في ذاك المساء كانت خيبتها به بحجم العمر لتكف عن انتظاره كما فعلت دوما وهي التي لم تتوقف يوما عن انتظاره محملة بقدر كبير من اللهفة والانتظار.

في ذاك المساء كان مقعده أمامها فارغا لأنها لم تعد تريده بحياتها رغم إدراكها أنها لا تستطيع أن تنتفس إن لم يكن بأيامها.

في ذاك المساء أدركت أشياء كثيرة يبدو لها أن الحب يخفيها عن العاشقين يخبئها في مكان آخر كي لا يرونها وينسحبون بهدوء من قصص الحب التي لا أمل لها بالاستمرار تجعلهم هذه الاشياء غير مدركين لما يقدمون عليه محلقين بعالم من الحب واللهفة الموجعة والانتظار ليدركوها في وقت ما بعد أن يكون ذاك الحب قد استنزفهم.

في ذاك المساء كان ألمها على ذاتها كبيرا بعد أن أدركت كم هي موجعة الخيبة التي تأتينا ممن نحب ممن استوطنوا القلب والوجدان وباتوا أقرب إلينا من الروح.

هي وحدها من تحترق للابتعاد..

.. هي وحدها من خاضت حبا، كان عليها أن تعلم من البدايات بأنه لن يمنحها في النهايات سوى تلك الخيبة لكنها لم تفعل شيئا سوى الاستمرار به.

هي امرأة ليست ضعيفة ولم تكن تعترف بالحب الذي يجلب إلينا الألم لم تنتظر إنسانا قبله ولم تعش لأحد قبله لكنها لم تتمكن من مقاومة ذاك الحب الذي تغلغل في أعماقها شيئاً فشيئاً ليهزمها من أعماقها...

في البدايات لم تكن تنتظر شيئا سواه كانت اللحظات التي تجمعهما سوية تضفي على حياتها فرحا مختلفا لا شبيه له...

رغبة بالحياة بكل تفاصيلها ليتغير كل شيء بحياتها ويصبح محكوما بهذا الحب رغم إدراكها بأن هذا الحب يعيش على الانتظار على سرقة لحظات ما من أعمارهم من أيامهم غير قادرين على إبقائها مستمرة

في ذاك المساء توقفت عن الانتظار لأنها أدركت بأنه لن يكون بعد اليوم بأيامها وكأنها قد اكتفت من ذاك الحب، غير المكتمل الذي يأتيها في لحظات ويرحل وهي التي لم تعد تقوى على عيش حب غير مكتمل.

في قصص الحب نحن لا ندرك أموراً كثيرة في بداياته نستسلم له لأنه يمنحنا ما نحتاج إليه لكن كلما استغرق في مشاعرنا وقلوبنا نحتاجه أكثر وتصبح لحظات الابتعاد مؤلمة تجعلنا نتوقف قليلا أمام أنفسنا وامام هذا الحب لنكتشف كم ستكون خيبتنا كبيرة إن استمر في قصص الحب تصبح الحقيقة بعيدة عنا وكأننا نرسم عالماً مختلفاً عن الواقع لنحيا به بكل تفاصيله دون أن ندرك ما ينتظرنا من ألم للقلب.

لم تكن تعلم هي بذاك المساء أي حياة ستحياها دون أن يكون بأيامها!

دون أن تنتظره بعد اليوم، دون أن تتوقف عن انتظار أي شيء آخر بأيامها التي بابتعادها عنه ستفقد الكثير من معانيها؟

لم تكن بذاك المساء أقل حبا ولهفة إليه لكنها أصبحت أكثر قربا من الواقع أكثر إحساسا بواقع الحياة التي تعيشها التي منحتها حبا غير مكتمل حبا لم يكن لها في أي يوم من الأيام ولن يكون لكنها رغم كل ذلك.. تعلم جيدا أنه أجمل ما مر بحياتها وأكثر صدقا من أي شيء آخر عاشته اليوم وأمس وفي كل لحظة من عمرها.

في ذاك المساء كانت برفقة خيبتها ووجعها أرادت لنفسها أن تكون أكثر تماسكا وأن تتوقف عن انتظاره ألا تضعف إن عاد.

في ذاك المساء كانت أمنياتها كبيرة بحجم ذلك الحب لكنه لم يكن بجانبها وهي توقفت عن الانتظار لتدرك بأن الحب يأتي أحيانا بالعمر مرة واحدة دون أن يكون قادرا على الاستمرار يعلقنا به ويتغلغل بأيامنا ويرحل تاركا وراءه خيبة توجعنا وتأبى أن ترحل عنا.