د. نوال بنت ناصر السويلم

أكاديمية وناقدة سعودية


السخرية أسلوب فني ونمط من التعبير يوظفه الأديب للنقد الهادف، وللكشف عن عيوب اجتماعية أو فكرية أو إنسانية، فثمة خلل ونقص خارج عن المواضعات الاجتماعية والأعراف المقبولة والمنطق، يلتقطه الأديب من واقعه، ويتناوله بأسلوب مخاتل غير مباشر.

وتحاول هذه المقالة قراءة السخرية من المثقف في مقالات الكاتب محمد العلي، الذي يعدّ من أبرز أدباء السعودية وشعرائها المنتمين إلى مدرسة الحداثة.

وللعلي مؤلفات، منها في الشعر: «لا ماء في الماء»، و«لا أحد في البيت». وفي النثر: «نمو المفاهيم»، و«هموم الضوء»، و«درس البحر»، و«حلقات أولمبية»، و«البئر المستحيلة» الصادر عن النادي الأدبي بالرياض والمركز الثقافي العربي ببيروت/ الدار البيضاء (2013)، والذي تتناوله هذه المقالة.

لقد استحوذت شخصية المثقف على اهتمام العلي، وانتبه الكاتب لهذا الاهتمام، فهو يقول: «منذ زمن وأنا أكثر الكتابة عن المثقف ما هو تعريفه؟ ما هي مهمته؟ كيف يُفترض أن يكون عليه سلوكه الأخلاقي؟ كيف؟ وكيف؟ الموضوع يؤرقني فعلا. وأعتقد أنه يؤرق كثيرين غيري» (البئر المستحيلة، ص87). والاهتمام بالمثقف له ما يسوغه، فالكاتب مثقف ومفكر وشاعر، عايش الحياة الثقافية، وعاصر كثيرا من المثقفين، فهو شاهد حي على مثقفي عصره.

والمثقف وفقاً لإدوارد سعيد، هو» فرد يتمتع بموهبة خاصّة تُمكّنه من حمل رسالة ما، أو تمثيل وجهة نظر ما، أو موقف ما، أو فلسفة ما، أو رأي ما، وتجسيد ذلك والإفصاح عنه إلى مجتمع ما، وتمثيل ذلك باسم هذا المجتمع». ويتعدد مفهومه في الثقافة العربية، وتمثيلاته، وإشكالاته، والمؤلف يعني به الشخصية الفاعلة المؤثرة الإيجابية، وأولى عنايته بالصورة السلبية للمثقف التي لا يقوم فيها بدوره، واتخذه ميدانا للسخرية وأنموذجا بشريا يحلل عيوبه وتفكيره، فلم ينتقد الطبقة العامة، ولا أبناء المجتمع البسطاء، بل خصّ الطبقة المثقفة التي يعوّل عليها في بناء الحضارة، وهذا يفسّر قسوته أحيانا في الحطّ من شأن المثقفين والهزء بهم وبتناقضاتهم، وهجائه اللاذع لأنشطتهم وممارساتهم.

وقد وظّف العلي أسلوب السخرية في رسم صورة المثقف، وهذا التوظيف يتضمن مفارقة حادّة ولاذعة بين الأنموذج والأسلوب، فالسخرية من البخيل والكاذب والمنافق تبدو مقبولة لا تثير غرابةً، أما المثقف فهو شخصية رفيعة في المجتمع، والمتوقَّع هو الإكبار والتعظيم له، ولكن لأن المأمول منه أن يكون نموذجا لبناء الإنسانية وإضافة فعّالة لمجتمعه لم يتحقق، فقد سلّط الكاتب قلمه لتعرية المثقف المزيف، كاشفا عن تناقضه، وغروره، وأسلوبه في التفكير، ومعالجة قضايا الواقع.

وتحدّث العلي عن المثقف باسمه (المثقف)، كما تحدّث عنه بمهنته، أي اشتغاله المعرفي، فانتقد المبدع، والشاعر، والناقد، والصحفي، ومؤلف الكتب، والمفكر، والإعلامي. ولنتأمل هذا النص من مقال بعنوان «قيس الجديد» يقول فيه:

«كلّ يغنّي على ليلاه متّخذاً/ ليلى من الناس أو ليلى من الخشبِ.

