أبواب - غدير سالم

«الهشاشة النفسية» مشكلة تصيب الكثير منّا، تجعل الفرد عرضة لأن تسيطر عليه المشاعر السلبية والأزمات النفسية، وتدفعه للتعلق بالآخرين، يظنّ أنه يحبهم، بينما الحقيقة أنه يعوض ضعفه من خلالهم.

ويعرّف استشاري العلاج النفسي الدكتور عبدالله الرعود الهشاشة النفسية بأنها: «مصطلح يطلق على شكل من أشكال الإضطراب النفسي يكون فيه الشخص غير قادر على التكيف مع محيطه إلا بوجود مصدر للدعم النفسي والمعنوي لديه».

ويضيف: «الهشاشة النفسية تعود إلى ارتفاع درجة القلق النفسي العام بأشكاله المختلفة، مثل المخاوف المرضية خاصة القلق الاجتماعي الذي يجعل الفرد ينسحب من محيطه الاجتماعي وكذلك موقع العمل».

ويرى الرعود أن: «هناك عدة أسباب للهشاشة النفسية منها العوامل الوراثية بحيث يكون الشخص قد اكتسب عوامل وراثية من احد أصوله كالأب أو الأم، وأيضاً عوامل بيئية تعود إلى أساليب التربية والتنشئة الأسرية، ورفاق الفرد والبيئة المدرسية والمواقف العامة المتعلمة والضغوطات النفسية والتراكمات والإحباطات والصراعات النفسية المختلفة التي تلقاها من بيئته».

ويتابع :«بالإضافة إلى طبيعة الشخص، هناك أنواع من الشخصيات مثل الشخصية العصابية القلقة التي تتأثر بأي موقف ويكون الجانب الانفعالي لديها أعلى من الجوانب الأخرى، فيبكي بسرعة ويضحك بسهولة ويكوّن شخصية اعتمادية تتأثر بسهولة، مثل هذه الشخصيات الاعتمادية لا يمكن أن تعيش إلا بوجود شخصية أخرى تمدها بالطاقة الانفعالية المعنوية، عدا عن أنها تتجنب المواقف الاجتماعية المختلفة ولا حتى مقابلة عدد ولو قليل من الناس».

ويبين الرعود أن: «هناك أمراضا واضطرابات نفسية تظهر الشخص هشا نفسياً وضعيفا مثل الوسواس القهري، والمخاوف المرضية، والقلق الاجتماعي والاكتئاب النفسي، كما أن إصابة الأفراد ببعض الأمراض العضوية الجسدية المزمنة والاصابات الجسدية مثل الشلل النصفي وأمراض السرطان، وغيرها من الأمراض المستعصية تؤدي إلى هشاشة نفسية وإضطراب نفسي».

ويقول الرعود إن من أعراض الهشاشة النفسية: «إرتفاع درجة القلق والتوتر النفسي ويكون فيها الفرد حساسا مع ارتفاع شديد بدرجة الانفعال مثل البكاء بسهولة، عدا عن ضعف الثقة بالنفس فالشخص الذي لديه درجة قلق ومخاوف شديدة لديه درجة منخفضة من الثقة بالنفس، بالإضافة إلى سوء تقدير الذات بحيث ينظر الفرد لنفسه أنه أقل من الآخرين ولا يستطيع القيام بواجباته إلا بوجود شخص يعتبره الملهم ومصدر الطاقة النفسية والمعنوية لديه».

ويضيف أن: «من الأعراض أيضا إرهاق وضعف في الطاقة في كافة المجالات كالعمل وتجنب القيام بالواجبات كافة حتى المنزلية والإجتماعية، ويكون الشخص سهل الإستثارة والعصبية، عدا عن تقلب المزاج وضعف القدرة لديه على المقاومة وعدم تقبل الأخطاء البسيطة».

ويقول: «هناك أيضاً أعراض جسدية مختلفة مثل غصة في الحلق، وضيق في الصدر، وارتفاع عدد ضربات القلب واضطراب في الأمعاء والقولون وإحمرار الوجه، وضعف الطاقة الجسدية والخدران والتنميل في الأطراف واليدين، وفقدان المتعة واللذة بعد القيام بأي عمل أوحتى بعد النجاح، ويرى كل شيء سخيفا بدون فائدة والدنيا قاتمة سوداء بنظره بالإضافة إلى فقدان الأمل، والبعض منهم يلجأ إلى حب السيطرة خاصة على الأشخاص الذين هم أقل منه قوة مثل الأبناء والزوجة في المنزل والمرؤوسين في العمل، ويكون مترددا حساسا سهل التأثير واتخاذ القرار عنده صعب ويفضل أن يكون دائماً في الصفوف المتأخرة».

وينوه الرعود إلى أن :«الشخصية النفسية الهشة بحاجة إلى تقييم نفسي انفعالي بشكل سليم ودقيق، ومراجعة العيادة النفسية وعيادات الاختصاص النفسي للتعامل مع هذه الحالات حتى يتخلص من الهشاشة والاضطراب النفسي وحتى لا تتفاقم المشكلة وتتطور إلى أمراض نفسية مزمنة، بالإضافة إلى التنبيه على الوالدين والأسر في كيفية التربية الأسرية والتنشئة الاجتماعية المعتدلة البعيدة عن الضغط النفسي ووصف الأطفال بصفات غير لائقة، والتعامل معهم بوضوح وعدالة ومساواة».

