجلياته التضخم بأعلى معدلاته حيث اثر ذلك على القوة الشرائية للمواطنين عموماً, بعد ان تعاظمت النفقات العامة كأداة من ادوات السياسة المالية, بسبب ارتفاع رواتب البعض في الدوائر الحكومية ومضاعفاتها في الوحدات المستقلة بالاضافة الى مظاهر الفساد التي اصبحت افقية بعد ان كانت لبعض عقود عمودية حيث اصبحت الكثير من المشاريع الحكومية اكثر عبئاً على الموازنة واصبح الهدر في نفقات اخرى سمة من سمات الادارة الحكومية بشكل عام مترافقاً ذلك مع الترهل الذي اصابها مما انعكس على خدمات اقل وبطالة مقنعة اكثر, كل ذلك فرض ذاته على القطاع الخاص الخزان الحقيقي لواردات الحكومة التي تشكل الضرائب ما يزيد عن (72%) منها مما أدى الى ارتفاع كلف السلع والخدمات مع ثبات الدخول وهذا بدوره ادى الى ارتفاع معدل التضخم والى مزيد من المعاناة لمختلف القطاعات وخاصة الموظفين العموميين.

في ظل اعتداء صارخ على الوظيفة العامة من حيث رواتب العاملين في الوحدات المستقلة التي اصبح العاملون لديها يتمتعون برواتب تزيد بأضعاف عن رواتب موظفي الوحدات الحكومية بالاضافة الى شيوع موضة العقود التي هبطت على موظفي الوحدات الحكومية غير المستقلة لمصلحة ابناء الذوات مما فاقم من ازمة الثقة بالدولة ومؤسساتها وغيّب العدالة التي اصبحت عاملاً مهماً من عوامل عدم الاستقرار في هذه الوظيفة خاصة بعد ان اصبحت القلة القليلة تحصل على رواتب وامتيازات ومكافآت كبيرة عمقت من الفروقات الوظيفية والطبقية بين الموظفين على حدٍ سواء.

لقد تعرض الأردن خلال العقود الثلاثة الماضية الى ادارة سياسية/ اقتصادية مؤمنة بالنهج الذي اعتمدته تاتشر في نهاية السبعينيات من القرن الماضي ونيكسون في بداية الثمنينات والقائم على كف يد الحكومة في التدخل في شؤون الاقتصاد وترك اليد الخفية في ادارته بتعظيم دور القطاع الخاص في ادارة الشأن الاقتصادي مع تخلي الحكومة عن ملكيتها في المشاريع الاستثمارية الانتاجية الكبرى وتحقيقاً لذلك تم تعديل التشريعات خاصة منها ما يتعلق بالوظيفة العامة والادارة الحكومية عبر الوحدات المستقلة او من خلال التشريعات الضريبية التي احلت الضريبة غير المباشرة (المبيعات) كمورد رئيسي للخزينة وتقليص حصة الضريبة المباشرة (الدخل) من واردات الخزينة خدمة للاغنياء من اشخاص طبيعيين او معنويين وتنفيذاً لما ورد في برنامج التصحيح الاقتصادي الموقع مع صندوق النقد الدولي للسنوات (1994 – 1996) حيث كانت ابرز النقاط على جدول اعماله اصدار قانون الضريبة العامة على المبيعات, ترافق ذلك على الصعيد السياسي باقرار قانون الصوت الواحد الذي جرت بموجبه انتخابات 1993 التي افرزت مجلساً للنواب اقر قوانين الحزمة الاقتصادية المتوافقة مع هذا النهج وتوّج ذلك بإقرار اتفاقية وادي عربة التي ساهمت مع الاسباب السابق ذكرها الى ايصالنا الى هذا الواقع الذي تنزف فيه ملفاته السياسية, الاقتصادية والاجتماعية.

تمشياً مع ما سبق تم العبث بالوظيفة العامة وتم اقرار قانون الخصخصة وقوانين الوحدات المستقلة وانظمتها ترافق ذلك مع فتح دوائر الدولة المختلفة للمؤسسات الاميركية والاوروبية تحت عنوان تطوير الوزارات الخدمية كالتعليم, الصحة, النقل, المياه والكهرباء حيث نتج عن ذلك رفع الرسوم والكلف والاسعار المتعلقة بهذه الخدمات وهذه السلع حيث قامت هذه المؤسسة بالاستعانة ببعض المهنيين الاردنيين المؤمنين بالنهج سالف الذكر مؤسسين لطبقة من المنتفعين, الذين لهم مصلحة مع نشاط هذه المؤسسات والتي وجدت ان التعاون واستمرارية العلاقة مع الغرب على وجه العموم والولايات المتحدة الأميركية الأكثر دعماً للأردن على وجه الخصوص وسيلتنا للنهوض!؟

في نهاية عام 2010 بادر ديوان الخدمة المدنية برئاسة السيد مازن الساكت وبمساعدة الامين العام للديوان سامح الناصر الى مواجهة هذه التحديات المتمثلة بالاعتداء على الوظيفة العامة وواقع الوحدات المستقلة وبعد دراسة عميقة وافقية توصلت هذه المحاولة الى معالجات مهمة للثغرة التي يعاني منها موظفو الخدمة المدنية والوحدات المستقلة من خلال تقليص الفروقات بين رواتب وامتيازات هؤلاء والحاق الوحدات المستقلة للوزارات المعنية او بتقليص الرواتب فيها وبما يتفق مع نظام الخدمة المدنية, الا ان الجهات المتضررة من هذه المحاولة وقفت امام هذا المشروع الذي عرف (بالهيكلة) هيكلة الرواتب في الوحدات الحكومية والوحدات المستقلة الذي كان هدفه الرئيسي توحيد نسب العلاوات بين المهنيين وجعل الفروقات ما بينها مرتبطاً بالاداء والانتاج والخدمة والندرة وغيرها من المعايير والهدف كان دائماً العدالة مع الدعوة لاعادة الوحدات التي انتجتها حقبة ما بعد التسعينات الى الوزارات ذات العلاقة.

نعم اجهض هذا المشروع وكلف الموازنة مبالغ طائلة وصلت الى (400) مليون دينار سنوياً بعد ان اعلن ديوان الخدمة المدنية ان كلفتها لا تزيد عن (79) مليون دينار ومن الجدير ذكره ان بعض النقابات لعبت دوراً رئيسياً في تعطيله بعد ان اصّرت على نسب علاوة تعتقد انها من حقها لاهمية الدور والتنظيم الذي تقوم به على صعيد المجتمع والدولة على حدٍ سواء وانسجاماً مع شيوع مظاهر تحقيق المصالح الخاصة التي سيطرت على سلوك الكثير من التنظيمات الاجتماعية والمهنية المختلفة.

إن قضية الإصلاح التي ننشد تحتاج الى روافع وادوات تنظيمية قادرة على التأثير على القرار, خاصة قرار انتخاب ممثلي الشعب الذين هم من يعطي الشرعية للقوانين التي تهدد العدالة وتنتصر لطبقة على حساب طبقة اخرى وتعيق من إيجاد مجتمع الإنتاج, التكافل وسيادة القانون.