أبواب - وليد سليمان

ربما يكون الروائي العربي المعروف، عبد الرحمن منيف، هو أول من كَتَبَ ذكرياته في العصر الحديث عن مدينة عمان في كتاب بعنوان: (سيرة مدينة–عمان في الأربعينيات), وذلك عن فترة إقامته في العاصمة عمان قبل نحو 80 عاماً.

تحدث منيف في كتابه هذا حول بعض جوانب حياة عمان القديمة منها: الثقافية والرياضية والسياسية والإعلامية والطبية والدينية والتربوية والأثرية, وعن المناسبات والأشخاص والأسواق والمدارس وألعاب وتسالي الشباب, وعن فصول السنة.. حتى أنه تحدث عن أزياء الرجال في عمان القديمة في تلك الفترة التي عايشها بنفسه.

ثيودور زريقات

ومن تلك الذكريات مثلاً هناك استعراض عمَّا عرفه منيف عن الطب والأطباء في عمان قديماً؛ إذ يُشير الى الطبيب والقنصل ثيودور زريقات, الذي كان يقطن في مبنى مكوَّن من طابقين له شرفة دائرية واسعة، وكانت العيادة والقنصلية في الطابق الأول، وفوقهما دار للسكن- وذلك الموقع كان مقابل سينما رغدان في شارع بسمان.

ويروي منيف عن هذا الطبيب في ذلك الوقت ما قاله أهل عمّان :

«أنَّ الاسم الأول لهذا للطبيب ثيودور لم يكن هكذا في وقت سابق! لكنه حين عاد الى عمان بعد أن أنهی دراسته الجامعية متخصصاَ بالطب ومعه زوجته الأجنبية عاد باسم جديد!.

وأن الدكتور زريقات كان قنصلاً فخرياً لليونان في عمان، وربما لدولة أخرى في أميركا اللاتينية.

ويذكر منيف عن زريقات أنه كان يستقبل الراغبين بالسفر أكثر مما يستقبل المرضی! وأن معظم مرضاه كانوا من بدو الكرك ومأدبا.. حيث يُصرُّ هؤلاء أن تكون الإبرة «الحقنة» جزءاً أساسياً من العلاج..

ويُقال أنه كانت هناك فجوة أو مسافة بين هذا الطبيب وسكان الحي!! فكل إنسان كان يُقدم الأسباب من الزاوية التي يراها, ومن أقوالهم عنه مثلاً أنه: «متكبر»، «وجهه يقطع الرزق»، «يفهم بالشؤون القنصلية أكثر مما يفهم بالطب».

ويتابع منيف سارداً ذكرياته: «ومما كان يزيد في هذه الجفوة بينه وبين سكان الحي- حي القبرطاي- تلك الملابس الغريبة التي كان يرتديها؛ إذ ما يكاد فصل الصيف يبدأ حتى كان يخلع الملابس القاتمة التي يغلب عليها اللون الرمادي أو الأسود، ويستبدلها بملابس بیضاء شديدة الغرابة والترف: قبعة من الفلين تحجب رأسه وقسماً من الوجه والرقبة، وهي بيضاء ناصعة, وكذلك البدلة والحذاء والجوارب جميعها بيضاء اللون!.

و حين كان الدكتور زريقات يخرج للتمشي مع زوجته عصرا كان يلبس قفازات بيضاء أيضاً.. لكي لا يضطر لمصافحة أحد!.. وقيل إن القناصل هكذا يفعلون بناء على أوامر من الدول التي يمثلونها.. أما الخبثاء أو الذين لا يكنون له الود فقد كانوا فيؤكدون أنه يفعل ذلك بناء على تعليمات مشددة من زوجته!.

والدكتور ثیودور بمقدار ما هو كثير التواجد في تلك الطلعة- طلوع العموري في شارع بسمان- خاصة حين يرتفع العلم في المناسبات والأعياد اليونانية فإنه يظل يتمشى في الشرفة الواسعة, ويتطلع بطرف عينيه الى المارة، كي يتأكد أنهم رأوا العلم المرفوع.

ومع ذلك فإنه في نظر الكثيرين خاصة من أهل الحي شخص غائب أو غير مهم!.

سوران الأرمني

وعن الدكتور الأرمني سوران يروي منيف ان عيادته كانت في مدخل سوق الخضار- قرب سوق السكر-، إذ لا يوجد أحد في عمان او حواليها إلَّا ويعرفه ويُكِنُّ له كل الود.

كما أن عيادته كانت عادةً مليئة بالمرضى في كل الأوقات، وكانت الممرضة القصيرة السمينة توزع قطعا حديدية عليها أرقام تحمل دور المرضى، فتوصي كل مريض ان يحفظ رقمه، لكي يدخل حين يأتي دوره إلى الطبيب.

