أبواب - زياد عساف

ملصقات لأفلام بألوان زاهية مثبتة على جدران خارجية تطل على شارع عام، غايتها توريط المارة بحضور هذا الفيلم أو ذاك، إلا أنها ورطة جميلة بدون شك، أضحت من ذكريات الطفولة العابقة بالحنين المتجدد في وجدان الكثيرين ممن اعتادوا الجلوس في صالات معتمة محاطة بثلاثة جدران داخلية، رابعها شاشة عرض، أو بالأحرى نافذة تطل على عالم خارجي يحلق بالمتفرجين إلى آفاق الحلم والخيال.

لم تتوقف علاقة السينما بالجدران عند حدود الدعاية والعرض الموزع بين جدران خارجية وداخلية كما سبق، وإنما استمدت من لغة الجدران فلسفة وحكما عديدة كانت عنصرا مؤثرا في خدمة فكرة وسيناريو معظم الأعمال السينمائية الخالدة والباحثة في العديد من القضايا التي تمس جوهر الإنسان الذي هو غاية الفن السابع الملتزم.

من هنا، كان للديكور السينمائي دوره بتوظيف فكرة الجدران وما تحمله من دلالات سياسية واجتماعية ضمن سياق العمل الدرامي، فالجدار المزدان بألوان مشرقة يعكس دلالة مختلفة كليا عن الجدار المتهدم من آثار الحروب، وجدران القصر تختلف بطبيعة الحال عن جدران السجن أو غرفة وحيدة في حي شعبي مهمل، وفي السياق ذاته يتم توظيف الديكور بالأفلام التاريخية والدينية.

توظيف هذا العنصر لم ينحصر بجدران المباني والمنشآت، وإنما امتد إلى جدران المصاعد على سبيل المثال كفيلم (بين السماء والأرض) 1959 للمخرج صلاح ابوسيف، أو لجدران الخزان الذي اختبأ فيه ثلاثة مهجّرين فلسطينيين بفيلم (المخدوعون) 1972 من اخراج توفيق صالح عن رواية (رجال في الشمس) لغسان كنفاني.

فتوات الحسينية

الصور الفوتوغرافية المعلقة على الجدران ظلت حاضرة في العمل السينمائي، وعبّرت عن القيم الاجتماعية والإنسانية داخل الأسرة الواحدة، متمثلة بتعليق صور من رحلوا من آباء وأمهات وأجداد كناية عن الترابط الاجتماعي، وللصور المعلقة أيضا دورها المؤثر والمتنوع مابين الإيحاء والمباشرة لغايات عديدة كالتعريف في الحقبة الزمنية والسياسية لفترة ما، أو الإشارة لديانة ومعتقد سكان المنزل، أو للتنويه للبعد النفسي والميول الشخصية من أحلام ونزوات المقيمين بين هذه الجدران سواء أكانت مقامة في منزل اومصنع أو سجن..

بذكاء ملفت، وظَّف بعض الكتاب والمخرجين الصورة في الأعمال السينمائية وخاصة المتعلقة منها بالقضايا السياسية، ومن الأمثلة على ذلك فيلم (فتوات الحسينية) 1954 لفريد شوقي ومحمود المليجي، وتحديدا في مشهد الصراع بين الفتوة (زقلط) ونظيره (جعلص)، وفي المقابل يحتفظ صاحب المقهى (محمد شوقي) بصورة لكل منهما بانتظار ان يحسم الصراع بينهما ليعلق صورة الفائز على جدار المقهى باعتباره فتوة وزعيم الحارة القادم تأكيدا على فكرة الزعيم الأوحد والتي تعتبر واحدة من الإشكاليات السياسية التي تحدد نمط التفكير السائد في الشارع العربي.

وفي مشهد مشابه ضمن أحداث فيلم (الفتوة) 1957 بطولة فريد شوقي وزكي رستم، يحدث عراك بالأيدي بين قطبي الفساد المتحكميّن في سوق الخضار وهما (هريدي) و(ابوزيد) مع تسليط الكاميرا لحظة الصراع على صورة كل منهما على جدار المحل الذي يملكه وبجانبها صورة الملك فاروق ايضاً، وعندما ينتهي العراك بسقوطهما معا تتساقط الصور في الوقت نفسه كناية عن نهاية حكم فاروق وبداية حكم عبد الناصر مع نهاية مفتوحة على مستقبل غير واضح المعالم.

تصفية حسابات

من هنا كانت السينما إحدى الوسائل الإعلامية لتصفية الحسابات والتشهير الذي يمارسه نظام الحكم الجديد مع من سبقه، ومن هنا جاء توظيف صورة الرئيس أو الزعيم ضمن سياق الفيلم بناء على ذلك، ولعل فيلم (غزل البنات) مثال حي يؤكد هذه الإشكالية، هذا العمل أنتج عام 1949 بفترة حكم الملك فاروق وظهرت صورة الأخير في احد مشاهد الفيلم، وعندما أعيد عرضه بفترة حكم عبد الناصر استوقف المشاهدون وجود (شخبطة) على صورة فاروق بهدف عدم إظهارها بالفيلم !.

