أبواب-الدكتور عامر العورتاني

الأسرة هي المؤسسة الإجتماعية الأولى التي تشكل بنية الشخصية الإنسانية لأبنائها، ويتم ذلك بشكل مباشر عن طريق التربية المقصودة القائمة على تعليم الأبناء السلوك الاجتماعي، وتكوين القيم والاتجاهات.

ولكي تنجح الأسرة في تحقيق أهدافها والغاية من وجودها، لا بد من بناء جسور التواصل الصادق مع الأبناء، حيث يشكل الحوار المفتوح بين أفراد الأسرة الوسيلة المثلى لخلق بيئة قائمة على التفاهم، فالتربية في جوهرها عملية تفاعلية بين الوالدين والأبناء، وكلما ارتقى ذلك التفاعل ليلامس البعد العاطفي والوجداني كان ذلك أدعى بجعل الأبناء أكثر تأثرا بمن يتلقون منه التربية.

عندما يجد الطفل نفسه قادرا على التكلم بصدق عن طموحاته وتطلعاته وآرائه ومشكلاته وأخطائه، عندها سيلمس الوالدان تغيرا في شخصية الابن، فهو يكتسب طبيعة جديدة من خلال التفاعل الكامل مع أفراد أسرته، الأمر ذاته ينطبق على الزوجين حيث يكتسب كلا منهما الكثير من المفاهيم الجديدة من خلال الحوار، فالحوار يعمل على إيجاد بيئة للتفاعل المثمر البنّاء، في حين أن الجدال وسياسة فرض الرأي تنعكس سلبا على العلاقة ، ما يجعل التغيير الإيجابي أمرا في غاية الصعوبة.

حوار الوالدين مع الأبناء يساعدهم على اكتشاف ما لديهم من طموحات ومشكلات ومفاهيم، كما أنه يساعد على فهم الصورة الذهنية التي كونها الأبناء عن الوالدين وبقية أفراد الأسرة من خلال الاحتكاك الطويل فيما بينهم، الأمر الذي لا يخلو من بعض الانطباعات الخاطئة أحيانا.

والحوار عملية اتصال بين طرفين أو أكثر، الا أن الحوار داخل الأسرة يتصف بخصوصية متفردة، فهو وقبل أن يكون اتصال عقل بعقل آخر، إنما يمثل عملية اتصال تتطلب عمقا روحانيا ووجدانيا، فقد يكون الحوار داخل الأسرة أصعب بكثير من الحوار بين زميلين في مدرسة، أو شخصين يتفاوضان على عقد تجاري مثلا، ذلك أن البيت مكان لممارسة الحرية المطلقة، حيث التصرفات التلقائية.

كما أن المتحاورين في البيت صغارا أو كبارا يعرفون بعضهم على نحو جيد، كما أن كلا منهم قد شكل صورة عن الآخر بحسب فهمه إياه، فالأب يعرف طموحات ابنه، ويعرف نقاط الضعف لديه، إلا أن هذه الخبرة التي توفرت بحكم الاحتكاك المتواصل بين أفراد الأسرة، قد لا تصب في مصلحة الحوار دائما، فالزوجة تدرك مسبقا أن الزوج لا يتراجع عن قراراته بسهولة، فلم النقاش؟ والأب لم يترك وسيلة إلا وحاول بها مساعدة ابنه مرارا وتكرارا ولم يفلح، فلم يحاوره في مسألة حسمت أساسا؟ وهكذا فإن الأسرة تبني جدارا وهميا من اليأس المتبادل فيما بينها،فتتقلص?فرص الالتقاء، وتبادل الآراء، فتغدو العلاقة برسم وقف التنفيذ، لتبدأ توقعات كل طرف فيها تجاه الآخر بالاضمحلال، فتتقطع أواصر الحب والأمان، فيبدأ كل من فيها بالبحث عن المفقود بعيدا عن نطاق الأسرة.

لذا فإن جعل الحوار الأسري ناجحا ومثمرا يحتاج إلى بيئة من نوع خاص، ولكي توجد تلك البيئة لا بد من توفر الاهتمام والمثابرة والذكاء، وقبل كل ذلك الرحمة والمودة، فلا بد أن يكون هدف الأسرة الأول عند الجلوس للحوار في موضوع ما هو إذكاء العواطف النبيلة التي يحملها كل واحد منهم نحو الآخر، وتقوية الصلات الروحية التي تجمعهم، أما معالجة المشكلة التي عقد الحوار من اجلها فيأتي في المرتبة الثانية، بمعنى أنه يجب التأكيد على أنه لا يشترط في الحوار الناجح الوصول إلى نتائج محددة أو حلول حاسمة، فزيادة تلاحم الأسرة وتعاطفها وزي?دة درجة الثقة فيما بينها هو الغاية الحقيقية للحوار.

