أبواب - إبراهيم أبو رمان

يقصد بالمساحات الخضر الأرض المزروعة بالأشجار، وما توفره من مساحات ووسائل ترويحية، بحيث تكون الأشجار موزعة بعناية كافية، فتوفر فوائد عديدة للأفراد والمجتمع بأسره، من الاستمتاع بجمال الطبیعة الى الحفاظ على صحة جیدة.

ووجد بأن خطر الإصابة بالسكري في المناطق الغنية بالأشجار والمناطق الخضر في أميركا يقل بنسبة 14% في حین تقل نسبة الإصابة بارتفاع ضغط الدم بنسبة 12% وذلك عبر دراسة تقاریر لربع ملیون مریض فوق سن الـ65 عاماً». ووفق إحصائیات رسمیة نشرت عام 2016.

أما في الأردن، فإن نسبة انتشار السكري تصل إلى 46٪ للفئة العمریة فوق 25 عاما، و 66٪ من الأردنیین مصابون بنقص الكولیسترول الحمید و80٪ مصابون بالكولیسترول السیئ».ولا توجد لدينا دراسة مماثلة عن تأثير المساحات الخضر على تقليل نسبة انتشار الامراض، لذا فإن غالبية الملاحظات هي لمجتمعات غربية ومن الممكن ان تكون متقاربة وهذا ما نتوقعه.

وتشير دراسة أميركية إلى أن الأشخاص الذين يعيشون في أحياء بها مساحات خضر، ربما يقل توترهم وخطر إصابتهم بأزمات قلبية وجلطات دماغية بالمقارنة مع سكان الأحياء التي لا تتوافر فيها مناطق خضراء كثيرة.

ويشير باحثون في دورية جمعية القلب الأميركية إلى أنه على مستوى السكان ككل يتم الربط منذ فترة طويلة بين المساحات الخضر في المناطق السكنية، وتراجع خطر الوفاة نتيجة مرض في القلب ومشكلات الجهاز التنفسي وتراجع دخول المستشفى بسبب حالات مثل الأزمات القلبية والجلطات الدماغية، ولكن لا توجد أدلة كثيرة تثبت ما إذا كانت هذه الصلة صحيحة على مستوى الأفراد.

ووجدت الدراسة أن مستويات هرمون الأدرينالين كانت أقل عند سكان الأحياء ذات المساحات بالمقارنة بالأشخاص الذين يعيشون في مناطق لا يوجد بها هذه المساحات مما يشير إلى تراجع مستويات التوتر كما يقل لديهم أيضا مؤشر الإجهاد التأكسدي.

وبالإضافة إلى ذلك زادت قدرة الأشخاص الذين يعيشون في مساحات خضراء أكثر على الاحتفاظ بشرايين دم صحية بالمقارنة مع من يعيشون في مساحات محدودة.

من هنا يمكن ان نصل الى نتيجة مفادها أن التفاعل المستمر مع الطبيعة ربما يكون أحد وسائل الحد من خطر الإصابة بأمراض القلب.

ومن الفوائد البیئیة الناجمة عن المساحات الخضر؛ قدرتها على مكافحة الحرارة في المناطق الحضریة، والتي عادة ما تسبب زیادتها ارتفاعا في عدد المواد العاكسة لها، والتي تظهر في المدن، في وقت یمكن للمساحات الخضر كالحدائق أن تعزز التبرید الطبیعي عبر تهویة فعالة وامتصاص دینامیكي.

وقد تساعد بعض هذه المساحات في منع فیضانات المناطق الحضریة، وتلوث الهواء، وجریان میاه الأمطار. ويمكن ملاحظة هذا التأثير في المدن لأن العمارات السكنية تعمد الى صد الهواء وبخاصة في ظل البناء العشوائي غير المدروس، فالمشاريع الإسكانية هي مشاريع فردية ولا يفكر صاحب المشروع بأنه قد عمد الى حجب الشمس عن جيرانه او أنه قلل من مجال تحرك الهواء بينما في المشاريع الكبيرة يدرس موضوع الشمس وحركة الهواء وتأثيرها على النظام البيئي ويؤخذ ذلك في الاعتبار عند البدء بأي مشروع سكني.

توصلت دراسة حديثة إلى أن الأطفال الذين ينشأون في وسط أخضر ينخفض خطر تعرضهم لإصابات نفسية مع مرور السنوات.

ويقول باحثون من الدنمارك إنه يندر أن يتعرض الأطفال، الذين ينشأون في وسط أخضر لإصابات نفسية مع مرور السنوات .

وبحسب باحثين من جامعة «آرهوس» الدنماركية فإن الأطفال الذين يكبرون وسط الغابات أو الحدائق أو المنتزهات أقل عرضة بنسبة 55% للإصابة بأمراض نفسية، مقارنة بأقرانهم الذين ينشأون في محيط ليس به مثل هذه الخضرة، ويعتبر الباحثون أن ذلك دليل على ضرورة أن تصبح المدن أكثر خضرة.

