أبواب - وليد سليمان

يرجع نذير عيسى الكردي صاحب التسعين عاما بالذاكرة إلى ما قبل 68 عاما، فيحدثنا عن قطاع السينما في الأردن منذ كان مديرا لسينما دنيا عند إنشائها في عام 1951، بشارع الملك طلال؛ فهي من أوائل دور السينما في مدينة عمان قديماً.

وظل الكردي مديراً لهذه السينما مدة سنتين قبل ان ينتقل لإدارة سينمات أخرى في عمان والزرقاء.

وعن فترة إدارته لسينما دنيا في بداية خمسينيات القرن الماضي يقول الكردي

لأِبواب - الراي:

لقد كان ثمن تذكرة حضور الأفلام السينمائية خمسة قروش في الصالة الطويلة الصغيرة, التي كانت تتسع لحوالي مئة متفرج، بينما في اللوج الصغير جداً فقد كانت التذكرة بِثمانية قروش, وكان هذا اللوج لا يتسع لأكثر من عشرة أشخاص!.

وأكثر هذه الأفلام التي كانت لها شعبية كبيرة لدى الجمهور في عمان هي الأفلام الغنائية العربية للمطرب والممثل «فريد الأطرش»، ثم أفلام بطل الأكشن العربي «فريد شوقي».

وفي الخمسينيات وبداية الستينيات كانت سينما دنيا تخصص يوماً واحداً من كل أسبوع لحضور السيدات في عمان لمشاهدة الأفلام دون الرجال، وقد تصطحب أحياناً بعض العائلات أولادها وبناتها الصغار لمشاهدة وحضور تلك الأفلام للمتعة والترفيه.

وفي الحفلات الثلاث اليومية في دار سينما دنيا كان الجمهور يزدحم في صالة السينما خاصة في أيام الجمعة حتى تنفد التذاكر أو الكراسي.

وحول ذلك يتابع الكردي:«كُنا نُحضر بعض كراسي القش الإضافية الصغيرة ليجلس عليها بعض المتفرجين, عند وضعها بجانب صفوف مقاعد السينما الأصلية المثبتة بأرضية الصالة».

وفيما بعد ومنذ نهاية الستينيات تقريباً أصبحت سينما دنيا من السينمات الشعبية.

وقد أسس هذه السينما المنتج السينمائي إسماعيل الكردي بالإضافة الى سينمات أخرى, وقد اشتهرت سينما دنيا فيما بعد بعرضها لفيلمين واحد عربي والثاني أجنبي بتذكرة واحدة.

ومما أذكره شخصياً أنني في منتصف الستينيات شاهدت من خلال شاشتها معظم أفلام الفنان فريد شوقي ملك الشباك !! حيث كنا نحن الفتيان والشباب مغرمين بمشاهدة أفلامه ذات المغامرات والبطولة التي تتغلب دائماً على الأشرار.

وقد عرضت هذه السينما الفيلم الشهير لفريد شوقي «عنتر بن شداد» عشرات المرات ربما في كل سنة، وفي كل مرة كان الجمهور حاشداً يتشاجر لشراء تذكرة للدخول لإعادة مشاهدة هذا الفيلم التاريخي والبطولي الشيق القديم.

سينما البتراء

وانتقل الكردي بعد تركهِ لسينما دنيا للعمل مديراً لسينما البتراء, والتي كانت تقع في نفس منطقة سينما دنيا بشارع الملك طلال, ولكن في شارع جانبي قريب من سوق اليمنية الآن.

وكانت سينما البتراء هي أول وأقدم وأفخم دار سينما في عمان؛ حيث تم تأسيسها في العام 1935.

وعمل نذير الكردي أبو حيدر فيها مديراً ومسؤولاً بدءاً من عام 1953 وحتى عام 1956، حيث كانت هذه الدار السينمائية أشبه بدار أوبرا !! ترتادها معظم فئات المجتمع في عمان؛ من علية القوم الى الفئات الشعبية البسيطة.