الترويج لفترة حكم ثورة يوليو من خلال الفن السابع كان له بعض الهنّات الواضحة من حيث توظيف الصورة، كفيلم (بور سعيد) 1957 الذي يتطرق لفترة العدوان الثلاثي على مصر.

وفي مشهد دخول ضباط انجليز وفرنسيين مكتب محافظ بور سعيد وإلزامه بإزالة صورة عبد الناصر عن الجدار رد عليهم بأسلوب خطابي وحماسي «لو قدرتوا تشيلوا الصورة.. مش حتقدروا تشيلوها من قلب 23 مليون مصري. و80 مليون عربي !»).

استغاثة

وفي فترة حكم السادات عادت الصورة كأداة معبرة عن النقد والتشهير بفترة الحكم السابقة بظهور صورة عبد الناصر على جدران المكاتب في اقسام الشرطة والمعتقلات مرافقة لمشاهد التعذيب بأفلام مثل (الكرنك) 1975 و(احنا بتوع الأتوبيس) 1979.

وفي هذا الصدد، لابد من استعادة مشهد نور الشريف في المحكمة من فيلم (الحقونا) وهو يخاطب صورة الرئيس مبارك في أعلى جدار القاعة باعتباره سلطتة أعلى من سلطة المحكمة مستغيثا به لينصفه ممن سرق كليته بعد أن عجزت العدالة عن ذلك، وهذا الموقف يحمل الوجهين مابين الإشادة والإدانة حسب رؤية المتلقي، ونوايا الكاتب إبراهيم مسعود ومخرج العمل علي عبد الخالق.

شروخ..

الحنين لزمن الخمسينيات والستينيات وتعرية المراحل السياسية لفترة السبعينيات وما بعد تطرق له المخرج خالد يوسف من خلال فيلم (دكان شحاته) 2007، وذلك من خلال الحوار بين الأب محمود حميده وابنه عمرو سعد عندما طلب من ابنه ان يعدل صورة عبد الناصر لتخفي الشرخ الموجود في الجدار، ويخبره الابن ان الصورة لا يمكن أن تغطي كل هذا الشرخ !.

تصدعات شروخ الجدران كانت لغة أخرى استطاعت السينما أن تسقطها على كثير من القضايا والأزمات التي يعيشها الإنسان العربي عموما، والمثال الأكثر تعبيرا عن ذلك تمثل بفيلم بداية ونهاية 1960 للمخرج صلاح ابو سيف، إذ تنتقل الأسرة بعد وفاة معيلها لشقة بسيطة متواضعة تبدو شروخ الجدران في هذا المنزل تعبيرا عن حالة الفقر والشرخ في العلاقة بين الأخوة الذي يتصاعد مع الحدث الدرامي تعبيرا عن الواقع الصعب الذي يعيشه المجتمع المصري في ظل الحكم البريطاني.

القضية 68

وللمخرج نفسه فيلم (القضية 68) ومن إنتاج المؤسسة العامة للسينما وفي اسقاط اّخر على الواقع السياسي بعد هزيمة 1967 بأشهر قليلة ليعبر عن الحال الذي وصل اليه الوضع العربي عموما من خلال حبكة سينمائية تمثلت في حدوث شروخ في بناية كاملة بأحد الأحياء الشعبية كناية عن الوضع المهلهل جراء الهزيمة وما تبعه من فساد وانحدار تجسد في هذه البناية المشروخة، وتم طرح رأيين من قبل لجنة الحي لمعالجة هذا الشرخ، الأول: يطالب بإعادة ترميم العمارة، والاخر: طالب بالهدم واعادة البناء وهذا ما أكَّد عليه أطفال الحي، أمل المستقبل، وهم يناشدون العم منجد رئيس اللجنة: هدَّها يا عم منجد وابنيها من جديد!.

ظل حيطة

التحف المعلقة على الجدران كانت أيضا عنصرا مهما في توصيل فكرة العمل لمجموعة من الأفلام، (القاهرة 30)، وهو فيلم يعبر بقوة عن هذه الرمزية من خلال مشهد سينمائي اختزل شخصية محجوب عبد الدايم (حمدي احمد) لحظة وقوفه وفي الخلفية على الجدار قرني ثور ليظهر وبتوليفة رائعة، وكأنه يحمل رأس ثور تعبيرا عن شخصيته بالفيلم كمثقف انتهازي لا يوجد لديه أدنى غيره على زوجته.