وإذا كان هذا التقسيم لليلى، فلماذا لا يكون هناك تقسيم لقيس، فيصبح عندنا قيس من الناس، وقيس من الخشب. قيس من الصَّدَف وقيس من اللؤلؤ؟ ألا تعتقد أنه موجود؟ بلى. إنه موجود، ولكن: حين تريد الكلام معه عليك أن تضع على فمك ابتسامة بيضاء، وتغض طرفك قليلاً، ولا بأس أن تخفض له جناح الذل من التواضع، ولا تنتظر منه أن يكلمك سريعا، فهو سيغرس عينيه في الأفق البعيد، وينادي ذاكرته، ثم يتفضّل على اللغة بأن يأخذ فيها بضع كلمات فاقعة يصوّبها عليك بسكينة ووقار. هل عرفته؟ إنه المثقف. قيس هذه الأيام. عاشق المفاهيم والنظريات» (البئر المستحيلة، ص248).

ففي هذا النص إسقاطٌ ساخرٌ على المثقف من خلال الاستدعاء العكسي لشخصية قيس بن الملّوح، الشاعر العذري المعروف بمجنون ليلى، فقد رسم المخيال الشعري صورة نمطية لقيس العاشق المولّه بمحبوبته حدّ الفناء، لكن الكاتب يعبث بصورته التراثية، فلم يعد هناك قيس واحد: هناك قيس من الخشب، وقيس من الصدَف، وقيس من اللؤلؤ، ما دامت المعشوقة نفسها (ليلى) قبلت هذا التقسيم وفق معنى البيت! وهو مستوحى من قصة الشاعر ابن المولى الذي يتغزل بليلى ويعني بها قوسه، ليدفع بذلك عن نفسه تهمة التشبيب، ويُضرب مثلا على أن لكل إنسان ما يتعشقه ويتعلق ويهيم به إنسانا أو جمادا، فالمجانين كثر، والمثقف هو قيس آخر مجنون لديه شغف وولع، والنظريات والمفاهيم هي ليلاه، ليست من الخشب ولا من الناس، وعشق النظرية يعني اشتغاله على فلسفتها دون الحفاوة بالتطبيق، وهذا نقد ساخر لمثالية المثقف، وعزلته عن اختبار المقولات الفلسفية.

ويمكن التقاط وخزات ساخرة من النص: كالغرور، والفوقية، والتلاعب اللغوي، والتضليل بكلمات جوفاء براقة، والانغماس بالقشور. والتعامل مع المثقف له بروتوكولات، يجسّدها بالوصف الكاريكاتوري الساخر لهيئة محدّثة من لغة جسده: (ابتسامة بيضاء، غضّ الطرف، خفض الجناح). وكلها كنايات ساخرة من انفصال المثقف عن الجمهور، فـ«الابتسامة البيضاء» رسالة سلام وبراءة تبعث الاطمئنان للمثقف من طيبة نوايا محدّثه، فضلا عن حمولتها الدلالية على الاستكانة والخضوع، و«غض الطرف» يحيل إلى هجائية جرير التي أخزى بها الراعي النميري، وكأن العامة هنا هم بنو نمير أذلّاء للمثقف لا يجرؤون على رفع أبصارهم أمامه، و«خفض الجناح» يحيل إلى الآية الكريمة في التذلل للوالدين: «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ» (سورة الإسراء، الآية 24). ولكن محدّثه يخفض جناحه تواضعاً له لا رحمة، لأن المثقف في موقف قوة وتمنع، لا يحتاج رأفة وشفقة.