ولكي يكون الحوار مثمرا وبنّاء لا بد من وجود الاستعداد النفسي من قبل جميع أفراد الأسرة، فالحوار يحتاج إلى أجواء يسودها الهدوء، وإلا فإن الحوار في حالة الإجهاد أو الخوف أو الملل سيؤدي إلى طرح أفكار تميل إلى التشاؤم أو التصلب في الرأي، ما يضفي طابع الرفض واليأس على بيئة الحوار، وبالتالي اللامبالاة بالنتائج المترتبة على ذلك.

لذا فإن على الوالدين اختيار الأوقات الخالية من الضغوط والواجبات المليئة بالراحة والنشاط لإثارة الحوار في القضية المستهدفة، وتجنب استغلال أوقات الطعام لإثارة النقاشات الساخنة في حال عدم توفر أوقات بديلة، فوقت الطعام ينبغي أن يستغل لإشاعة أجواء المرح وتبادل أطراف الحديث عن ما مر بكل فرد في الأسرة خلال اليوم دون الوقوف عند المشكلات التي ينبغي إيجاد الحلول لها لاحقا.

كما ينبغي على الوالدين خلال الحوار مع أفراد الأسرة التعامل وفق نظرة تحتكم إلى الندية والتكافؤ ، فمن حق الصغير والكبير أن يتبنى رؤيته الخاصة، ما يجعل آلية النقاش المتبعة أكثر أهمية من النتائج المرتقبة بحد ذاتها، فالحوار على أساس التكافؤ المتبادل يشجع الأبناء على المشاركة ويحثهم على البوح بما في نفوسهم بصدق دون اللجوء إلى إخفاء جزء من الحقيقة عن الوالدين.

وقد يأخذ الحوار في بعض الأوقات طابع التوتر، وهنا ينبغي للوالدين التخفيف من ذلك التوتر بإضفاء مسحة من الإيجابية والمرح والمزاح، والثناء على ما يطرحه الأبناء من الحلول، فمن المهم أن تكون بيئة الحوار مناسبة للحوار حتى يكون مثمرا، إذ يجب الحرص على أن يظل الحوار حوارا، وأن لا ينقلب إلى جدال عبثي، فالحوار يقوم على الاحترام المتبادل من خلال لغة يسودها التكافؤ والاحترام، وحين يفقد الحوار هذه السمات فإنه سيتحول إلى جدال، يستدل على وجوده من خلال تكرار الحجج والإدعاءات، وارتفاع نبرة صوت لدى الأطراف المتحاورة، كما أن ?قاطعة المتحدث ومهاجمته، وانخفاض مستوى اللباقة في الخطاب المتداول جميعها من علامات الجدال ، البعيد كل البعد عن الحوار.

ولكي يؤتي الحوار ثماره ويسير على نحو جيد، لا بد أن يدير الوالدان أو أحدهما أطراف الحوار بغض النظر عن مستوى ثقافتهما، وذلك بهدف ضبطه وتوجيهه، ويمكن اسناد المهمة إلى أحد الأبناء على نحو دوري بهدف تدريبهم على ممارسة الحوار كما يجب أن يكون، ما يشكل خبرة مكتسبة سيكرسها الأبناء في صورة الأب أو الأم الذي سيكونون عليه في المستقبل.

إن الحوار الأسري ما هو إلا وسيلة من وسائل الاتصال الأسري الفعال، فمن خلاله تنمو المشاعر الإيجابية، فتشيع روح المحبة والمودة بينهم، ويتعلم كل فرد في الأسرة أهمية احترام رأي الآخر، ويساعد على نشأة الأبناء تنشئة صالحة ، تعزز روح التفاعل الأسري، ما يجعلهم أكثر قدرة على تحقيق طموحاتهم ويساعدهم على حل المشكلات الطارئة في مهدها قبل استفحالها، كما أنه يساعد على توفير المستشار الأمين لدى أفراد الأسرة بدلا من بحثهم عن آخرين خارج الأسرة، فالحوار يوفر لنا القدرة على الانتباه لما يفكر به أفراد الأسرة، فالاستماع لما يقو?ون يجسد التواصل في أبهى صوره، ما يجعل الأسرة تصل إلى حد التوحد فيما بينها، فتصبح اللغة فيما بينهم واحدة ، وتصبح المفاهيم السائدة بينهم أكثر قربا.

إن من أسس نجاح الأسرة في وقتنا المعاصر قيامها بعملية جرد دورية لنقاط القوة والضعف لديها،وأن تحاول تحسين الجو الأسري من خلال تفعيل اللقاءات الحوارية المثمرة، وذلك بهدف الحصول على تغذية راجعة لمختلف السلوكيات والمواقف ، بغية الوصول إلى الأسرة التي تبني فرسانا يصونون القيم ويصنعون المستقبل.

أخصائي علم الإجتماع