ويقول الكردي:رغم ان هذه الدار كبيرة وضخمة؛ فقد كانت في بعض الحفلات تمتلئ بالكامل، إذا كان الفيلم مشوقاً، فنضطر ان نطلب من موظفي السينما إحضار بعض الكراسي الإضافية الطويلة والفخمة من المقهى المجاور «مقهى «المنشية» الذي لا يبعد عن السينما سوى 50 متراً فقط، وكانت تلك الكراسي توضع في صالة السينما في الفراغات الموجودة ليجلس عليها المتفرجون المتلهفون لحضور الأفلام.

وفي وقت الاستراحة القصيرة كانت تُضاء أنوار الصالة وينتشر باعة المثلجات والقشطة والتسالي لبيعها للجمهور, ريثما يتم إطفاء الأنوار لإكمال عرض الفيلم مرة أخرى على شاشة السينما.

ويذكر الكردي من الفنانين المصريين الذين جاءوا من القاهرة الى عمان لمشاركة جمهور عمان بحضور أفلامهم في تلك الدار كل من: محسن سرحان، مريم فخر الدين، وزوجها الفنان محمود ذو الفقار وغيرهم.

ويتابع الكردي:«كان الجمهور في الصالة إذا ما شاهد موقفاً جميلاً او بطولياً تلتهب أكفهم بالتصفيق والصفير وبالذات من فئة الشباب، أما اذا زاد بعض الشباب من تعابيرهم الحركية والكلامية وصعبت السيطرة عليهم فقد كنت أتصل تلفونياً بقائد مخفر المدينة الذي كان يقع قريباً خلف المسجد الحسيني، ليأتي اثنين او ثلاثة من أفراد الشرطة ويقتادوا المشاغبين الى المخفر للحجز عدة ساعات في النظارة.

ويتذكر الكردي:«كان لسينما البتراء مسرح واسع وفي مقدمته مكان مخفي عن الجمهور «للملقن» الذي كان يساعد الممثلين عندما يقدمون بعض الأحيان مسرحياتهم الحية على خشبة مسرح سينما البتراء».

وكانت دار سينما البتراء عدا عن عرضها للأفلام السينمائية؛ مشهورة أيضاً بمسرحها وصالتها الكبيرة لعقد المؤتمرات والندوات واللقاءات الفنية والغنائية والسياسية والوطنية، حيث كانت بها مقصورة ملكية على «اللوج» لسمو الأمير عبدالله الأول قبل عهد المملكة لحضور بعض الاحتفالات في تلك السينما من خلال مسرحها الواسع.

وتميزت سينما البتراء بعرضها لأحدث وأهم الأفلام في ذلك الوقت مثل فيلم «ذهب مع الريح» من بطولة كلارك غيبل، وعرض أول فيلم ناطق بعنوان «أنشودة الفؤاد» للمطربة نادرة، وأفلام مشاهير الغناء والتمثيل مثل: أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب واسمهان وأنور وجدي, وعبدالحليم حافظ مثل فيلمه » الخطايا», مع أفلام طرزان, والأفلام الحربية والكابوي الأميركية وغيرها.

وظلت هذه السينما الأولى والوحيدة عند قيامها الى أن بدأت تتأسس دور سينمائية أخرى، حيث ظهرت ظهرت سينما الإمارة في في بداية الأربعينيات بشارع الملك فيصل قرب مطعم جبري في عمان.

ويُذكر ان سينما البتراء أتى عليها حريق دمرها وتوقفت عن العمل في منتصف الستينيات, إلى أن تم إعادة بنائها بشكل آخر شعبي وأقل جودة مما كانت!, واستمرت تلك الثانية من العام 1975–1985 تقريباً ثم اغلقت نهائياً ليتم استبدال الموقع كله بسوق كبير للأقمشة الآن.

خبر وتعليق قديم!

ومما جاء في إحدى الصحف الصادرة في فلسطين عام 1936حول نشاط سينما البتراء في عمان «حرفياً » ما يلي: «لقد وصل المشروع الوطني الذي قام به السادة وديع أسعد وتوفيق القطان في عمان الى المرحلة النهائية، فقد رُكِّبت الموتورات الجديدة المصنعة خصيصاً في بلاد الانجليز, ونُظمت تأسيسات ماكنة الصوت, واستكملت جميع نواقصها, وأصبح المتفرج يحصل على أتم خدمة».