لا يكاد يخلو فيلم من لوحة تشكيلية معلقة على جدران والمفروض أن لا يكون وجودها عبثا، وإنما عنصر مضاف لإيصال مضمون العمل السينمائي، ويحضر هنا مشهد جميل من فيلم (علموني الحب) 1957 لسعد عبد الوهاب وهو يتأمل لوحة تشكيلية لفتاة تعزف على البيانو فيتخيلها (ايمان) الفتاة التي يحبها ولا يستطيع البوح بمشاعره، ثم يشرد بخياله وهو يغني لها (على فين واخداني عنيك)، بينما هي تشاركه العزف على البيانو أيضا تعبيرا عن الحلم الذي تعكسه اللوحه.

(ظل رجل ولا ظل حيطة) مثل شعبي تؤمن به نسبة لا بأس بها من النساء، ومع ذلك كان شرط الفتاة على الشاب العابث الذي ينوي الارتباط بها أن يزيل عن جدران غرفته اللوحات والصور المثيرة التي تعبر عن اهتمامات فتى طائش، لإحداث التوازن في العلاقة بين احمد رمزي وليلى شعير عبر احداث فيلم ( عيلة زيزي) 1963.

تحايل..

الجدران التي تعترض أحلام الإنسان من الممكن التحايل عليها، هذا ما جسدته السينما في مواقف درامية عديدة، وبأسلوب بسيط معبر، كفيلم (ابن حميدو) 1957 عندما يتسلق احمد رمزي (حسن) جدار غرفة التوقيف بالمخفر للوصول إلى الشباك بمساعدة اسماعيل ياسين، وتقابله من الخارج هند رستم (زهرة) التي صعدت متكئة على كتف شقيقتها زينات صدقي، حتى تقابلا وجها لوجه ليتحقق على اثرها بداية قصة حب بينهما.

يتحايل نور الشريف في فيلم (كل هذا الحب) 1988 على جدران السجن التي تفصله عن ابنه، ويرسم عليها صورة الابن كما يتخيلها كي لا ينسى ملامحه متحديا هذا الحاجز بطبيعة الحال، ومن فيلم (ناجي العلي) 1991 الذي يؤدي دوره نور الشريف أيضا، وفي مشهد توقيفه في لبنان يتحايل نور أو(ناجي) على جدران السجن التي تحول بينه وبين وطنه ليحولها الى لوحه يبثها شجونه عبر رسومه الكاريكاتيرية التي اشتهر بها من خلال شخصية حنظلة فيما بعد.

أمير الانتقام

التحايل الأهم على الجدران جاء عبر فيلم (أمير الانتقام) 1950 وهو النسخة الأولى والمقتبسة عن قصة كونت دي مونت كريستو، وأعيدت النسخة الثانية من الفيلم بعنوان ( أمير الدهاء) عام 1964 للمخرج نفسه هنري بركات، بالفيلم الأول وفي مشهد داخل السجن يجمع انور وجدي (حسن الهلالي)، وحسين رياض (الشيخ جلال عبدالله) عالم الفلك السجين الذي قام بالتحايل الأول بأن خط حروفا وأرقاما على جدران الزنزانة كي يعرف من خلالها الوقت والسنة والشهر، في محاولة منه لاختراق العزلة التي تفصله عن العالم الخارجي.

ويظهر التحايل الثاني عندما يبدأ الشيخ جلال بحفر الجدار بحجر صغير وبطرقات هادئة تعبر عن حكمة الشيوخ التي يتحلى بها، وعلى الطرف الآخر من الجدار يحفر حسن الهلالي بطرقات متسارعة تعبيرا عن حماس الشباب ولهفته للخروج من هذا المعتقل، وروعة هذا المشهد تحسب للمخرج بركات بتوظيفه لطرقات الجدار لكل منهما كتعبير عن تباين الرؤى بين الشباب والشيوخ، وتطرق الفنان نور الشريف بهذا المشهد الى تحليل مفصل من خلال برنامج (مع نور الشريف) في حلقة خاصة حول هذا الفيلم

كنز

وعند اختراق الجدار الحاجز بينهما يلتقيان معا وتجمعهما علاقة إنسانية أشبه بعلاقة الابن بوالده، لدرجة أن يطلعه الشيخ جلال على مكان الكنز الذي يحتفظ به وسط جبل بجانب قصر مهجور في طريق السويس بهدف أن يورّثه إياه، ويكون رد الهلالي الذي يختزل روح وفكرة الفيلم: «كنزي الحقيقي يا شيخ جلال هو وجودك معايا.. المودة اللي نشأت بينا والنور اللي استمديته من معرفتك.. القوة المعنوية اللي روحك الهمتها لروحي.. إيمانك بيا.. هو دا الكنز اللي ماحدش يقدر ياخده مني أبدا .. أبداً !» .