د. عريب عيد

أستاذة مساعدة - كليّة المجتمع في قطَر


عندما تبحث عمّن وهب نفسه لخدمة العربيّة سادناً في محرابها؛ يقتات على نفائسها، ويعصرُ نتاج فكره ولغته ثمراً تتذوّقه شراباً سائغاً رقّ طعمه، وحلا مذاقه، عرك الجسدَ سهراً وكابد النّفس الجامحة للعطاء لسنوات خلت؛ ليقدّم للمكتبة العربيّة ما يثري، ولمعاجم اللّغات العروبيّة القديمة ما يغني؛ فأنت تقف على العالم الجليل الأستاذ الدّكتور جاسر أبو صفيّة مؤلّف «معجم اللّهجتين الشّقيقتين الأكّديّة والعدنانيّة»، وهو كتاب ضخم إلكترونيّ منشور في موقع المنهل، 2018، في 886 صفحة.

وأمّا المادّة التي وردت في المعجم؛ فقد جاءت مستخلَصة من مئتي مصدرٍ وبحثٍ ودراسة ومقالة، باللّغات الألمانيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة، ومحاولات بعض الباحثين العرب في هذا المجال، كمعجم خالد إسماعيل، «النّظائر العربيّة للأصول الأكّديّة» المنشور عام 2005.

لقد أراد «أبو صفيّة» من خلال عنوان كتابه؛ أن يبيّن أنّ الأكّديّة لهجة عروبيّة حيّة، وليست منقرضة كما يزعم علماء الآشوريّات، وهي لغة لا تختلفُ عن شقيقتها العدنانيّة في شيء إلّا في صيغة الكلمة ودلالتها، وأمّا اللّهجة العدنانيّة؛ فتُعرف باللّغة القرآنيّة، واللّهجتان تتّفقان في كثير من الألفاظ مبنًى ومعنًى.

وبحسب المؤلّف، فليس الغرض من المعجم بيان سماتِ الاتّفاق والاختلاف بين اللّهجتين؛ فقد كُتبَ كثيرٌ في ذلك؛ إنّما يريد الإشارة إلى أنّ الأكّديّة تشتملُ على ألفاظٍ من اللّهجات العروبيّة المختلفة، ولا سيّما العربيّة الجنوبيّة، مبيّناً أنّ المصادر الغربيّة التي اهتمّت باللّغة الأكّديّة تكاد لا تخلو من الإشارة إلى مسألة الألفاظ المقترضَة في الأكّديّة، أو المقترضِة منها في اللّهجات العربيّة.

وفي حين أن المصادر الغربيّة ومَن نقل عنها من العرب تُجمِعُ على أنّ الأكّديّة تخلو من بعض الحروف، (مثل: ا، ث، ح، ذ، ض، ظ، ع، غ، هـ)؛ معللّين هذا بأنّ هذه الحروف غير موجودة في اللّغة السّومريّة؛ إلّا أنّ «أبو صفيّة» يشير أوّلاً إلى أنّه لا يوجد شعب اسمه «سومريّ»، مؤيّداً بهذا «نائل حنّون»، و«جوزيف هليفي»؛ إنّما اللّغة السّومريّة لهجة تُنسب إلى جنوب بلاد الرّافدين، وليس إلى شعب؛ وثانياً يبيّن أنّ الأكّديّة لم تفقد هذه الحروف، وعرضَ بعض الأدلة على ذلك في معجمه، مثل وجود (حرف العين) وغيره؛ وعلّل ذلك بأنّ علماء الآشوريّات الذين ترجموا الأكّديّة لم يستطيعوا نطقها؛ فكتبوها بحروفهم؛ ولم يراعوا ما فيها من إبدال الحروف إلّا في القليل النّادر؛ فنتج عن ذلك أخطاء بيّنتها الدّراسة.

