أبواب - غدير سالم

الطباشير والورق والتراب والفحم، من الأشياء التي نستخدمها فى حياتنا اليومية، ولكن هل سبق لك وأن رأيت شخصاً بالغاً أو طفلاً يأكل هذه الأشياء الغريبة؟

في الحقيقة تعد هذه الحالة طبية معروفة يطلق عليها اضطراب «بيكا «PICA»، بمعنى أن الأشخاص الذين يعانون من هذه المشكلة يأكلون أشياء ليس لها قيمة غذائية، وفي كثير من الأحيان تكون ضارة فتسبب الانسدادات في الجهاز الهضمي أو التسمم.

ويعرّف أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي اضطراب بيكا (pica disorder) بأنه: «أحد اضطرابات الطعام، وهو مرض نفسي يصنف ضمن الاضطرابات النفسية، والبيكا هو مصطلح يقصد به تناول أشياء غريبة لا تؤكل كالثلج، الورق، الأوساخ، والصابون وغيرها، وقد تؤدي إلى مشاكل في المعدة كالإمساك..».

ويبين التميمي أن أسباب هذا الاضطراب :«تعود إلى مجموعة من العوامل، فقد تكون أسبابا طبية عضوية كنقص في الحديد أو الزنك أو ربما الأنيميا (فقر الدم)، وتزيد في الحالات المصابة باضطرابات نمائية شديدة، فنلاحظ وجود هذه الاضطرابات عند بعض الحالات المصابة بالتوحد، لأن لديهم مشاكل في التكامل الحسي وتناولهم لهذه الأشياء الغريبة يعطيهم نوعا من الإستثارة، كذلك تزيد لدى المصابين باضطرابات نفسية كالفصام العقلي أو الوسواس القهري إذ يتناولون هذه الأشياء كنوع من التكيف والتأقلم أو التعايش مع المرض النفسي».

ويرى التميمي أنه: «لعلاج هذا النوع من الاضطراب نحتاج إلى أهل الاختصاص وعيادات الطب النفسي إذا كانت الأسباب نفسية عقب استثناء الأسباب الطبية، فالنقص الحاد بالحديد والزنك وفقر الدم الشديد قد يؤدي في كثير من الحالات، وخاصة لدى الأطفال إلى تناول مثل هذه الأشياء، لذلك بداية من الضروري الاهتمام بالعلاج الطبي لتنظيف الجسم من هذه الأشياء لأنها لا تهضم، وقد تسبب مشاكل صحية وأمراض، ومن ثم العلاج النفسي تحت إشراف أخصائي نفسي أو طبيب نفسي بعد معرفة إذا كان هذا الإضطراب مرتبطا بمشكلات أو ضغوط نفسية أخرى لها علاقة بأن تعزز من إضطراب بيكا».

ويتابع: «اضطراب بيكا حقيقة هو من ضمن اضطرابات الطعام الذي يحتاج إلى تشخيص دقيق وحرفية من قبل الطبيب النفسي أو الأخصائي النفسي للتعامل معه من خلال جلسات لمعرفة أسباب ودوافع هذا الاضطراب في الحالات التي لديها وعي وتدرك ذلك، ولكن في حالات الأطفال الذين لديهم مشاكل نمائية شديدة، فلا بد أن يكون هناك مراقبة شديدة من قبل الأهل أو الأشخاص الذين يقومون برعاية هذا الطفل، إذن لا بد أن يكون العلاج طبيا عضويا بالدرجة الأولى وبالدرجة الثانية، يكون العلاج نفسيا بعد الوقوف على الأسباب والدوافع التي قادت إلى هذا الإضطراب».

وذكرت بعض الدراسات أن مرضى بيكا يبحثون عما يمكن أن يعوض حاجة أجسامهم من الحديد والكالسيوم والزنك، لذلك يلجأون إلى مصادر غير غذائية لتعويض هذا النقص، إلا أن دراسات أخرى نفت هذا الاحتمال واصفة إياه بالسلوك الخاطئ فقط، أو بالثقافة الاجتماعية السائدة.