ويكمل العلي التصوير الساخر بوصف هيئة المثقف كيف يستقبل محدّثه؛ فمع هذا التذلل والخضوع ما يزال المثقف مغرورا، لا يواجهه بالنظر، بل يغرس عينيه في الأفق، وهي لغة جسد تكشف عن لامبالاة، فهو لا يعيره اهتماما، ولا يتواصل معه بصريا، وقول العلي «يتفضل على اللغة»، تدل على عطاء بمنّة يبذله المثقف في انتقاء كلمات لمحدّثه يصوّبها عليه. و«يصوّبها» من قاموس الحرب، فكلماته لا ينطقها كما هو معروف، وإنما يصوّبها كالرصاصات تصيب أهدافها وهو مطمئن واثق من وصولها، إذ لا يخشى أن يخطئ هدفه.

والصورة الجسمانية انعكاس للسمات النفسية، والكاتب يرسم وجه المثقف وملامحه بأسلوب ساخر، كقوله أيضا: «هناك من المثقفين مَن له دائما وجهٌ احتياطي، يعرضه في وقت الانفلات من القيم، مصبوغا بالواقعية، مغسولا ومعطّرا بالجمل المفيدة ذات الرنين الصاخب. الوجه الاحتياطي هذا موجود في كل زمان ومكان، ولكنه في الوقت الحاضر أخذ يلبس أصباغا وأقنعة عديدة، أحدها وأكثرها غدرا قناع الواقعية» (البئر المستحيلة، ص87). فالوجه عنوان الهوية لصاحبه، وانبساطه وانقباضه يظهر على ملامحه فيعبّر عن حالته ومزاجه، وتعدد الوجوه يعني التلوّن والنفاق، فمَن يعيش بوجهين إنسان متناقض بلا مبدأ، فالكاتب يهجو المثقف من أن له وجها احتياطيا، مصبوغا بالواقعية، مغسولا ومعطرا بالجمل الرنانة. وعباراته كلها نقد لاذع للمثقف عندما يتلوّن، ويبدو مفهوم الواقعية ذريعة لظهور هذا الوجه، فالمثقف يعاني من سوء فهم للواقع، ويلبس قناع الواقعية متى شاء ويخلعه متى شاء.

وترتفع حدة السخرية إلى الهجاء الصريح دون كنايات، وتشريح أخلاق المثقفين وسلوكهم، كقول العلي: «دع عينيك تسيران ببطء على أسراب المثقفين المحلّقين في سماء الفكر والأدب، مستدرجا ما يقولون إلى معانيه الضمنية، فماذا سترى؟ سترى أنهم يقولون ما لا يفعلون، وأن أكثرهم يعرف الحقيقة وجها لوجه، ولكنه يشوهها، ويقدّمها لك في موكب من الأصباغ المضلّلة» (البئر المستحيلة، ص302).

فالعبارات هنا مباشرة في نقدها بلا مواربة، ولعل أقساها «يقولون ما لا يفعلون»، فهي وصف قرآني بليغ للمنافقين الذين لا تتطابق أفعالهم مع أقوالهم. ومن بلاغة السخرية أيضا قلب المدح هجاءً، فهو يمدح المثقفين بالمعرفة، وأنهم يمتلكون الوعي في فهم الحقيقة، وجها لوجه، أي بوضوح لا التباس فيه. ثم يقلب هذا المدح إلى هجاء، فمع معرفتهم يشوهون الحقيقة، وهذا هجاء بليغ، إذ لا يعذرون بجهلهم، بل بضررهم مع علمهم.

ويتوقف العلي عند نماذج من المثقفين يسميهم بمهنتهم واشتغالهم الثقافي، ساخرا من تعاطيهم مع مجال تخصصهم، فالناقد الأدبي منفصلٌ عن النص، مشغولٌ بالقشور. يقول: «أعرف أن ما أقوله يستحق الرجم من أساتذتنا النقاد، فحضراتهم يعترفون بهذا المسمى انفعالا، إنهم مغرمون بإحصاء الكلمات التي غابت عن النص، مغرمون بقراءة الفراغات التي في الصفحة/ القصيدة» (البئر المستحيلة، ص230). وهو هنا يقرّ بوعي الناقد بقيمة العاطفة في النص، ومع ذلك ينصرف مشغوفا بتأويل المسكوت عنه، وتقنية الفراغات، أي السمات الفنية خارج النص لا داخله، فتنشأ السخرية من عدم فاعلية الأدوات التي يمتلكها الناقد بأسلوب قلب المدح هجاء.