لكن الممرضة كانت تجد صعوبة بالغة إذا ما خرج مريض من غرفة الفحص وحان وقت دخول آخر! إذ يهبُ الجميع رافعين «حدایدهم»، وكلٌ يدعي أنه صاحب الدوْر، فيطل الدكتور سوران بصلعته الكبيرة، طالباً الهدوء والنظام، وبعد أن يتأكد من صاحب الدور يقول بلهجة أرمنية مرحة مخاطباً الآخرین لكي يطمئنهم: «أنا ما عندي بيك أو باشا كل واحد بدوره».

قاسم ملحس

وقبل نحو عشرين عاماً كان المارون في شارع الرضا بالقرب من البنك الأهلي في وسط عمان يلاحظون لافتة لعيادة قديمة مهجورة على مبنى تراثي جميل, حيث تشير اللافتة الى موقع عيادة طبيب الفقراء قاسم ملحس.

ويشير صاحب الذكريات منيف الى ان هذا الطبيب كان صاحب رسالة تربوية بمقدار ما كان طبيباً، إذ لا يترد في تأنيب المرضى بطريقة قاسية، لا تخلو من سخرية، خاصة وان اللثغة في لسانه تخفف من تلك القسوة، إذ يبدو وكأنه يمزح, فقد كان يفعل ذلك حين يكتشف إهمال المرضى لنظافتهم!.

وكانت علاقات الدكتور ملحس بالكثيرين ودية، وبعض الأحيان حميمية.. ولم يكن يتردد في أن يحمل حقيبته الطبية لیذهب إلى أفقر الأماكن وأبعدها في عمان.. وفي تلك الزيارات كان يُبدي ملاحظات حول نظافة البيوت، وضرورة اغتسال الأطفال، ويُوصي بإلحاح ربة البيت أن تُقلل من وضع السمن البلقاوي في الطعام، ولا ينسى أن يتكلم في السياسة مع الرجال.

عبد الرحمن فرعون

وعن طبيب آخر من أطباء عمان المشاهير في أوائل الأربعينات تحدث منيف عن عيادة الطبيب عبد الرحمن فرعون, التي كان يستقبل فيها المرضى للمعالجة, وكان موقعها في مبنى تراثي جميل عند أول مدخل شارع بسمان, والذي يُطل على ساحة المسجد الحسيني.. و كانت شرفات العيادة تستقبل أيضاً قادة المتظاهرين الذين يبحثون عن مكان ملائم لمخاطبة الجماهير التي تتجمع في ساحة الجامع الكبير بعد صلاة الجمعة.

ثیزيو الطلياني

بالإضافة إلى هؤلاء الأطباء يذكر منيف في «سيرة عمان» الدكتور ثیزيو الطلياني ومستشفاه.. ففي تجويف كالحضن وسط سفح جبل الأشرفية المُطل على وسط بلدة عمان، كان يتواجد المبنى الضخم للمستشفى الإيطالي.. فحين يسقط المطر يتألق المستشفى بحجارته البيضاء بعد غسله الطبيعي بماء المطر.. حيث كان يبدو المستشفى كطائر ضخم فرد جناحيه وسط حديقة كبيرة من أشجار الصنوبر والسرو، هذا عدا عن الزهور الجميلة في مقدمة ومداخل المستشفى الإيطالي أو «الطلياني» كما كان يسميه أهل عمان.

ويصف منيف: هذا الطبيب الإيطالي كأنه واحد من الكهنة القدامی:«طويل مملوء، له لحية قصيرة مشذبة، يرتدي باستمرار مريوله الأبيض، وتتدلی على صدره السماعة الطبية. لم يكن يُرى وحيداً.. فغالباً ما تكون حوله مجموعة من الراهبات الإيطاليات اللواتي يرفلن بثياب بيضاء طويلة، وكأنهن في معبد.

وبعد أن يكمل هذا الطبيب والجراح البارع فحوصاته أوعملياته للمرضى؛ تتولى الممرضات الراهبات الباقي؛ إذ يشرحن للمريض حالته، وما يجب أن يفعله أو أن يمتنع عنه.. وكانت طريقتهن في الشرح والتوضيح تثير المرح الذي يصل بعض الأحيان إلى حد الضحك!! وكل ذلك من خلال لغة عربية مكسرة، وحين لا يكفي هذا الشرح، يلجأن إلى الوصف أو التمثيل.

ويشير هنا منيف الى ان:«ما كان ما يُنقل عن هاتِهِ الراهبات من الكلمات أو الحركات كان يملأ جزءاً من سهرات عمان، الأمر الذي يُنسي المريض الألم بعض الشيء، ويخفف عن أهله في الوقت نفسه.

