نور أحمد

اختلف الباحثون حول مفهوم السرد، كونه مرادفاً في مصطلحه لعدد من المفردات؛ و«سردَ» أيْ قدّم شيئاً إلى شيء. فيقال: «سرد الحديث سرداً» عند الإطراء على حديثه. ويُقال: «ساق الكلام»، أي في سياق الحديث. ويُقال: «يا بني اقصص علينا»، أي أخبرنا.

لكن ماذا عن مفهومَيّ «الفابيولا» و«السوزجيت»؟

إنّ «الفابيولا» يعني تناول مادة مكتوبة من حيث تتابع الحدث، بينما يعني «السوزجيت» تناول الحدث بالإشارة إليه، إذ يتم تناول سلسلة من الأحداث وما ترتب عليها ودوافعها، فبين المتن الحكائي والمبنى الحكائي فيصل صغير. لذا ظهر مبدأ التغريب؛ وهو الخروج عن المألوف في الأدب.

لكن المألوف في الأدب ظل سائداً ومقبولاً أكثر لدى غالبية القراء، وخاصة عند عُشاق القصّ الوقائعي المرتكز على وقائع تاريخية وسياسية تلامس قضاياهم الجوهرية والحياتية اليومية.

وتعدّ «قِسْم البنفسج» للروائي الأردني جمال القيسي من الروايات الكلاسيكية مكتملة العناصر؛ فقد توافقت اللغة مع أحداث الرواية، حيث تم إدراج جُمَل من العاميّة الدارجة برشاقة متناهية لم تفصل القارئ عن اللغة الفصيحة السائدة على لغة الرواية.

وقد عدّ بعض النقاد استخدام العامية وسط الفصيح سقطةً من سقطات السرد، كون الفصيحة أكثر ثراءً وفيها من البدائل ما هو غني عن اللجوء للمفردات العامية. بينما اعتبر فريق آخر ذلك تعبيراً عن هوية الكاتب التي تقارب بينه وبين القارئ فتمنحه مزيداً من المصداقية والواقعية. ويعتمد الحكم في ذلك على إمكانيات الروائي في توظيف العامية والفصيحة في التوقيت المناسب والمساحة الملائمة داخل النص.

وكما تشي صفحات «قِسْم البنفسج» (الآن ناشرون وموزعون، 2019)، يبدو القيسي سارداً يمتلك لغته ويُجيد توظيفها بما يتناسب مع الحدث والحوار. وتحكي الرواية عبر ٢٤٠ صفحة، قصة «فارس»، الشاب العربي الذي انخرط مع الأحداث التي تجري في فلسطين عبر المشاركة في الحراكات والاحتجاجات التي ينظمها الطلبة في الجامعة. ثم تنتقل إلى الأحداث التي شهدها عقد التسعينات، وتعدّ هذه الحقبة من أشدّ الحقب تعقيداً كونها شهدت العديد من الانهيارات والتحولات على الصعيد السياسي.

ولم يغب عن الروائي التطرق إلى مسألة دخول العراق للكويت وتداعياتها، وتصوير تفاصيل دقيقة من ردة فعل الشارع العربي والشرخ الذي خلّفته تلك العملية. واعتمد القيسي سرداً مفصلاً منفصلاً متصلاً في سياق الأحداث الخاصة بطفولته والصراعات التي أودت إلى التحولات في حياته، بينما يذهب في السياق الثاني إلى الفضاء الوطني والقومي وتناقضاته وإحباطاته.

وربما يكون مستهلَكاً زجُّ القضية الفلسطينية في الأعمال الأدبية، لكنّ القيسي أدرج تفاصيل مهمّشة يجهلها جيل بأكمله، أو غابت عن الذاكرة، فأزال عنها بعض العتمة وأحياها في ذاكرتنا، ليعود بنا إلى حقبةٍ من مساحةٍ أكثر شمولاً، مما يدلّ على ثقافته وتوغله في الحدث، حتى يُخيَّل للقارئ أن هذا العمل ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية.

رسمَ الروائي التفاصيل النفسية التي أودت بالبطل إلى مستشفى الأمراض النفسية، وانعكاس فقْد الأم في مرحلة صعبة من حياته، وما تعرض له من ظلم واضطهاد من أقرب الناس إليه، وبخاصة عمه بعد ترشّحه في انتخابات البرلمان في مواجهته. وتظهر شخصية العم ثلاثية الأبعاد، نموذجاً لصاحب السلطة والنفوذ، يحيك مؤامرة على ابن أخيه «فارس» لإيداعه في المشفى النفسي. وقد تناول القيسي التفاصيل النفسية والسيكولوجية لردة فعل ناتجة عن الإحساس بالصدمة النفسية والعنف المتوارث في أوساط أغلب الشعوب العربية.

واعتمد القيسي على ضمير البطل «فارس» في وصف الحالة التفسية، فزجّ بالقارئ في أجواء واقعية بحبكةٍ روائية متينة السرد: «ألهبتْ مشاعري الموسيقى، وأوجعني صوت فيروز، ومسّني شوق عارم لرؤية عمّان».