ويسخر العلي من نرجسية المبدعين، كقوله: «إن أكثر المبدعين لا يستصغرون مَن سبقهم أو جايلهم فحسب، بل يستصغرون إلى حد النكران إبداع مَن يستقبل الربيع، في حين أنهم يودعونه، ينكرون ثمار من يأتي بعدهم» (البئر المستحيلة، ص361). وهنا مبالغة مفرطة في غرور المبدعين، إذ يجمعون بين خصلتين ذميمتين: احتقار السابق، وجحد اللاحق.

ويقول العلي ساخرا من الشعراء الذين يقرؤون الواقع برومانسية: «ما يستوقفني الآن هو تلك الثلة من الشعراء التي تمجد الفقر، وترى فيه ما لم يَر قيس في ليلى... وتراهم صفّا، وألسنتهم شتى، يحاولون إقناعنا بأن الفقر حلْية مرئية أين منها بريق اللؤلؤ، ويهيلون على الفقراء زهور الكلمات بدلا من الخبز» (البئر المستحيلة، ص286). وموضع السخرية هو العزلة التي يعيشها المثقف عن واقعه، فمعالجة الفقر بالقصائد التي تمجّد الفقر، في الوقت الذي يحتاج فيه الفقير إلى رغيف الخبز، مفارقة ساخرة في قراءة المثقف للواقع.

ولكون العلي كاتباً في زاوية صحفية، فقد عني أيضا بنقد الكتابات الصحفية، وقضايا الصحافة، والصحفي له نصيب من نقداته اللاذعة، كقوله: «السادة كتاب الزوايا: هل تكتبون بلغة واحدة أم بلغات عديدة؟ هل تعرفون أن في القاموس كلمة تسمى: الخجل. وأخرى تسمى: المسؤولية. وثالثة تسمى: شرف الكلمة؟ أيها السادة: أين ما تسمونه الضمير، وتلهبون به أسماع الناس وظهورهم في كل ما تكتبون؟ إنه الارتزاق. أليس كذلك؟» (البئر المستحيلة، ص158).

السمة العامة التي تبرزها النماذج السابقة هي الهجاء، والسخرية اللاذعة الحادّة التي تفضح المعايب، وهناك أساليب أخرى فنية غير مباشرة، وطرائق في السخرية من الفكرة، يقول العلي في مقال «الغربان البيضاء»: «الغراب في الذاكرة العربية رمز الشؤم، وكان هذا دافعا جارفا أن تتنادى الغربان لمحو هذه الذاكرة، بعد التفكير في أسبابها في ضوء المنهج التاريخي. عُقد المؤتمر وتقدّم الغراب المنظّر، وكان بنيويا سابقا، فأفاض في شرح السبب، وقال: إنه السواد، فالعرب تكره السواد، ولذا ل ابد من التفكير في الخروج من مأزق السواد، ووفق حقوق الحيوان. قال الغراب الفيلسوف: يجب ألّا نطير إلّا تحت الشمس، فإذا سطعت الشمس فوقنا تحوّل اللون الأسود إلى أخضر، وهذه جدلية تناغم الأضداد. قال الغراب الشاعر: البعد عن الحياة والأحياء هو السواد والقرب هو البياض... وقال الغراب (الجنرال) ذو الأنياب الكثيرة: تطبيقا للديموقراطية، وصونا للحقوق والأخلاق، واستئصالا لأيّ فساد في الوطن، يجب أن نفقأ عيون الناس، حتى تتساوى لديهم الألوان، وهم وإن كانوا مواطنين أعزاء إلّا أن شرف الغربان الجالسين في القمم أهمّ منهم... وهنا صفّق الجميع لهذا الاقتراح العربي الأصيل» (البئر المستحيلة، ص268).

