فراس حج محمد

كاتب من فلسطين


تتألف رواية «مريم/ مريام» من تسعة عشر فصلا مسرودا بضمير المتكلم، إلا أن السارد أفسح للشخصيات الأخرى أن تتحدث عن نفسها، وتقصّ حكاياتها، وتفسر الحدث الواحد، كل شخصية بحسب رؤيتها الخاصة، ولكن من خلال تحكم السارد الذي كان شخصية رئيسية ومحورية في الرواية.

ومن الشخصيات التي تظهر في الرواية: إبراهيم إلياس محمود الصفوري، وأمه شلوميت اليهودية، وأبوه العربي إلياس، وأخته من أمه «عنات»، وجدّتاه، العربية مريم واليهودية مريام. يتفاعل مع هؤلاء مجموعة أخرى من الشخوص: بنحاس، وآراد، وعادل، وأبو سريع. ومن بعيد يظهر محمود جد إبراهيم، وعاموس زوج شلوميت الأول، وابن بنحاس وأبوه (آدم) اللذان قُتل أحدهما في اشتباك مسلّح مع الفدائيين وقُتل الآخر في الانتفاضة الثانية خلال اشتباك مسلّح في مدينة نابلس.

هؤلاء تقريبا هم شخصيات الرواية. وهناك شخصية متحكمة في مصائر الشخصيات الأخرى. ويظهر من خلال السرد أن صاحب هذه الشخصية كان ذا وظيفة محددة في الرواية بدافعِ البحث عن نفسه وتحديد هويته، فبينما كان يبحث عن حلّ للعقدة، استمع للحكاية نفسها من أطرافها المتعددة فازداد حيرة وأوغل في الاغتراب، وأحيانا كان يقترب من الراحة والهدوء، لتراه فجأة قد غرق من جديد في لجة من الضياع. كان باحثا عما يعطيه السكينة المفقودة بسبب تكوينه المعقّد ما بين يهودية الأم وعروبة الأب وإسلامه. غربة واغتراب ساهم في صنعهما مَن حوله. لذلك قرر أن يكتب الحكاية.

يقول إبراهيم الصفوري: «فما أود الإفصاح عنه ليس حكايتي أنا تحديدا، وإن بدت كذلك، وإنما حكاية أعداد لا حصر لها من البشر. إنها حكاية الإنسان في هذا المكان، وفي هذا الزمن على وجه الخصوص» (ص15). هكذا يحدد السارد وظيفته داخل السياق الروائي ليكون شاهد الحكاية كلها. يجيب جدته مريام عندما سألته: «لم تقل لي: لماذا تجمع هذه الحكايات؟»، فيجيبها: «أحتاجها لأجمع شتات روحي المبعثرة. ما قيمة المرء إن لم يعرف حكايات أهله، خصوصا إذا كانت تحمل كل تلك الإثارات الرهيبة» (ص61).

إن إبراهيم لا يجمع هذه الحكايات من أجل أن يعرف أو يداوي جراح روحه المشروخة فقط، بل إن له هدفا آخر، يفصح عنه خلال حواره مع أمه سلام/ شلوميت في بداية الفصل الخامس: «كنت أود أن أسمع حكايتها لتكمل الحلقة الناقصة، فلربما تكون أهم من جميع الحكايات! وحينما أصرّت على رفضها، قلت لها إنني بصدد كتابة رواية» (ص79).

إذن سيروي إبراهيم عن شخصيات يعرفها وشاهدَ فعلها أو سمع روايتها، ويبدأ بتوصيف أزمته التي يعاني منها على هذا النحو: «وأنا مَن فُرضت عليه الجنسية الإسرائيلية قسرا، أنا ابن الثقافة الغربية والثقافة الشرقية، ابن الأزمنة والتواريخ، أعيش تعدد الشخصيات التي تتصارع في داخلي وتتنازعني على الدوام» (ص15)، ويعلن هدفه: «سأترك لنفسي العنان لكي تروي سرديتها كما تشاء وكما يحلو لها، ما دمنا نفتقر إلى سردية واحدة متفق عليها وما دامت تعوزنا المقدرة على بناء سردية جديدة تليق بنا كبشر في هذا المكان وكحالمين بمستقبل يتجاوز المأساة» (ص16). سيقوم بإعادة التركيب والتفسير لحكاية معقّدة، ويجلو الحقيقة الغائبة ليكون بمقدوره تجاوز ما يعتقد أنه ماضٍ مفخَّخ بالعنف والكراهية ممتدّ في الحاضر، لعله يستطيع العيش في المستقبل حياة أكثر أمناً وهدوءا، تناسب حياة الناس العاديين دون عُقَد ومشاكل وصراعات. فهل نجح في ذلك؟

