يبدو غياب أي تأثير عربي على التطورات الإقليمية والدولية ذات الطابعين الجيوسياسي والاستراتيجي, اللذيْن يُنذران بتحولات دراماتيكية في موازين القوى ومعادلات التحالفات والاصطفافات, وما سيسّتقِر عليه مشهد المنطقة العربية خصوصاً بما هي محور الصراع, والأرض والأجواء والمياه التي تدور عليها معارك الكَرّ والفَرّ بين القوى الكبرى.. الدولية والإقليمية على حدّ سواء.

نقول: يبدو الغياب العربي ملموساً وخصوصاً كارثياً, إن لجهة انعدام التأثير في ما يجري حواليهم وعلى تخومهم وفوق أراضيهم, أم لجهة فقدان البوصلة وعدم امتلاك القدرة (وانعدام الرغبة) لتحديد «المحور» الذي يريدون الإلتحاق به أو طلب حمايته أو حتى اختيار الحياد, بعد أن فقدوا أوراقهم وباتوا مكشوفين في الداخل والخارج على حدّ سواء.

للمرء أن يُلقي نظرة على ما يجري في ساحات عربية عديدة, من حروب ونزاعات واحتجاجات وتدخّلات, تندرج كلها في اطار الإزدراء الذي تنظر به عواصم الإقليم «الكبرى» وعلى رأسها تل أبيب وأنقرة إلى الدور العربي الرسمي, سواء من خلال «جامِعتِه» التي لا تجمَع, أم من خلال كل نظام عربي على حدة، الأمر الذي يتبدّى في العربّدة التي تمارسها الدولتان.. الأولى في تصريح نتانياهو المُستفِز قبل يومين, والذي قال فيه: إن الدول العربية لم تعُد ترى في إسرائيل عدواً لها. تصريح لم يجد ردّاً أو نفيّاً من أي عاصمة عربية، فيما الثانية تستبيح الأراضي السورية وتُمارس حملات تطهير عِرقي بحق سكان الشمال السوري, وتبني القواعد العسكرية وتدفع بمزيد من الأرتال العسكرية, ويقول مسؤولوها: إن قواتهم لن تغادر الأراضي السورية قبل ضمان أمن بلادهم. وهي عِبارة مطاطة كتلك التي قالها بولنت أجاويد في العام 1974 عندما غزت بلاده جمهورية قبرص وأقامت فيها حكومة كرتونية, لم يعترف أحد بها وما تزال جحافلها تحتل تلك الجزيرة حتى الآن.

هل قلتم إيران؟

نعم وهي دولة إقليمية كبرى أيضاً، لها مشروعها واستراتيجيتها التي تتفاوت الآراء في تقييم خطرهما، إن لجهة القراءة ذات المنحى الطائفي/المذهبي الذي يطبَع معظم المواقف العربية، أم لجهة التخوّف من قدرتها على اختراق المزيد من الساحات العربية وتأمين أنظمة ومجموعات تدعم توجهاتها وتنخرط في مشروعها، الأمر الذي تواصَل منذ العام 1979، حيث تذبّذبَت المواقف العربية من طهران, وبدت متناقضة ومتضاربة وانتقائية, انتهت بتحقيق إيران مكاسب استراتيجية, فيما راوَح العرب في المربّع الذي لم يُغادروه ضجيجاً وصخباً وإعلانات عنترية, دون قدرة على بناء قوة ومواقِف يأخذها الآخرون في الحسبان.

ليس أدل على نجاح طهران في جذب «كِبار» إلى صفها, هي تلك المناورات البحرية المُشتركة التي ستجري في مياهها الجنوبية في الخليج مع البحريتين الروسية والصينية مطلع العام الجديد, بكل ما تحمله هذه المناورات من إشارات ورسائل بأنّ موسكو وبيجين معنيتان بما يجري في تلك المنطقة، فيما عرب اليوم ينخرطون في مؤتمرات صاخبة لا جدوى منها, تزعُم تأمين المِلاحة في الخليج.

kharroub@jpf.com.jo