الفكرة التي يود الكاتب إيصالها هي علاقة المثقف بالسلطة، العلاقة التي قوامها المهادنة والموالاة (وإن خالف مبادئه). وتأتي فكرة استرضاء السلطة والتطبيل لها من خلال الأمثولة، أي القصة على ألسنة الحيوانات، فالغربان تريد أن تنسلخ من هويتها وتطمس تاريخها المعروف عنه التشاؤم والقبح، وتحاول البحث عن وسيلة تجمّل فيها سيرتها لتكون مقبولة، هذه الغربان ترمز للمثقفين (الناقد البنيوي، الشاعر، الفيلسوف)، يجتمعون في مؤتمر أيّ مكان رفيع للتداول والحوار والخروج بتوصيات. يلتفت الناقد إلى سيميائية اللون من واقع اختصاصه مفسّرا دلالة اللون الأسود الرمزية التي هي مبعث التشاؤم وأن عليهم الخلاص من إيحاءاته، والإسقاط هنا هو انشغال الناقد بالنظرية حدّ الشغف، دون اختبارها، وهكذا يفعل الشاعر والفيلسوف بتقديم حلول غير واقعية للتخلص من السواد، حين يبدي الجنرال رأيه (وهو هنا يمثل صوت السلطة) تختفي كل الأصوات، وتغيب كل الاقتراحات، ومنطق الجنرال منطق السلطة المستبدة، خيارها الوحيد القمع؛ أن تفقأ عيون الناس فتتساوى لديهم الألوان حماية لشرف الغربان ومكانتهم الرفيعة، والفقء إيذاء وتعذيب، فهو خيار عدواني يدفع ثمنه البسطاء، الذين يصفهم الكاتب بـ«المواطنين الأعزاء». والمفارقة هنا ساخرة من ادعاء المحبة لهم وفقء عيونهم! وترتفع حدّ السخرية المرّة حين يبارك الغربان هذا الرأي بالتصفيق، وهو لا يعني الموافقة حسب، بل الإعجاب و الاستحسان!

ويعمد العلي إلى توظيف المثل في السخرية، فالمثل له حمولة دلالية عميقة كونه يتضمن استدعاء مضربه ومورده، وإسقاطهما على موضوعه الذي يسخر منه. من ذلك قوله ساخرا من رداءة بعض الكتاب: «إنه يملأ صفحة كاملة في جريدة ما، أو يملأ كتابا، وتبقى أنت في دوامة السؤال المرهق: ماذا يريد أن يقول؟! معظم الصحف تحتشد بهذا النوع من الكتّاب الذين تتحول عندهم اللغة إلى حشف وسوء كيل كما يقول المثل القديم» (البئر المستحيلة، ص240). ويُضرب المثل لمن يجمع بين خَصْلتين مكروهتين، فهو لا يكتفي بقبح الأولى بل يرتكب حماقة أخرى. وتتجسد السخرية من لغة الكتّاب من خلال تشبيهها بالتمر الرديء، وعلاوة على رداءته تتضاعف السخرية بالمغايرة في الخصلة الذميمة الثانية، فإن كان بائع التمر يجمع الحشف وسوء الكيل نقصانا، فإن هؤلاء الكتّاب يسيئون الكيل بإطالة المقالات.

ويستخدم العلي التناص بالإحالة إلى نصوص وأحداث عدة، كقوله: «ساحتنا الثقافية هي أكثر من هذا الذي قيل فيها، إنها وريثة ساحة داحس والغبراء، وابنة النقائض التي لا تنازعها هذا الشرف ساحة أخرى» (البئر المستحيلة، ص318)، فهو يشبه الساحة الثقافية المعاصرة بإشكالاتها وما تتضمنه من خصومات ومعارك كلامية، بساحة داحس والغبراء، وهي حرب جاهلية بين قبيلتي عبس وغطفان دامت أربعين عاما. كذلك يحيل إلى فن النقائض، الذي يفتح الذاكرة على قصائد هجائية وسباب ونيل من الأعراض دام زمنا طويلا بين أقطابها الثلاثة. والإحالة هنا لا تشرح ولا تفصل، وتختزل دلالات كثيرة توحي بها الألفاظ التي لها رصيد وافر في تاريخ الأدب. ويحقق هذا التناص السخرية واحتقار الساحة الثقافية سليلة الخصومات ووريثة أخطاء الماضي.

