وفق دراسة جديدة وباهرة، يبدو أن أخذ دواء يزيد مستويات الهيستامين في الدماغ قد يُحسّن الأداء في اختبارات الذاكرة الطويلة الأمد.

يؤدي الهيستامين أدواراً متعددة في الجسم. يشتهر بشكل أساسي بدوره في جهاز المناعة، لكنه يسهم أيضاً في تنظيم وظيفة الأمعاء ويؤدي دور ناقل عصبي. لكن الأدوية التي تُخفّض مستوياته، أي مضادات الهيستامين، شائعة على نطاق واسع نظراً إلى دورها في التفاعلات المرتبطة بالحساسية.

في المقابل، تبقى الأدوية التي تزيد مستويات الهيستامين أقل شيوعاً، لكن يصفها الأطباء أحياناً لمعالجة الدوار.

مع ذلك، تكشف أحدث الدراسات أن الأدوية التي تزيد مستوى الهيستامين تزداد شيوعاً.

الهيستامين والذاكرة

خلال العقود الأخيرة، أثبت الباحثون وجود رابط مثير للاهتمام بين زيادة مستويات الهيستامين وبين تحسّن أداء الذاكرة. لكنهم لا يفهمون بالكامل حتى الآن طبيعة التفاعل الحاصل.

يأمل الباحثون بأن يتمكنوا من استكشاف طرائق مبتكرة لمعالجة المصابين بخلل في الذاكرة، مثل الخرف، من خلال دراسة التفاعل القائم بين العاملَين.

بدأت دراسة جديدة تكتشف بُعداً مختلفاً من هذه الظاهرة. أراد العلماء أن يفهموا طريقة تأثير الهيستامين في الذاكرة طويلة الأمد. كان فريق البحث برئاسة الأستاذ يوجي إيكغايا والدكتور هيروشي نومورا من جامعة طوكيو في اليايان. ونُشرت النتائج في مجلة «الطب النفسي البيولوجي».

للتحقيق بالموضوع، استعان الباحثون بـ38 رجلاً وامرأة، وكانوا جميعاً في منتصف العشرينات من عمرهم. طلبوا إليهم أن يحفظوا صور أغراض يومية، كساعات المعصم والنظارات.

بعد بضعة أيام، اختبروا المشاركين. عرض الباحثون أمامهم بعض الصور الأصلية مع مجموعة لم يشاهدوها سابقاً، ثم طلبوا إليهم أن يحددوا الصور التي شاهدوها خلال الجلسة الأولى. وبعد مرور بين سبعة وتسعة أيام، اختبر الباحثون المشاركين مجدداً. لكن قبل التجربة، أخذ المشاركون هذه المرة دواءً وهمياً أو دواءً يزيد مستويات الهيستامين في الدماغ.

تحسّن ملحوظ

كما كان متوقعاً، انعكس الهيستامين إيجاباً على علامات اختبار الذاكرة التي حصدها بعض المشاركين. بالنسبة إلى أصحاب أضعف ذاكرة، ساعدهم الهيستامين على معرفة صور تفوق تلك التي تعرّفوا إليها خلال الجولة الأولى من الاختبارات.

يُشار أيضاً إلى أن الهيستامين نجح في تحسين الذاكرة طويلة الأمد وحدها، فيما لم يُحسّن أي قدرات معرفية أخرى. لكن توصّلت الدراسة إلى نتيجة مثيرة للاهتمام، فقد عرض الباحثون صورة محددة على المشاركين. وبعد بضعة أيام، لم يتذكر هؤلاء أنهم شاهدوا تلك الصورة. ثم بعد مرور أسبوع تقريباً، غداة تلقي العلاج بالهيستامين، عادوا وتذكروا أنهم شاهدوا تلك الصورة.

يقول يوجي إيكغايا: «بالنسبة إلى أي طلاب يفكرون باستعمال هذا الدواء لمساعدتهم في الدرس، لا بد من تحذيرهم حول ضرورة حماية صحتهم أولاً، ويجب أن يعرفوا أيضاً أننا لم نختبر بعد مدى قدرة هذا الدواء على مساعدة أي شخص على تعلّم معلومات جديدة أو حفظها».