ويقول إستشاري العلاج النفسي الدكتور

عبد الله الرعود: «اضطراب بيكا هو اضطراب يلجأ فيه الأشخاص إلى تناول مواد غير غذائية وغير مقبولة ولا يوجد شهية أو رغبة ملحة تدفعهم لتناولها كالطين والرمل والتراب والصابون وبعض مشتقات البترول والطباشير والمعادن مثل الحديد، والنحاس والورق والشعر والقاذورات وبعض المواد غير الصالحة للجنس البشري، وهو من الإضطرابات ضئيلة الإنتشار، وسمي بيكا نسبة إلى طائر العقعق الذي يأكل كل شيء».

ويضيف: اضطراب بيكا يصيب عامة الناس وهو منتشر أكثر بين فئة الأطفال والنساء خاصة الحوامل،وبعض فئات الضعف العقلي، وبحسب الدليل التشخيصي والإحصائي للإضطرابات النفسية الخامس فإنه يُصنف الشخص أنه مصاب بإضطراب بيكا إذا تناول مواد غير صالحة للأكل واستمر عليها لمدة تزيد عن الشهر ولا تكون مقبولة اجتماعياًً أو ثقافياً.

ويرى الرعود أنه : «لا يتم الكشف عن هذا الاضطراب إلا بعد تعرض المصاب لأمراض جسدية وصحية ناجمة عنه، ويتم الكشف عنه من خلال التحاليل المخبرية كالتسمم والتعفن والاضطراب في الجهاز الهضمي والأسنان، حيث أظهرت بعض الدراسات أن إضطراب التوحد هو بسبب السموم والمعادن الثقيلة ومشاكل مختلفة في الكلى وبسبب مشاكل لدى الأم والجنين عند تناول الحامل مواد غير صحية».

ويقول الرعود إن: «الأسباب النفسية من أبرز أسباب إضطراب بيكا، كنقص الاهتمام والإهمال مما يدفع الطفل أو الشخص إلى محاولة جلب الإنتباه من خلال تناول مثل هذه المواد الضارة، وهناك أسباب متعلقة بزيادة درجة القلق النفسي التي تدفع الشخص إلى تناول الشعر أو مواد غير صحية بدون وعي وبدون شعور لإرتفاع درجة القلق والتوتر النفسي، كما أن إضطراب الوسواس القهري يعد من أحد محركات سلوك بيكا لتناول المواد غير الصحية،ويمكن أن يكون سبباً لإيذاء الذات وتبني اتجاهات معرفية وسلوكية غريبة، كما أن بعض حالات الإعاقات العقلية والذهنية وحالات اضطراب طيف التوحد والفصام العقلي يلجأون لمثل هذه السلوكات».

ويشير إلى إن: «المصابين بهذا الاضطراب بحاجة إلى تشخيص ومتابعة علاجية دوائية للتخلص من مسبب هذا الإضطراب، إذا كان نفسياً ولديهم درجة من القلق النفسي والوسواس أو إعاقة ذهنية، والأشخاص الذين يعانون من حرمان عاطفي ودرجة عالية من الضغط النفسي بحاجة أيضاً إلى متابعة علاجية دوائية وعلاج نفسي سلوكي معرفي لأنهم بحاجة إلى متابعة فعالة ومراقبة للسلوك وتعزيز السلوكيات الإيجابية، ومحو السلوك السلبي لتعلم سلوك جديد وصحي».

تقول الدراسات إن نسبة إنتشار هذا الإضطراب يقدر ما بين 16 إلى 32٪ في الأطفال بين سن العام الواحد إلى سن ستة أعوام، بينما الاضطراب يقل بشكل كبير لدى الأطفال الذين تزيد أعمارهم عن 10 سنوات والتي قد تصل إلى 10٪.

وبحسب الدراسات فإن هذا الإضطراب يكاد يكون نادر الحدوث في الأطفال الطبيعين أو المراهقين حتى أن الدراسات تقول انه لا يوجد هذا الاضطراب بين المراهقين الاسوياء، بينما يوجد في المراهقين الذين يعانون من تخلف عقلي.

وتشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين يعيشون داخل مصحات خاصة بسبب مشاكلهم النفسية أو التخلف العقلي تصل أيضاً نسبة هذا المرض لديهم إلى 25٪.