ويدعو إلى: «نشر الوعي من قبل الإعلام والعيادات النفسية ومرشدي المدارس إلى جانب الاهتمام بوسائل الترفيه لدى الأفراد في الأسر والمؤسسات والقطاع العام كافة للتخفيف من الضغط النفسي والتوتر وبناء شخصية نفسية سوية،عدا عن مراجعة متخصص بالجوانب النفسية ولو على الأقل مرة واحدة كل ثلاثة شهور وليس شهرياً كما في الدول المتقدمة».

ويقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي: «الهشاشة النفسية هي من المصطلحات التي درجت حديثاً في المجال النفسي، وهي عدم قدرة الفرد على التكيف أو التأقلم مع ضغوط الحياة اليومية العادية والطبيعية بمعنى أن أي حدث مهما كان صغيرا يؤثر في الشخص ويستهلك من طاقته النفسية الإنفعالية ويجعل ردود أفعاله غير متوافقة مع طبيعة الحدث».

ويرى التميمي أنه :«لا شك أن القلق قد يكون أحد الأسباب الرئيسية وراء الهشاشة بالإضافة الى أسباب مرتبطة بالبناء النفسي للشخص منذ الطفولة كالبيئة التي نشأ فيها ومقدار ما يتمتع بالحصانة النفسية أو القدرة على التكيف مع ضغوط الحياة وصدماتها».

ويبين التميمي أن :«هناك علامات تميز الأشخاص الذين يعانون من الهشاشة النفسية فغالباً تكون انفعالاتهم متطرفة ومبالغاً فيها اتجاه أي شخص فهم يميلون إلى تضخيم الأمور بحيث لا تتوافق مع طبيعة الحدث، فأي حدث صغير في الحياة اليومية قد يستهلك من طاقتهم النفسية، فيصبحون أكثر قلقاً وتفكيراً في عواقب هذا الحدث، بالاضافة الى ان ضغوط العمل تجعل لدى الشخص هشاسة نفسية وغير قادر على التعامل مع المسؤوليات الموكلة إليه».

ويضيف أن: «تقلبات المزاج تجعل الشخص عرضة للهشاشة النفسية فهو لا يستطيع التحكم بانفعالاته فيغضب سريعاً، عدا عن الاندفاعية باتجاه أي حدث يواجه الشخص في حياته اليومية فتصبح استجاباته سريعة، بالإضافة إلى عدم وجود هدف للشخص، فلا يوجد هدف في حياته سواء على صعيد العمل أو الأسرة أو حتى على صعيد البناء الشخصي أو أي طموح وهذا يجعله سريع الإحباط».

ويتابع :«بالإضافة إلى ضعف الثقة بالنفس وعدم تقدير الفرد لامكانياته، يشعر الفرد أنه أقل من الآخرين وهذا يجعله عرضه سهلة للانتقاد ويصبح حساسا جداً لاي نقد ويفسر كل شيء بشكل ذاتي، عدا أنه يصبح غير قادر على التكيف ومعالجة أبسط أمور الحياة، وهذا نجده عند كثير من الأشخاص لعوامل لها علاقة بالتربية والطفولة والبيئة الأسرية التي نشأ فيها».

ويقول: «إذا كانت بيئة الشخص تتمتع بصحة نفسية بين أفرادها، وهناك أدوار ومسؤوليات لكل شخص، وإعتماد للشخص على قدراته الذاتية، فهذا يجعل لديه مرونة وصلابة نفسية وهذا المصطلح عكس الهشاشة النفسية».

ويبين التميمي: «يحتاج الشخص الذي يعاني من الهشاشة النفسية إلى إعادة بناء شخصيته وإدراكه لذاته وبيئته وللمستقبل والتفكير بالحاضر ووضع أهداف وخطط عملية وتجربة هذه الأهداف وإخضاعها للعمل، وتحمل المسؤولية الذاتية شيء أساسي في بناء المرونة والصلابة النفسية والتعرف على نقاط الضعف ومعالجتها، ونقاط الضعف التي تتعلق بالجانب النفسي الانفعالي التي تتعلق بسرعة الإستثارة ونوبات الغضب والاندفاع التي لا تتوافق مع طبيعة الموقف وتجعل الشخص دائماً سريع التأثر ونزق لأي تغير في شؤون حياته اليومية حتى لو كان بسيطاً جدا».

ويرى التميمي أنه :«قد يخصص الشخص أوقاتا للراحة والاسترخاء نتيجة الضغوط الحياتية كالعمل لساعات طويلة فهو يسبب نوعاً من الهشاشة الناتجة عن الاحتراق النفسي، بالإضافة إلى توجيه طاقاته نحو هواياته أو ممارساته الرياضة أو هوايات محببة، وهذا يزيد من المرونة والصلابة النفسية، عدا عن مدى اهتمام الإنسان بالناحية الغذائية والطعام الصحي، ومقدرته على تكوين علاقات اجتماعية تتسم بالثبات الانفعالي، وهل يحمل أفكارا إيجابية عن بيئته ونفسه وعن حاضره ومستقبله؟ هذه جميعها تجعله يتمتع بالمرونة والصلابة وتحميه من الهشاشة النفسية».