لقد حدد إبراهيم لنفسه إستراتيجية في بناء هذه الحكاية، وكان في كل فصل من الفصول اللاحقة يستمع للحكاية من وجهات نظر محددة: من جدته مريم العربية، وجدته مريام اليهودية، وأمه شلوميت، وأبيه إلياس، وصديقه عيسى أبي سريع، وكذلك من أخته عنات. ليكتشف في كل مرة أن المسألة معقّدة، تحكمها الأيديولوجيا والتاريخ معا.

ثنائيات الاسم واللغة

تشير ثنائية اللغة إلى ما تعانيه الشخصيات من اغتراب، إذ «تلحق اللغة باغتراب الهوية، وتساعد في اغتراب الفكر بعد اغتراب الوجود». هذه الحالة القلقة من الوجود الشخصي عبّر عنها إبراهيم بقوله في آخر الفقرة الأولى من الفصل السادس: «كيف تسنّى لي في ذلك العمر الغضّ أن أخفي العداء بين اللغتين؟ كيف أحسست أن الحرب بين اللغتين تنطوي على تناقض يضج بكل ألوان العداء» (ص93).

على هديٍ من المقتبسين السابقين تبدو الشخصيات في الرواية على قسمين؛ الأول تتنازعه ثنائية الاسم واللغة، ما بين اسم عربي وآخر عبري، بدءا من إبراهيم نفسه الذي يناديه العرب الفلسطينيون «إبراهيم» وأقاربه اليهود «أبرم/ أبرا»، وأمه ذات الاسم العبري «شلوميت» أو العربي «سلام»، وأبوه «إلياس» عربيا، ويهوديا «إيلي» أو «إيليا»، فكل شخصية من هذه الشخصيات اجتمع في ذاتها تاريخان؛ عربي وعبري، وثقافتان واحدة عربية وأخرى عبرية. أما جدتا إبراهيم فإحداهما عربية هي مريم، وأخرى يهودية هي مريام، ويظل البطل يدور في صراع من أجل التوليف بين هذين المحورين -العربي والعبري- معا، دون أن يستطيع حسم المسألة لصالح جهة من الجهات، سواء أكانت العربية أم العبرية. هذه الشخصيات هي محور الفكرة الروائية، وتدور الأفكار حول حلّ هذه المعضلة ذات التجليات الفكرية والسياسية التي كان لها صدى اجتماعي مؤثر، أدى إلى قطع العلاقات بين تلك الأطراف جميعا، ليظل إبراهيم وحده كما وصف نفسه «حلقة الوصل والرابط الهزيل» (ص167) أو جسر العبور بين تلك الشخصيات.

هذه الشخصيات المتصارعة على الاسم عربيا وعبريا، تدخل في علاقات مع شخصيات أخرى، انقسمت هي الأخرى إلى قسمين: قسم يغذّي الجانب العربي والفكرة العربية والمأساة الفلسطينية بوصفها مأساة عربية في المقام الأول، وقسم يغذّي الفكرة اليهودية أو الصهيونية، فقد كان محمود ومريم وعادل يغذّون الشق العربي من الحكاية ويعلون من سطوعها ضمن حكاياتهم الروائية، أما بنحاس ومريام وآدم فيغذون المأساة من جانبها اليهودي أو الإسرائيلي أو الصهيوني. وثمة نوع ثالث من الشخصيات وقف محللا أو غير مبال بالصراع أو أنه يحاول التوفيق بين الجانبين المتصارعين. تبدو «عنات» غير مكترثة إلّا بأن تعيش وتمارس حياتها بلا تدخّل في السياسة والصراع وتركز على حياتها فقط ومستقبلها، وتدعو إبراهيم ليحذو حذوها إن كان يريد الراحة والهدوء، تقول مخاطبة إياه: «دعك من كل هذا وعش حياتك كما يحلو لك، أنا وأنت لن يكون بمقدورنا أن نحل مشاكل العالم. لنعش لذواتنا فحسب» (ص113). أما «أبو سريع» فيحاول حلّ لغز اللغة الثنائية ويعيدها لأصول كنعانية سابقة لوجود العرب واليهود كليهما، ومثله ربما كان «آراد» زوج «عنات» المؤيد لفكرة التعايش والسلام.