لم يسجّل بعض الأفراد تحسناً مماثلاً. بل سجّل الأشخاص الذين حصدوا أعلى العلامات في اختبارات الذاكرة التي سبقت أخذ الدواء تراجعاً في مستوى الأداء بعد علاج الهيستامين.

كذلك، وجد جميع المشاركين، سواء حصدوا علامات عالية أو متدنية، صعوبة إضافية في تذكّر الصور بعد زيادة مستويات الهيستامين، علماً بأنهم كانوا تذكروها بسهولة أكبر خلال التجارب التي سبقت أخذ الدواء.

يظن الباحثون أن هذا التناقض المفاجئ يرتبط بظاهرة «الرنين العشوائي».

الرنين العشوائي

إذا كانت الإشارة أضعف من أن يرصدها جهاز الاستشعار، فقد يسهم الرنين العشوائي في تقويتها. يعمل هذا الرنين عبر إضافة ضجة بيضاء إلى الإشارة. يتردد صدى الترددات الخاصة بالإشارة الأصلية مع الضجة البيضاء، فيرفعها فوق بقية أجزاء تلك الضجة، ما يُسهّل رصدها.

يظن إيكغايا وزملاؤه أن الذاكرة تعمل بطريقتين: أولاً، إنه نظام «رقمي» (نعم أو لا)، من ثم يمكن استرجاع الذكرى أو عدم استرجاعها.

ثانياً، يمكن أن يخزّن الدماغ المعلومات على شكل انحدار تدريجي: لا تنشط الأعصاب إلا حين تبلغ مستويات النشاط عتبة محددة. قبل بلوغ الأخيرة، لا يمكننا أن نتذكّر. لكن بعدما تتجاوز المستويات تلك العتبة، يمكننا أن نتذكر!

يظن العلماء أن الهيستامين يدفع الانحدار التدريجي إلى ما بعد النقطة التي تجعل الخلايا العصبية نشيطة. بهذه الطريقة، يمكن الوصول إلى الذاكرة الخامدة، أي الذكريات المُخزّنة التي نعجز عن بلوغها.

في المقابل، إذا كانت الذكرى فوق مستوى الانحدار التدريجي أصلاً، ستؤدي زيادة كمية الهيستامين إلى إنتاج ضجة أعلى من اللزوم، وسيعوق النشاط العصبي الإضافي حينها عملية استرجاع الذكرى.

تحسّن واضح لدى القوارض

في جزء آخر من التجربة، حلل الباحثون نماذج من الفئران. إذا حصلت الفأرة على لعبتين (واحدة مألوفة وأخرى جديدة)، كانت تفضّل اللعب بالجديدة. لكن بعد مرور ثلاثة أيام، نسيت الفأرة أيهما هي اللعبة الجديدة ومنحت اللعبتين معاً المستوى نفسه من الانتباه.

إزاء هذه المعطيات، عالج الباحثون الفئران بدواء واحد من أصل دواءين يزيدان مستوى الهيستامين: الثيوبيراميد أو البيتاهيستين.

بعد العلاج، لم تنسَ الفئران الألعاب الجديدة خلال ثلاثة أيام، بل تذكّرتها لفترة وصلت إلى 28 يوماً. لكن لم يدم ذلك الأثر في الذاكرة فترة غير محدودة: في اليوم التاسع والعشرين، عادت الفئران لتتعامل مع جميع الألعاب وكأنها جديدة.

وحين راقب الباحثون أدمغة الفئران، لاحظوا أن مستويات الهيستامين كانت مرتفعة بشكل خاص في منطقة القشرة المحيطية. ترتبط هذه المنطقة الدماغية بمعالجة المعلومات الحسية والإدراك، وتُعتبر محورية بالنسبة إلى الذاكرة.

صحيح أن هذا المجال البحثي لا يزال جديداً نسبياً، لكن يأمل العلماء بأن يعطي آثاراً على نطاق أوسع. قد يسمح فهم طريقة تأثير الهيستامين في الذكريات بابتكار علاجات لمرض الزهايمر وأنواع أخرى من الخرف.