ومن التناص الإحالي، قول العلي ساخرا: «أنطونيو غرامشي (1891-1931) أحد المساكين الذين علّقوا على المثقفين العضويين آمالهم كلها، ولو لم يمت في السجن لَمات حتف ثقافته وهو يعلّق آماله على أشباح، أو على أوهام بيضاء» (البئر المستحيلة، ص315). يسود الكاتبَ شعور بالإحباط من دور المثقفين وفاعليتهم، فيستحضر الفيلسوف غرامشي أحد المشتغلين بهموم الثقافة، وصاحب مفهوم «المثقف العضوي»، أي المثقف الفاعل المنهمك بقضايا مجتمعه، فما قدّمه من فلسفة جديرة بالتغيير، ولكنها لن تثمر لأن المثقفين أشباح وأوهام، وهذا التشبيه سخرية مرة منهم. ويبالغ العلي كعادته في السخرية بأن هذا لفيلسوف لو لم يمت في السجن لمات حتف ثقافته، وموضع التناص الإحالي هو تعبير «مات حتف»، إذ يحيل إلى المثل العربي «مات حتف أنفه»، ويُضرب لمن مات على فراشه، أي ميتة ليس فيها شرف الموت في ساحات النضال وطعنات السيوف، فيحوّر الكاتب «أنفه» إلى «ثقافته»، ليبني دلالة جديدة لمن يتعلق بإصلاح المثقفين وينفق جهده في رسم سبل الصلاح، ويموت ضحية لأمل لم يتحقق.

ويستخدم الكاتب محمد العلي أسلوب الموازنة للسخرية من فكرته التي يتحدث عنها. وبتأمل الموازنات، وأسلوبه في عقدها، نلحظ أنه يختار فكرة أو شخصية قديمة من التراث يضعها بموازاة الفكرة أو الشخصية المعاصرة التي يسخر منها، ثم يحرص على إعلاء قيمة الموروث أيا كان؛ فكرة أم حدثا أم شخصية، والانتصار لوجاهة مضمونه، وصواب منطقه، ونقد الموقف المعاصر، واستهجانه، لكونه مناقضا لأصالة الموروث وعمقه.

فتتكئ الموازنة على مبدأ التناقض بين طرفيها لا على أساس المشابهة، بل وفق منطق التضاد، ويمثل الموروث ركيزة أساسية في أداء السخرية، ومن الموازنات الساخرة، قول العلي: «إن مثقفا عالما مثل الجاحظ كان يجلس في السوق مع الحمارين والحمالين والبرصان، ولكنّ مثقفنا في الوقت الحاضر يرى في دخول السوق عارا، ويرى في محادثة (الدهماء) -كما يُسمى عباد الله الآخرين- إهانة كبيرة، إنه قد صيغ من لؤلؤ كما صيغ قيس من القمر، وعليه ألّا يكلم غير اللؤلؤ» (البئر المستحيلة، ص86).

فالجاحظ رمز من رموز الثقافة العربية، يقابل الكاتب بين حياته الخاصة في بساطتها، واختلاطه بالطبقات الفقيرة، وعزلة المثقف المعاصر عن مجتمعه، فهو يترفع عن مخاطبتهم، ويسميهم بالدهماء تحقيرا لهم، وكأنه مخلوق من لؤلؤ، متعاليا عن بني جلدته، مفاخرا بمكانته، والموازنة تضع الطرفين وجها لوجه، ونلمح الحجاجية في الاستناد إلى الموروث لإبطال الأطروحة المعاصرة، وإضعاف قيمتها. وتلعب السخرية دورها في الاستهجان والتحقير.