وكان الطبيب الإيطالي ثیزيو وعائلته يسكنون بجانب المستشفى في جناح ملحق به، تماما مثل مساكن الكهنة إلى جانب الأديرة.. فقد كان ثيزيو يحب الطب ويحب الحياة.

ويقول كاتب الذكريات منيف عن الطبيب ثيزيو:» لقد كانت تُروی عنه قصص كثيرة.. الى ان كبرت ابنته أواخر الأربعينات، فتفوقت عليه كثيراً بالشهرة وسرقت الأضواء منه.. وقد استطاعت بجمالها وروحها الرياضية ان تُشغل عواطف عدد من شباب عمان».

شارلوت برنل

وغير بعيد عن المستشفى الإيطالي يذكر الروائي منيف:«كان هناك المستشفى الانجليزي الذي عملت فيه الطبيبة الإنجليزية شارلوت برنل» الست العرجا» في أوائل القرن الماضي, فقد افتتحت عيادة خاصة لها في عمان–بشارع البتراء قرب سوق السكر- واستأجرت بيتاً لها في الاشرفية فوق شارع الطلياني قرب المستشفى الانجليزي–الذي أصبح المبنى الآن مركزاً صحياً للأمومة والطفولة.

وكانت الدكتورة بيرنل تُعتبر جزءاً مهما من تاريخ عمان في الفترة (1913-1944) حيث درست الطب في بريطانيا, في الوقت الذي كانت النساء من النادر جداً ان يدرسن الطب.. وبعد أن مارست الطب قليلاً في بلدها جاءت الى فلسطين ثم الى السلط إبان الحكم التركي، ثم الى عمان حيث ظلت عزباء وماتت في عمان ودفنت في القدس حسب وصيتها عام 1944.

ابراهيم كاتبي

أما طبيب الأسنان إبراهيم كاتبي، وموقع عيادته في شارع الملك فيصل، مقابل البنك العثماني- بجانب البنك العربي الآن-, فقد ذكر منيف عنه أنه: «طبيب كان يثير الخوف حين تهدر آلته السوداء بذراعها الطويل، وهي تدخل إلى فم المريض، لتولد ألماً إضافياً فوق الألم الذي لم يكن يترك فرصة لنوم الشخص المتألم لليالٍ كثيرة سابقة من ألم أسنانه.

لذا كان الكثيرون يحتملون آلام الأسنان، أو يحتالون عليها، عن طريق الأسبرين أو الأدوية المسكنة، ولا يتردد بعضهم في أن يستبقي دخان السجائر في فمه لفترة طويلة من أجل تخفيف الألم، على أن لا يُسلِّم نفسه لتلك الآلة السوداء بذراعها الطويل! فإذا زاد الألم عن حدٍ معين، ولم تجد معه العلاجات البدائية، كان هناك أحد اثنين: «البطيخي» أو «أبو حسن الحلاق».

فالبطيخي الذي كان «مُركِباً للأسنان ولم يكن طبيباً, حيث يتولی معالجة بعض الحالات. أما «أبو حسن» فقد كان يقوم بمهمات كثيرة على رأسها تطهير الأولاد، ثم خلع الأسنان أيضا ببراعة فائقة، إذ كان يفعل ذلك بخيط متين.

يوسف عزالدين

ويشير راوي الذكريات عن أطباء عمّان المعروفين في الأربعينيات أيضاً الي الطبيب يوسف عزالدين الذي كان بيته وعيادته يقعان مقابل المدرج الروماني، حيث كان لا يعالج إلا أمراضا معينة، إضافة إلى الاصدقاء والمعارف!.

وكذلك الحال بالنسبة للدكتور جميل التوتونجی، إذ كان طبيبا خاصا للقصر الملكي عدا عن كونه سياسياً.. وبالتالي فإنه كان لا يعالج إلا أشخاصاً أو حالات محدودة جداً.

وعن فترة لاحقة بعد منتصف الأربعينيات يقول منيف»:

وصلت كوكبة من الأطباء المميزین طبياً وإنسانياً وسياسياً مثل: عبدالرحمن شقير، ومنيف الرزاز، ونبيه ارشيدات، وجورج حبش, وودیع حداد.

وعن حبش وحداد يقول منيف: كانت عيادتهما في شارع الملك طلال وغادرا عمان منذ العام 1957 للعمل السياسي.

وبوصول هؤلاء الأطباء الجدد وغيرهم الى عمان لم تتغير الصورة الطبية فقط!! إذ أخذت الصورة السياسية ذاتها تتغير!! نظراً لِما رافق وصولهم من نشاط على أكثر من مستوی.