لكلّ أمّة من الأمم رموزها التي تعتزّ بها وتعلي من شأنها وتحتفي بها في الأزمنة والمناسبات المختلفة، وقد تكون هذه الرموز قادة تركوا أثراً بيناً في حياة المجتمعات أو أسّسوا قواعد في الحكم والإدارة والتعامل وغير ذللك، وقد تكون هذه الرموز مفكرّين نشروا أفكاراً سادت في مجتمعاتهم وتركت آثاراً واضحة في طريقة تفكيرهم ومناهج حياتهم، وقد تكون هذه الرموز علماء اكتشفوا حقائق علمّية وسبقوا إلى ابتكارات لم يسبق إليها غيرهم، مثل عبّاس بن فرناس في محاولته للطيران، وابن خلدون في نظريته في علم الاجتماع، والخوارزمي في الرياضيات، وجابر بن حيّان في الكيمياء وغيرهم من العلماء المشاهير. وقد يكون هؤلاء الرموز من الأنبياء أو الأبطال أو المتصّوفة أو الحكماء أو الشعراء أو البلغاء أو غيرهم.

إنّ احترام تلك الرموز وتعظيمها والاحتفاء بها، سنّة من سنن المجتمعات كافّة التي تتباهى وتفتخر بأعلامها ومنجزاتها الحضارية عبر التاريخ، وتحاول تعزيز هويتها القوميّة بهؤلاء الرموز وإنجازاتهم وفضلهم، كما أنّ في احترام تلك الرموز اعترافاً بفضلهم وأسبقيتهم.

غير أنّه لا يجوز لنا أن نقارن إنجازهم بإنجازات عصرنا، إذا لم تتيسر لهم في تلك الأزمنة الغابرة من الوسائل والأدوات والحوافز والرعاية ما يتيسر للمعاصرين من الإمكانيات المختلفة، ولا يجوز لنا كذلك أن نصدر أحكاماً جائرة على ما حقّقه الأقدمون، فقد عملوا ضمن ما كان متاحاً لهم في زمانهم.

ومثلما لا يجوز لنا أن ننتقص من جهود هؤلاء الأوائل من خلال مقارنة إنجازهم بإنجازات عصرنا، فإنّه لا يجوز لنا أن نبالغ كثيراً في حجم إنجازاتهم ونكتفي بما وصلوا إليه ونحاول تفضيله على ما أنجزه اللاحقون، ففي ذلك ظلمٌ للأوائل وظلمٌ لجهود المعاصرين، ولو عاد هؤلاء الأوائل أحياء بيننا لما قبلوا بأنّ نفضل إنجازهم على إنجازات اللاحقين، فقد كانوا في زمانهم هم الأفضل، ولهم في ذلك فضل كبير، لكنّهم ليسوا الأفضل في كلّ العصور.

إنّ من حقّ رموزنا التاريخية من أهل الفكر والعلم والأدب والسياسة وغيرهم أن نفخر بهم، ولا يجوز أن نتنكر لهم بأيّ حال، لكن لا يجوز لنا أن نقف عند حدود ما وصلوا إليه، وعلينا أن نبني عليه ونضيف إليه، فالإنجاز الحضاري إنجاز تراكميّ وضع قواعده الأوائل وفق ما كان متاحاً ومتيسراً لهم وأضاف إليه اللاحقون، ولا يقلّل من أهميّة ما أسّس الأوائل كون ما أضافه اللاحقون أكثر فائدة وجدوى، فلكلّ فضله وجهده وحقّه في التقدير والاحترام وأن نقلّده في إبداعه وإنجازه.

لكنّ تقليد هؤلاء الرموز أو القدوات لا يكون بمحاكاة حرفيّة لما أنجزوا، بل باحترام ما أنجزوا والبناء عليه، وأن نسعى لأن نكون مبتكرين مثلهم، وأن نقضي أوقاتاً طويلة في البحث مثلما فعلوا هم، وأن نضحّي بأشياء كثيرة كما ضحّوْا، وأن نستفيد من كلّ ما يتاح لنا من الوسائل والأدوات لتطوير ما بدأوا به وما يمكن أن نبدعه نحن، وأن نكون طموحين مثلهم ومحبين للعلم والعطاء والإنجاز.

Salahjarrar@hotmail.com