ونعثر في المدونة «البئر المستحيلة» لمحمد العلي على سمة أسلوبية لافتة تعدّ من باب التهكم، ويُطلق التهكّم في اللغة على معان كثيرة، منها: التهدم، والتكبر، والتبختر، وشدة الغضب، والاستهزاء. ودلالة الاستهزاء أقربها لمفهوم السخرية، بيد أنه في الاصطلاح أخص منه في اللغة، لأنه في اللغة بمعنى الاستهزاء مطلقا، وفي الاصطلاح هو الخطاب بلفظ الإجلال في موضع التحقير، والبشارة في موضع التحذير، والوعد في مكان الوعيد، والعذر في موضع اللوم، والمدح في معرض السخرية. فالكلام في التهكم تدل ألفاظه على نقيضها. والتهكم يعوّل فيه على تأويل المتلقي، وفاعلية بناء المعنى لديه، وتفسيره للباطن الذي يقصده المتكلم، لأن المعنى والدلالة ليسا في ظاهر الألفاظ التي توحي بالثناء، بل في السياق الذي يعني تأكيد الذم ومناقضة المعنى للمبنى اللغوي.

ومن تهكم العلي بالمثقف، التعبير بألفاظ مدحية والغاية منها الذم، من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح، كقوله: «أرهق كثير من سادتنا الكتّاب أقلامهم المظفرة في الكتابة عن (ما بعد الحداثة)»، فوصف أقلام الكتّاب بالمظفرة يوحي بالتعظيم والإكبار، ولكن المعنى الباطن هو الهجاء، فعبّرت الكلمة عن نقيضها لا معناها المعجمي. وكذا قوله: «ويستمر هذا الكاتب النحرير في بسط مقولته هذه». وقوله: «لماذا لا تحترمه يا أفندي». فالكلمتان «النحرير» و«أفندي» تدلّان على إجلال للمخاطب، وهو مغاير لمقصده الذي يؤكد الذم بألفاظ المدح.

وللتهكم صور متعددة، تخضع للمعيار البلاغي مخالفة الكلام لمقتضى الحال، أي عدم مطابقة الكلام لسياقه، ونلحظ هذا لدى العليّ في محاكاته لأساليب معاصريه، بحيث يكتب قطعة أدبية، مستوحيا نمط الكتابة السائدة، ثم يعقبها بسخرية واستخفاف واستهجان، فتتعمق السخرية لكونه طرح مثالا أمام قارئه، وأفرغه من قيمته ودلالته بنقضه. لنتأمل قوله محاكيا أسلوب الحداثيين في غموضه وتهويماته، ومفسرا بعد ذلك علّة الغموض: «حين يعتكر الأفق حلزونيا، وتتوسد الأشجار سواعدها القزحية في مباهج الظهيرة ذات النكهة الصاعدة في الرماد الأسطوري، ويتورد الماء على حين غرة من شدو الدقائق المنتقاة بفرحة نافرة. حين يحدث هذا تستقيم الخطوط المنحنية، كأنها استمدت غوايتها من صهيل الأبراج المتقاطعة مع الساحات المنقرضة انقراضا آتيا لا شك فيه» (البئر المستحيلة، ص20). هذا النص مصطنع، يزاوج فيه الكاتب بين المفردات دون معنى، فالعلائق بين المفردات شبه غائبة، وتراكيب الجمل بناء لغوي مفرغ من معناه، لا يعبر عن دلالة واضحة، ولا يؤدي وظيفة تواصلية مع القارئ، فيتوه في البحث عن معنى من اللامعنى. وتبرز قدرة الكاتب العلي اللغوية على المحاكاة، والاقتراب من أسلوب الغموض الذي شاع في زمن الحداثة، ومن خلال التهكم بأسلوبهم يطرح فكرته حول الغموض.

ويقف العلي عند النقد الأدبي الذي ينفصل عن النص، وتغيب قيمته في تفسير الإبداع، ويتحول إلى إنشاء لا قيمة له، ويلجأ إلى التهكم بأسلوب المحاكاة للكتابة النقدية، وحذلقة النقاد الغائبة عن روح النقد الجادّ. يقول مفترضا بيتا شعريا يتشكل من نصوص عدة يعلّق عليه النقاد:

«النار فاكهة الشتاء، فإن تجد/ ذا عفة فلعلّة لا يظلم».