ويحاول «أبو صفيّة» أن يثبت في معجمه أنّ السّاميّة القديمة أمّ اللّهجات العروبيّة، بما في ذلك الأكّديّة تامّة الحروف، كما يعزو مسألة إهمال ضبط الحروف إلى أنّ علماء الآشوريّات لم يتّبعوا النّظام الذي أشار إليه «سَوْرين» بمقالٍ بالفرنسيّة بعنوان «علم قراءة النّقوش» (Glozel Epigraphie)؛ مبيّناً أهميّة ضبط اللّغة عند قراءة النّقوش إذا كُتبت بحروف لغة أخرى؛ لذا وقعوا في أخطاء التّرجمة والتّأثيل.

ونتج عن إهمال ضبط الحروف أخطاء في قراءة الكلمات الأكّديّة؛ لأنّ أكثر المعاجم الغربيّة تنقل معنى اللّفظة الأكّديّة بالألمانيّة والإنجليزيّة أو الفرنسيّة والإيطاليّة أو اللّفظ العبريّ، وقليل مَن يذكرُ المكافئ العدنانيّ على وضوحه. كما أشار إلى بعض أخطاء التّرجمة، ومنها الخلل في تأثيل (ترسيس) الكلمة، وذكر أمثلة كثيرة، منها كلمة (تِنُور: تِنُّور) المستعارة بين اللّهجات، مؤكّداً أنّ كلمة (تنّور) عربيّة قرآنيّة.

وأمّا إبدال الحروف، فكثير في الأكّديّة، كغيرها في اللّهجات العربيّة، وهذا الأمر لم يُعره علماء الآشوريّات اهتماماً في معاجمهم إلّا القليل، ومنهم «ديلتش» في كتابه «الدراسات الآشوريّة» Assyrische Studiën))، كإبدال حرف مكان حرف، مثل: خبيبُ: حبيبٌ/ مساخُ: مَسَح...

وممّا ذكره أنّ أداة التّعريف في الأكّديّة هي الهمزة -مخالفاً ما أجمعت المصادر الغربيّة عليه من خلّوّ الأكّديّة منها- وهي أداة تعريف في المَهريّة، والأخيرة لهجة عروبيّة ممّا تشتمل عليه الأكّديّة، مثل: أبْراتِ: البرية/ أدَقُّ: الدقيق...

ووافق المؤّلّف بعض الكتّاب في ما ذهبوا إليه في أنّ تاء التّأنيث تُكتب مفتوحة في الأكّديّة، وهي سمة من سمات لهجة طيّء، واستشهد بالقرآن الكريم: «أولئك يَرجون رحمت الله» (آل عمران: 103)، ومنها: أمْتُ: أمَة/ جُبْنَتْ: جُبْنَة.. وبيّن حذف النّون السّاكنة في الأكّديّة إذا جاءت خلال الكلمة، ويعوّض عنها بتضعيف الحرف الذي يليها، وهي من سمات لغة المسند، ومنها: أنْتَ وأنْتِ: أتَّ، وأتِّ، وحِنطَة: حِطُّ..

وأحسبُ أنّ هذا المعجم الثّرّ منهل لغويّ للدّارسين، والمهتمّين باللّغات العروبيّة القديمة، فهو مختلف عن غيره؛ لما سبق ذكره، إضافة إلى أنّ الكلمة الأكّديّة تُكتب في هذا المعجم بالحرف العربيّ (الجزْم) مضبوطة بالشّكل الّتّام لبيان حقيقة الحروف، مع ذكر مكافئها العدنانيّ بالشّكل التّام؛ بالاتّكاء على المعنى المترجم، مثل: أباتُ: دمّر، والمكافئ العدنانيّ: أباد، ثمّ تفسيره تفسيراً وافياً؛ لإفادة القارئ العربيّ، مع الاستشهاد بالقرآن الكريم إذا كانت اللّفظة قرآنيّة، وقد قلّل المؤّلّف الاستشهاد بالشّعر والأمثال خوف الإطالة؛ فضلاً عن إشارته إلى ما في الكلمة من إبدال حرف مكان آخر، أو ما لحقها من قلب.