وتنبغي الإشارة إلى أن ما ورد بخصوص «عنات» في الرواية من معنى الاسم ودلالته، كان الروائي قد طرحه في قصيدة له بعنوان «عناة» (منشورة في عام 2016)، ولم يزد عليه إلا أن أعاده سرديا في الرواية على لسان «أبو سريع» (ص141)، فقد جاء في القصيدة:

«أصغي إليّ أيا عناة

لكي أقصّ عليك

ما عرفت قراءاتي الوفيرة

في الأساطير القديمة

أصغي إليّ

لتعرفي أن اسمك

اختصر الوداعة والجمال

وحضارة الشعب المقيد بالحديد

كي تعرفي أن اسمك اختزل

البحار... الحب.. والأزهار...

والجنس المقدس في المعابد».

هذه الخريطة وزعت الشخصيات ليكون لكل منها دورها في تناول الفكرة، فانشغلوا جميعا بفكرة الصراع واللغة والتاريخ والدين والثقافة وثنائياتها، هذه الثنائية اللغوية لم يسلم منها المكان المحوري في الرواية، وهو قرية صفورية المدمَّرة التي أصبح اسمها «تسيبوري» تحريفا للاسم العربي، والناصرة العليا (اليهودية)، بمقابل الناصرة العربية التي احتوت واحتضنت الناجين من أهل صفورية ليكون لهم حيّ اسمه مشتق أيضا من اسم قريتهم الأصلية (حي الصفافرة).

هذه الفكرة الطاغية في الرواية تركت أثرها في رسم ملامح الشخصيات التي ظلت شخصيات روائية فكرية تحمل الأفكار، فتدافع كلّ منها عن فكرتها، ولم يلمس القارئ شيئا من ملامح تلك الشخصيات الخارجية أو حتى النفسية إلا نادرا في التعبير عن الحزن في حالات الموت أو رسم معالم عامة لفجيعة القتل أو التشرد.

لم تكن تلك الروايات نماذج معبِّرة عن الشريحة التي تمثلها كل شخصية، بل اقتربت كثيرا من الرمزية. وثمة فرق بين الشخصية النموذجية والشخصية الرمز، فإذا كانت الشخصية النموذجية تعبّر عما يشبهها في الحياة الواقعية التي يحيل إليها النص، فإن الشخصية الرمزية هي الشخصية ذات الملامح الفكرية البحتة، والتي تحمل الفكرة بطريقة سردية معبرة عن الفكرة، وكأنها «استعارات شخصية» إذا جاز التعبير.

الموت يغيّب الشخصيات

يلاحَظ على الرواية موت العديد من شخصياتها، فمنهم مَن مات قتلا في حوادث العنف، كمحمود وآدم وابن بنحاس، وأشخاس آخرين من أهالي صفورية، وصديقة عنات التي راحت ضحية عملية تفجيرية. هذه الشخصيات لم تكن في الرواية سوى علامات على تاريخ طويل من الصراع ممتد روائيا لأكثر من خمسين عاما منذ عام 1948 وحتى عام 2002 تقريبا.