البيت هذا لو تكلم عنه ناقد مبتدئ من هؤلاء الذي يركضون في الساحة الآن، ذهابا وإيابا، أفقيا وعموديا، ترى: ماذا سيقول فيه وعنه؟! سيقول عنه: إنه خلاف السائد، إنه خروج على المنطقية الذهنية التي أصدأت الشعر العربي منذ امرئ القيس حتى محمود درويش مرورا بالسياب. إنه صدمة للذوق الإثني الذي ورثناه، وهذه هي روعته الأولى. أما الثانية فهي الموسيقى الداخلية الهادرة في حنايا المفردات التي خلعت قاموسيتها، وأصبحت طيورا بيضاء هائمة في فضاء دلالي أزرق. وسيقول: إن الصورة السوريالية التي تشع في أرجاء البيت وغرفه وساحاته أبلغ من أن نتحدث عن روعتها، ألا تشعر بتلك الهزة التي تخلفها فيك قراءة البيت أو شعريته التي جمعت بين النار والظلم؟ وهكذا سيستمر ناقدنا المغوار في رصف الكلمات ذات البريق الزائف» (البئر المستحيلة، ص95).

تكشف المحاكاة عن تشخيص لسمات النقد التقريضي، بالمبالغة في الثناء والإطراء، والعمومية، والحكم النقدي غير المعلل، والانطباعية، نلتمس هذه الهفوات والمعايب بالمحاكاة لأسلوب النقاد، وغرضها التهكم، إذ هي خارجة عن سياقها ظاهرها الجد وباطنها الهزل.

ومما يدخل في التهكم، الحجاج بالمغالطة، فهو ينتصر لرأي خاطئ وفكرة غير صائبة، ويدافع عن صحتها ووجاهتها تهكما بها، فهو ادعاء بمشروعيتها ومبطن بهجائها والاستخفاف بقبحها ورفضها. يقول العلي: «هل تريد لمقالتك أن تصبح علما في رأسه نار؟ إذاً اكتب بجوار عنوانها (مُنعت من النشر)... فللمنع سبع فوائد تماما مثل السفر: ألّا يقرأها الأمّيون والأمّيات، تنبيه الكاتب إلى أنه اقترب من حمى حرية التعبير، وعليه أن يتذكر داحس والغبراء. التذكير بقول الماغوط (أنتم تملكون المشانق ونحن نملك الأعناق). الدلالة الضمنية بأن السيد الذي مَنع النشر خارج الزمن فهو يتصرف بذهنية القرن الثالث عشر. الدلالة الأخرى على العشوائية في المنع بين صحيفة وأخرى... تذكيرنا بحكمة أبي تمام: (وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود). أما الآن فأنت تنتظر أن أذكر لك الفائدة السابعة، غير أن هذا من المضنون به على غير أهله، وأعرف أنك من أهله، ولكن مَن يضمن لي الآن ألّا يطّلع عليه من ليس من أهله؟» (البئر المستحيلة، ص325).

فالأطروحة التي يتحدث عنها الكاتب هي فوائد منع النشر، والحجج التي يسوقها للبرهنة على صواب أطروحته حجج غايتها السخرية من المبدأ نفسه، ومبالغةً في السخرية يستخلص فوائد من باب «ربّ ضارة نافعة». وتكشف الحجج عن هجاء لاذع لأصحاب القرار، وسوء تصرفهم، وانقلاب السحر على الساحر، فالمنع أقوى وسيلة للنشر. وحين يصل للفائدة السابعة، لا يعلنها، ويتركها لخيال القارئ في تأويل المسكوت عنه، واصفا هذه الفائدة بأنها من «المضنون به على غير أهله»، وهو عنوان كتاب مثار خلاف في نسبته للغزالي، يستوحيه للتشويق وتعظيم الفائدة السابعة، التي لا تعلَن إلا لمن يستحقها. ولأن من يمارس المنع أسلوبه الإقصاء فإنه يضنّ بها عليه لئلا يستفيد منها. والحجاج بالمغالطة دفاع عن فكرة غير صحيحة، للبرهنة على ضعفها وتحقيرها بالتهكم منها.