وتناولت الدراسة التي نشرت نتائجها قبل أيام في مجلة PNAS التابعة للأكاديمية الأميركية للعلوم، المناطق الخضر المحيطة بمنازل أسر نحو مليون دنماركي، وذلك في الفترة بين عام 1985 و 2013، واعتمد الباحثون في ذلك على صور التقطت لهذه المناطق بالأقمار الصناعية. ثم قارنوا هذه البيانات بمدى خطر إصابة هؤلاء بواحد من 16 مرضا نفسيا مختلفا مع مرور السنوات.

ويتراجع خطر الإصابة باضطراب نفسي تدريجيا كلما كان الإنسان محاطا منذ مولده وحتى سن عشر سنوات بمساحات خضراء»، لذلك فإن هذه المساحات لها تأثيرات في الطفولة»، لذا يكون مرسوم على الجدران في الروضة ومدارس الأطفال صور أشجار ومياه وطيور بينما في الغرب تكون حقيقية وليست مجرد رسومات.

وينشأ الإجهاد النفسي من تزايد الكثافة السكانية، والعزلة الاجتماعية فعندما يعيش الإنسان على سبيل المثال في مسكن ضيق يستطيع فيه أحد السكان سماع صوت مذياع جاره من خلال الجدران الرقيقة، لكنه لا يعرف جيرانه، فإنه لا يشعر بالانتماء.. فإذا أضيف لذلك قدر ضئيل من الشعور بالسيطرة على الوسط المحيط، فانه يشعر بالضيق والاكتئاب، لذا فإن المساحات الخضر يمكن أن تحمي سكان المدن كثيرا من الأمراض النفسية.

وتشير الدراسة الدنماركية السابقة الى ثغرة هامة بشأن تأثيرها على الصحة، ولكن يظل من الضروري معرفة أي القدر من الخضرة يكفي، إلى جانب معرفة تأثير الخضرة على المخ، هل يكفي أن يطل الإنسان بنظره على الخضرة أو أن يسكن بالقرب منها؟، أم لابد أن يستخدمها الإنسان بشكل نشط؟ هل تكفي الأشجار؟ أم لابد من الغابة؟.

في الأردن يمكن بسهولة دراسة هذا التأثير عند مقارنة انتشار الأمراض في مناطق مثل عمان،الرصيفة، الزرقاء، وهي مناطق لا تكفي هذه المساحات لعدد السكان مع مناطق مثل السلط،جرش، عجلون،حيث ما زالت الغابات والأشجار موجودة وتعتبر متنفسا طبيعيا متاحا للسكان.

كما تشير دراسة من جامعة بنسلفانيا الأميركية إلى دور المساحات الخضر داخل المدن في الحد من نزعة العنف والوقاية من نوبات الاكتئاب.

ويلفت فريق البحث، وفقاً لموقع فيللي فويس، أن نحو 15 في المئة من مساحة المدن الأميركية عبارة عن مناطق خاوية، مؤكدين أن زراعة هذه المناطق تنعكس إيجاباً على صحة سكانها عقلياً وبدنياً، كما تخفض معدلات الجريمة.

واعتمد فريق البحث على دراسة الحالة النفسية والذهنية لـ 342 مشاركاً من سكان بعض أحياء مدينة فيلادلفيا الأميركية قبل وبعد تنظيف وزراعة 541 قطعة أرض من الخرائب والمساحات الخاوية.

واستمرت دراسة المشاركين 18 شهراً قبل عملية تحويل المناطق الخاوية إلى مساحات خضر، و18 شهراً أخرى بعد عملية التحويل، للتعرف إلى شعورهم بالتوتر، عدم الارتياح، فقدان الأمل في الحياة والاكتئاب.

ويبيّن الباحثون أن هذه المساحات تحد من نزعة العنف لدى سكان المدن، مشيرين إلى انخفاض العنف باستخدام الأسلحة النارية بنسبة 29 في المئة في الأحياء السكنية القريبة من الحدائق.

وأثبتت النتائج انخفاض شعور السكان بالاكتئاب بنسبة 68 في المئة بعد زراعة المساحات الخاوية، مُقارنة بسكان الأحياء التي ظلّت على حالها، في حين لم يظهر تغير ملحوظ في المناطق التي شهدت عمليات تنظيف من دون زراعة حدائق ومتنزهات.

وتوضح رئيسة فريق البحث يوجينا سي. ساوث أهمية المساحات الخضر في حماية الصحة النفسية والعقلية بقولها إن: «تنظيف المناطق والساحات الشاغرة من الابنية وتحويلها إلى حدائق ومتنزهات يُسهم في خفض شعور السكان بالتوتر والاكتئاب على نحو ملحوظ، ما يُفسر التفاوت بين سكان الأحياء المختلفة في الإصابة بالأمراض العقلية».

هناك الكثیر من المشاریع الهادفة لزیادة الحمایة والوعي والوصول لهذه المساحات في الأردن ودول المنطقة، ويجب تثقیف الناس حول مزایاها هذه المساحات، فكلما تعرفوا على مزایاها أكثر زاد عدد الأشخاص الذین سیبذلونً جهدا لحمایتها.