أما الشخصيات الأكثر قربا من الفكرة الروائية وحُكم عليها بالموت، فهي شخصية عيسى أبو سريع الذي استُشهد في مدينة رام الله خلال أحداث الانتفاضة الثانية. يشكل موت عيسى رمزية خاصة في السياق الذي جاء فيه، فقد كان يمثل الصوت العقلاني المثقف العارف للتاريخ والثقافة، والمعتدل في أفكاره، اليساري في منهجه. يُقتل على أيدي قوات الاحتلال خلال قمعهم مظاهرة ضد الاحتلال. كأن هذا القتل إخراس لكل صوت عقلاني ومعتدل في طرف الصراع الثاني، وهذا ينم عن عجرفة إسرائيل وصلفها وعدم اكتراثها كدولة احتلال بأي حلّ سلمي، وهذه ثيمة واضحة جدا في الرواية. هذه الدولة العنصرية في تعاملها مع ما بقي من العرب على أرضهم، تفضح ديمقراطيتها الزائفة، وسلوكها العدواني مع كل ما هو فلسطيني، فقد فعلتها الشرطة وقتلت ثلاثة عشر شابا خلال قمع مظاهرة مساندة للفلسطينيين في انتفاضتهم الثانية. يقول إبراهيم: «أدركت معنى كذبة (إسرائيل) وزيف ادعاءاتها.. كيف لي أن أصف ادّعاءات هذه الدولة وأنا أقرأ ممارساتها ككتاب ينضح بالكراهية والعنصرية!» (ص126).

أما القسم الثالث من الشخصيات التي كان لها الموت بالمرصاد، فهي شخصيات الحكاية المتنازع على روايتها: مريم العربية تموت أولا، ثم مريم اليهودية، ثم إلياس، وتلحق به شلوميت. كل هذه الشخصيات تستقيل من العمل الروائي بالموت. هل لهذا الموت من دلالة؟

مريم العربية تموت مقهورة، وقد طال انتظارها ولم تعد إلى صفورية، رأت أن الحلم لن يتحقق، ودخلت في موجة من الاكتئاب قبل أن تموت. ثم لم يطل المقام بمريام لتموت هي الأخرى، وكأن الكاتب أراد هنا إحداث توازن فكري بين المريمين، فلا بد إذن من أن تموت هي الأخرى، فلا معنى لوجودها روائيا وقد ماتت مريم العربية، وكأن وجودهما معا شرط أساسي، فإذا ماتت إحداهما ينبغي أن تموت الأخرى. ماتتا ولم تلتقيا ولم تتصالحا، ماتتا وبقيت القضية معلّقة دون حل، وبموتهما ينتهي الصراع الروائي ولكنه لم ينته على الأرض.

أما إلياس، الداعي للسلام والتعايش، فإنه يموت دون معرفة أسباب الوفاة، وتلحقه شلوميت بعد مدة قصيرة، هل كان موتهما نهاية للأحلام السعيدة والحل الفردي أو رمزية الحل السلمي الذي انهار دفعة واحدة باندلاع انتفاضة الأقصى، فشعرا أن ما ناضلا من أجله مدة أربعة عقود فشل فشلا ذريعا لذلك لا بد من مغادرة الرواية. إن موتهما ربما يؤشر على هزيمة معسكر اليسار ودعاة السلام، فلا مؤشرات على الأرض يمكن أن تبث الحياة في جثة هامدة تدعى «السلام».

أما مَن تبقى من الشخصيات فهي: إبراهيم المأزوم، وعنات غير المبالية بالسياسة، وزوجها آراد، وأخوها بنحاس. حياة هذه الشخصيات تكتسب رمزية معينة في الرواية، تحيل على استمرار الأزمة في نفس إبراهيم الذي بقي وحيدا، مع أنه يمثل قطاعا كبيرا من الناس مفتّتة الهوية، وبقيت عنات التي تعيش الحياة بلا اكتراث ومعها زوجها الخجول سياسيا، ذو التوجه اليساري، وبقي كذلك بنحاس الذي يمثل المشروع الصهيوني بأبشع صوره وخاصة بما يحمله من حقد وكراهية لكل ما هو عربي. وإذا ما أُسبغ على بنحاس رمزية معينة، فهو يمثل دولة الاحتلال بأقسى تصرفاتها وهمجيتها وتعجرفها ولا إنسانيتها، وفي بقائه دليل على تطرف المجتمع الإسرائيلي، ومعه الدولة، وأنه لن يكون هناك حل عادل للقضية الفلسطينية بشقّيها السياسي والإنساني، وربما لذلك وجب أن يبقى بنحاس حيا، مثلما يبقى إبراهيم شاهدا حيا على ما سيجري في المستقبل من مآسٍ.