ورغم صغر عمان فقد أنجزت إدارة المشروع عمل العقود لأحسن الأفلام (الشرائط) الإفرنجية والشرقية, بواسطة السادة تلحمي إخوان.. وسيبتدئ عرض أهم الشرائط العالمية.

لا شك ان هذا يكبد أصحاب المشروع نفقات باهظة يُشك في إمكان بلد صغير كعمان ان تدر عليهم ربحاً!!.

إلا أنَّ همتهم واجتهاد السادة تلحمي وتشجيع الجمهور لهم سيجعلهم ولا شك يضاعفون اجتهادهم.

ولقد بلغنا أنهم الشهر الفائت تمكنوا من عرض شريط «الزوبعة عند الفجر» قبل ان يُعرض في فلسطين.

وكذلك تمكنوا من جلب شريط «الحاج مراد» من مصر وعرضوه، ويشمل برنامجهم للأسبوع القادم الشريطين الشهيرين «جنينة الحيوانات في بودابست» والشريط القفقاسي «الهلال», وعن قريب سيصلهم شريط «الملكة خرستيني وليلة الحب والدفاع», ثم أشهر أفلام كولومبيا لسنة 1934 وسنة 1935, وأفلام مترو جولدون ماير ويونيفيرسال, وكافة الأفلام العربية والتركية.

ولقد امتازت سينما البتراء عن كافة قاعات فلسطين بكونها الوحيدة التي تمكنت من عرض أفلام الأخبار العالمية باللغتين الإنجليزية والفرنسية.

ولقد علمنا ان أسعار تذاكر الدخول من بداية رمضان المبارك ستنخفض كثيراً.. بحيث تصبح أقل من أسعار كافة قاعات فلسطين السينمائية، وستعرض سينما البتراء ثلاث حفلات كل يوم في شهر رمضان المبارك, الساعة الرابعة بعد الظهر والسابعة والتاسعة ونصف.

ولقد أحضر أصحاب المحل عدة مكبرات لصوت الراديو ليلتقطوا محطة مصر وينشروا أخبارها في حديقتهم الواسعة والمقهى التابع للسينما.

وقد أبرز السادة «أسعد وقطان» وطنية صادقة أثناء المهرجان الكبير لسمو الأمير طلال, واشتركوا فعلياً ومالياً بالاحتفالات.

وكذلك قدموا مقهاهم وقاعتهم مجاناً للحفلة الشيقة التي أقيمت تحت رعاية سمو الأمير المعظم من قِبل التجار الدمشقيين لإزالة سوء التفاهم بين حزب الحكومة والمعارضة، فكانت حفلة رائعة خُتمت بعد الغداء الفاخر بعرض فيلمين: عربي وإفرنجي, وذلك أيضاً بحضور سمو الأميرين عبد الإله (نجل جلالة الملك علي) ونايف (نجل سمو الأمير عبد الله).

سينما ركس

وبعد ثلاث سنوات ذهب الكردي الى مدينة الزرقاء ليتسلم عمله كمدير لدار سينما ركس الشهيرة آنذاك, والتي كانت تقع في طرف منطقة الغويرية.

ومما يذكره الكردي: عندما عرضنا في سينما ركس فيلماً اجنبياً حربياً كان بعنوان «الذهاب والعودة من الجحيم» بطولة «إيدي مورفي» حدث أن كان لهذا الفيلم الاهتمام والاقبال الكبير لدى جمهور مدينة الزرقاء.

حتى ان هذا الفيلم استمر عرضه في مدينة الزرقاء حوالي ثلاثة شهور في أواخر خمسينيات القرن الماضي.

ويقول الكردي:«لقد ذهبت الى قائد معسكر الزرقاء أدعوهُ لحضور هذا الفيلم البطولي المؤثر، حيث قرر قائد المعسكر ان تخصص سينما ركس يوميا حفلة الساعة 6 مساءً فقط لحضور الجنود على دفعات لهذا الفيلم الناجح قصةً وتمثيلاً.

وأخذت سيارات الجيش الكبيرة تنقل الجنود يومياً إلى سينما ركس لحضور الفيلم.

ثم انتقل هذا الفيلم لعرضه على الجمهور في مدن الضفة الغربية كنابلس والقدس, حيث شاهده الجمهور والجنود هناك بترتيب خاص.